رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 28 - جـ 2 - الجمعة 12/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل الثامن والعشرون 

الحزء الثاني

تم النشر الجمعة  

12/9/2025


قال عمه مباشرة دون مقدمات، وصوته كان كصوت الصخر الذي يحمل اسمه.

_اللي كنت عامل حسابه حوصل يا ابن اخوي.


رد جاسر بصوت هادئ ومسيطر عليه، يخفي به العاصفة التي تدور بداخله.

_خير يا عمي؟


_البلد كلها بتتحدت، بيجولوا إنك تركت بت عمك اللي كانت على اسمك سنين عشان كانت معيوبة، واتجوزت بنت تانية عشان توهرب منيها

سمعتنا بجت في الأرض، وكلام الناس مبيرحمش.


شعر جاسر بالأرض تميد به كان الأمر كمن يطفئ حريقًا في صدره، ليجد أن ظهره يحترق. 

لقد كان مشغولاً بمعركته مع نغم، وبألمه على حصانه، لدرجة أنه نسي تمامًا هذه القنبلة الموقوتة.


لم يمنحه عمه فرصة للرد أو التفكير أشار إلى غرفة جانبية، فخرج منها المأذون، يمشي بخطوات بطيئة كأنه رسول الموت قال عمه بحزم قاطع، لا يقبل النقاش.

_مفيش حل تاني يا ولدى. 

لازم نخرس ألسنة الناس هتكتب كتابك على بت عمك دلوجت حالاً.


كان الأمر أشبه بكابوس نظر جاسر حوله رأى الإصرار في عيون الجميع، ورأى العادات والتقاليد كأسوار من حديد تطبق على عنقه، تسحقه بلا رحمة

شعر بعجز لم يشعر به من قبل هو جاسر التهامي الذي يفرض إرادته على الجميع، أصبح الآن سجينًا لثرثرة الناس وقرار عمه

رفضه سيعني إهانة لعمه، وتأكيدًا للشائعات وإشعالاً لنار جديدة لن تنطفئ لقد وُضع أمام الأمر الواقع وحُكم عليه.


شعر بسخرية مريرة كان ينقصه هذا فقط بعد أن فقد حصانه، وبعد أن اعترف بحبه لنغم، يأتي هذا الامر ليلقي في وجهه بهذه المهزلة.


جلس وكتب كتابه على شروق، وهو يشعر بأن روحه تنسحب منه قطرة قطرة. 

مع كل كلمة يقولها المأذون، كان يشعر بخنجر جديد يُغرس في قلبه، ليس من أجله هو فهو معتاد على الألم، بل من أجل نغم جرح جديد وعميق سيضاف إلى جروحها التي لم تلتئم بعد. 

كيف سيخبرها؟ كيف سينظر في عينيها بعد الآن؟


اتخذ قراره في تلك اللحظة، قرارًا يائسًا ولد من رحم العجز لن يخبرها

سيخفي عنها هذا الزواج، سيتحمل هذا الألم وحده، سيعيش في هذا الجحيم بمفرده

لا يمكنه أن يضع حملاً جديداً على كتفيها المحطمتين سيبني جدارًا آخر، جدارًا يفصل بين حياته معها، وحياته مع هذا الزواج الباطل.


بعد أن انتهت هذه المهزلة، خرج من السرايا كأنه جثة متحركة لم يصافح أحدًا، ولم يرد على أي تهنئة قاد سيارته بلا وعي، لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن قلبه كان يقوده إلى مكان واحد فقط

إلى نغم كان يحتاج أن يراها، أن يتأكد أنها حقيقية، أنها ملاذه الوحيد في هذا العالم الذي انهار فوق رأسه كان يهرب من جحيمه، إلى جحيم آخر، لكنه جحيم اختاره بنفسه، جحيم يحمل وجهها.


كان محتاجاً لرؤيتها، محتاجاً لأن يستمد منها بعض القوة ليتحمل ما هو قادم. 

كان محتاجاً لها، أكثر من أي وقت مضى، أن يرتمي في حضنها ويخفي وجهه عن العالم كله.


عندما دخل الجناح، كانت عيناه تبحثان عنها في كل مكان كغريق يبحث عن طوق نجاة

لم يجدها

اتجه مباشرة إلى غرفتها، وفتح الباب ببطء، كأنه يخشى أن يجدها قد اختفت هي الأخرى. 

وجدها هناك نائمة على سريرها وملامحها هادئة وبريئة غافلة تمامًا عن العاصفة الجديدة التي حلت بحياتهما.


نظر إليها طويلاً وفي عينيه ألم وحب وحنان لا حدود له لم يستطع المقاومة أغلق الباب خلفه بهدوء، واقترب من الفراش. 

لم يرد أن يوقظها فقط أراد أن يكون بقربها، أن يستمد من هدوئها بعض السكينة. 

خلع حذاءه وسترته واستلقى بجانبها على طرف السرير فوق الغطاء بكامل ملابسه لم يلمسها، فقط استلقى هناك يستمع إلى أنفاسها المنتظمة، ويشعر بأن وجوده بجانبها هو الشيء الوحيد الحقيقي والصادق في هذا العالم المليء بالخداع والألم.


استلقى جاسر بجانبها صامتاً كشبح، وعيناه تتجولان على وجهها النائم بنهم كان يلتهم كل تفاصيلها، من خصلات شعرها المتناثرة على الوسادة، إلى رموشها الطويلة التي ترسم ظلاً رقيقاً على خديها كانت تبدو هادئة، بريئة، بعيدة كل البعد عن الجحيم الذي يعيشه.


توقفت عيناه عند شفتيها كان جائعاً لهما منذ أن ذاقهما أول مرة، لقد أصبح مدمناً

كان طعمهما لا يزال عالقاً في ذاكرته، يطارده في صحوه ومنامه شعر برغبة عارمة رغبة مؤلمة، في أن يميل نحوها ويقبلها

أن يسرق منها لحظة من النسيان، لحظة ينسى فيها "شروق" والعادات والتقاليد وكل هذا الألم.


وبينما هو غارق في صراعه الداخلي، تفاجئ بها تفتح عينيها ببطء، كأنها شعرت بوجوده بثقل حزنه في الغرفة التقت نظراتهما في صمت، نظراته الجائعة المعذبة بنظراتها النعسة التي سرعان ما تحولت إلى دهشة حذرة.


ما إن استوعبت نغم قربه الشديد، حتى انتفضت مبتعدة إلى أقصى طرف السرير، وسحبت الغطاء حولها كدرع واقٍ 

لم تصرخ لكن عينيها كانتا تصرخان بالرفض والارتباك.

_انت...انت بتعمل ايه أهنه؟

كان أسرع منها قبل أن تتمكن من النهوض أمسك بذراعها برفق، لكن بقوة لا تسمح لها بالحراك وهمس بصوت متحشرج، صوت رجل على حافة الانهيار، صوت لم يعد فيه أثر للكبرياء.

_خليكي... خليكي معايا... أنا محتاچلك.


كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها هذا الرجاء في صوته لم يكن أمراً لم يكن تهديداً، بل كان توسلاً صادقاً من روح جريحة رأت في عينيه حزناً عميقاً، وهناً لم تره فيه من قبل

للحظة تردد قلبها وشعر بشفقة نحوه، لكن صوت كرامتها الجريحة كان أعلى.


تصلبت ملامحها وسحبت ذراعها من قبضته وبحركة فاجأته ابتعدت عنه إلى أقصى طرف السرير، ووقفت ووجهها يعبر عن رفض متردد.

_لأ.

قالتها بصوت يرتجف قليلاً.

_مش هفضل، أنا مش الدوا اللي بتيچي تاخده لما تتعب من الدنيا.


نظر إليها بصدمة ليس صدمة المجروح، بل صدمة الأسد الذي لا يتوقع أن يتجرأ أحد على تحديه في عرينه خاصة في هذه اللحظة كان يعتقد أن اعترافه بحبه قد منحه نوعًا من السلطة على قلبها.

تابعت وهي تجمع شجاعتها، وكلماتها تخرج متقطعة لكنها حادة

_انت كسرتني ودمرت حياتي، ودلوجت لما انكسرت أنت چاي تدور على اللي يداويك؟ أنا مش هكون هي.


استدارت لتخرج من الغرفة، لتفر من هذا القرب الخانق الذي يضعفها أمامه، من عينيه التي كانت تسلبها إرادتها. لكنه كان أسرع. 

في حركة واحدة نهض من السرير ووقف أمام الباب، يغلق عليها طريق الهروب بجسده. 

لم يلمسها لكن وجوده كان سجنًا بحد ذاته.

_مينفعش تخرچي.

قالها بصوت أجش، ليس كتوسل  لكن كحقيقة لا مفر منها، انه يحتاجها بكل كيانه

اقترب منها خطوة، وانخفض صوته إلى همس، همس يحمل كل ثقله وسلطته رغم الألم الذي يمزقه.

_أنا مقولتلكيش خليكي عشان تداويني، لأن اللي جوايا مفيش شيء في الدنيا ممكن يداويه.

غامت عينيه بحزن يجاهد كبرياءه أن يخفيه

_ أنا بطلب منك تخليكي عشان ده مكانك. 

قالها وهو يمسك يدها الواهنة ليضعها على قلبه

_أنتي مرتي ومكانك جنبي، سواء كنت بموت أو كنت عايش على الدنيا.

رأى الدموع تتجمع في عينيها، ورأى عنادها ورأى خوفها

مد يده ببطء وبأطراف أصابعه، مسح دمعة هربت على خدها.

كانت لمسته كالجمر، لكنها كانت أيضًا لمسة مالك.

همس وهو ينظر في عينيها مباشرة، وعيناه تلمعان بصدق مؤلم لا يتنافى مع قوته.

_أنا خابر إني أذيتك، وخابر إني مستاهلش منك أي حاچة بس أنا بموت يا نغم... 

تاهت نظراتها أمام ذلك الرجاء الذي برغم كبرياءه إلا أنه صادق حقا


_روحي بتتسحب مني لدرجة الموت، النهاردة اتجبرت على موت تاني.


صمت للحظة، ليس كمن يستجدي الشفقة بل كمن يقرر حقيقة كونية.

_وأنا مش عايز أموت وانا لوحدي.


لم تفهم معنى جملة "اتجبرت على موت تاني"، لكنها فهمت عمق الألم الذي يحمله وفهمت رجاءه المبطن في كلماته الأخيرة حتى في أحلك لحظاته ضعفاً، كان يحاول التشبث بآخر خيوط شموخه، لكن هذا الخيط كان على وشك الانقطاع.


جالت عيناه على ملامحها بشغف كغريق يرى يابسته الأخيرة

ثم في لحظة حاسمة انهار كل شيء. انهار كبرياؤه، وشموخه، وجبروته

رفع يده المرتجفة، لا ليلمسها بلمسة مالك بل بلمسة محب عاشق

_أنا مش بطلب منك تحضري موتي...


همس بصوت مكسور، صوت لم يعد فيه أثر للقوة، صوت رجل يعترف بهزيمته الكاملة.

_أنا بطلب منك تمنعيني أموت.


رفع عينيه ونظر إليها، وكانت عيناه بحرًا من الألم والرجاء والحب. 

لم يعد هناك شموخ، لم يعد هناك كبرياء كان هناك فقط هو بكل ضعفه، بكل احتياجه يستسلم بكل كيانه أمامها. 

أمام الإنسانة الوحيدة التي أصبح الضعف والاستسلام أمامها مباحًا.


_أنا ضعت يا نغم... كل حاچة راحت مني خليكي معايا... متسبنيش.


كان هذا هو السلاح الذي لا يمكن مقاومته ليس قوته، بل ضعفه المطلق ليس جبروته، بل استسلامه الكامل هذا الرجاء الصادق، وهذا الحب الجارف الذي رأته في عينيه، كانا كافيين لتحطيم كل دفاعاتها. 

لم يعد هناك مجال للتفكير لقد استسلمت ليس لإرادته، بل لقلبها الذي لم يعد يحتمل رؤيته بهذا الانكسار.


أغمضت عينيها، وتنهدت تنهيدة طويلة خرج معها كل ما تبقى من مقاومتها استرخت عضلاتها المتوترة، وأومأت برأسها إيماءة خفيفة، كأنها تمنحه الإذن ليس فقط بالبقاء، بل بالاقتراب أكثر.

تنهد جاسر بارتياح، وكأن جبلاً قد أزيح عن كاهله

لم يقل شيئًا، بل اكتفى بأن يضمها إليه، ليس بحدة أو شغف، بل ضمها كمن يضم شيئًا ثمينًا وهشًا يخشى أن يفقده دفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها كأنه يستنشق الحياة نفسها. 

شعرت نغم بارتجاف جسده، وأدركت أنه لم يكن يمثل لقد كان منهارًا بالفعل.


وفي تلك اللحظة وهي بين ذراعيه، أدركت أن مصيرهما قد ارتبط بشكل لا فكاك منه لم تعد قادرة على الرفض، ولم تعد تريد ذلك، لقد أصبح ألمه ألمها واحتياجه احتياجها. 

لقد استسلمت ليس لإرادته بل لإرادة قلبها الذي اختار طريقه أخيرًا.


تنهد جاسر بارتياح، وكأن جبلاً قد أزيح عن كاهله. 

مال نحوها ببطء، وقبلها، كانت قبلته هذه المرة مختلفة تماماً. 

كانت هادئة حنونة مليئة بالأمان

لم تكن قبلة شغف عنيف، بل كانت قبلة رجل يبحث عن ملجأ، عن ميناء يستريح فيه من عواصف الحياة شعرت نغم بأمان لم تشعر به من قبل، أمان جعل كل دفاعاتها تنهار.


بدأت يده تتجرأ تتحرك على خصرها، على ظهرها تجذبها إليه أكثر. 

مع كل لمسة، كانت نغم تحاول أن تقاوم أن تبتعد لكنه كان ينظر إليها بعينيه المليئتين بالرجاء والألم، نظرة صامتة تقول "لا تتركيني"، فكانت تستسلم مرة أخرى، وتذوب بين ذراعيه.

لا تعرف كيف وصل بها إلى الفراش وكيف جردها من كل مقاومتها

وشيئاً فشيئاً، استسلمت بالكامل.

مشاعرها التي وصفتها بالخيانة، قامت بدورها الحقيقي، دور الحب المكتوم الذي كان ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر 

وسمحت له بأن يأخذها إلى عالمه.


كان حنوناً عليها لدرجة لم تكن لتتخيلها 

أبداً لم يكن هذا جاسر القاسي الذي عرفته، الذي كان مستعداً لتدميرها كان هذا رجلاً آخر، رجلاً عاشقاً جريح يبحث عن الخلاص في حضنها. 

كانت لمساته رقيقة، وهمساته دافئة، وكل حركة منه كانت تحمل اعتذاراً عن كل ألم سببه لها.


وفي لحظة ما شعرت بألم حاد، ألم أكد لها الحقيقة التي لا رجعة فيها.

أنها لم تعد نغم الفتاة، بل أصبحت زوجته بالكامل، أصبحت ملكه ولم يعد هناك أي مجال للتراجع لقد اتحد مصيرهما في تلك الليلة، ليس بعقد على ورق بل بروحين وجسدين أصبحا واحداً.


❈-❈-❈


كانت صبر تجلس كعادتها على طاولة السفرة غارقة في كتبها الجامعية، لكن هذه المرة كان كل شيء مختلفاً كانت ترتدي فستاناً قطنياً بسيطاً بلون الكرز، لكنه كان أقصر مما ارتدته يوماً، يكشف عن جمال ساقيها الممشوقتين. 

ترددت كثيراً قبل أن ترتديه، لكن إصرار ليان عبر الهاتف وتشجيعها المستمر منحاها الجرأة الكافية.


عندما دخل أكمل من الباب، بدا عليه الإرهاق من يوم عمل طويل. 

ما إن رأته، حتى نهضت واقفة بشكل تلقائي وشعرت بالدم يتدفق إلى وجهها. 

كان خجلها حقيقياً ومربكاً. 

وقفت أمامه في قمة ارتباكها، تلوم نفسها في سرها على موافقة ليان على هذه الفكرة الجريئة.


في محاولة للهروب من نظراته المصدومة التي ثبتت عليها، سألته بصوت متقطع

_ أحضرلك العشا؟


وافق أكمل على الفور ليس لأنه جائع بل ليمنحها سبباً للابتعاد عن نظره، لأن مشاعره لم تعد مضمونة على الإطلاق.


مشت صبر نحو المطبخ وهو يتابعها بعينيه، يراقب خطواتها التي بدت أكثر أنوثة وثقة.

ألقى بجسده على الأريكة في الصالة، لكنه كان قراراً خاطئاً. 

من مكانه كان يراها بوضوح وهي تتحرك في المطبخ. 

الفستان القصير مع كل حركة منها، مع كل انحناءة بسيطة كان يرسل موجات من التوتر في جسده. 

كان مشهداً بسيطاً لكنه كان يعذبه.


قاوم رغبته في النهوض

قاوم رغبته في الذهاب إليها.

لكن في النهاية انهارت مقاومته. 

وجد نفسه واقفاً عند مدخل المطبخ يستند على الحائط، ويأكلها بعينيه وهو يراقبها بصمت.


عندما لاحظت صبر وجوده، التفتت إليه فجأة وشعرت بخجل شديد وبندم حقيقي على ارتداء هذا الفستان 

نظرات أكمل كانت مختلفة هذه المرة، لم تكن مجرد دهشة بل كانت نظرات جائعة تمتلكها وترعبها. 

قررت أنها لا تستطيع التحمل أكثر، يجب أن تهرب، أن تغير ملابسها وتعود إلى قوقعتها الآمنة.


تحركت لتخرج من المطبخ لتمر من أمامه، لكن ما إن اقتربت حتى مد يده وأمسك بذراعها، وسحبها إليه ومنعها من المشي.

التصق جسدها بجسده ونظر في عينيها مباشرة. 

رأى فيها كل شيء رأى رغبتها في إثارة انتباهه، ورأى خجلها الذي يعذبه أكثر. 

رأى حباً دفيناً وحزناً وكسرة، ولهفة. رأى كل هذه المشاعر المتناقضة تدور في عينيها الجميلتين. 

وهنا، سألها بصوت أجش وعميق

_ إنتي عايزة إيه يا صبر؟


ارتبكت تماماً، لم تعد تعرف ماذا تقول 

بلعت ريقها بصعوبة بحركة عفوية لكنها أرهقت قلبه أكثر، ونظرت في عينيه التي كانت تشتعل بالرغبة، قالت الكلمة التي قفزت من قلبها إلى لسانها رغماً عنها

_ مش عايزة.

جالت عينيه على ملامحها بشغف كبير ورغبة واضحة

_وضحي مش عايزة ايه.

اهتزت نظراتها أمام نظراته التي تلتهمها بشكل واضح دون احراج

اخفضت عينيها بخجل شديد وتمنت لو الأرض انشقت وابتلعتها

ارادت الفرار لكن إلى أين

_ردي..

رفعت عينيها فجأة إثر طلبه فرأت في عينيه نظرة لم تتخيل يوماً أن تراها بعينيه، نظرة مليئة بالعشق

رفع أكمل أنامله ومررها على وجنتها  مروراً بشفتيها الرخوة وتمتم بصوت مثقل بالمشاعر

_لو لسانك مقلش فنظراتك قالت اللي عايز اعرفه.


وفي تلك اللحظة سقطت كل حصون أكمل


هذا الاعتراف غير الصريح، الذي خرج من قلبها ببراءة وعفوية، كان هو الشرارة التي أشعلت كل شيء. 

كان كل ما يحتاجه أكمل ليسقط قناع البرود واللامبالاة الذي تحصن به طويلاً. 

نظر إليها ولأول مرة لم يرها كمسؤولية أو ورطة، بل رآها كأمنية، كحلم لم يجرؤ حتى على الحلم به.

_وأنا كمان... عايز قلبك.


قالها بصوت أجش، صوت رجل وصل إلى أقصى درجات الشوق وفي لمح البصر، قبل أن تستوعب صبر معنى كلماته وجدت شفتيه على شفتيها.

في قبلة لم تكن عادية كانت قبلة متلهفة، جائعة تحمل كل المسميات. 


كانت هجومًا كاسحًا على كل دفاعاتها الهشة لم تصدق نفسها، لم تكن تعرف ماذا تفعل كان عقلها يصرخ بها أن هذا خطأ، أن هذا سريع جدًا لكن قلبها كان يذوب في طوفان من المشاعر التي لم تختبرها من قبل حاولت أن تبتعد أن تستوعب لكنه لفها ببراعة بحيث أصبح ظهرها ملاصقًا للحائط وهو أمامها يحاصرها بجسده، وبعينيه المشتعلتين.


نظر إليها بنظرة لم تتخيل يومًا أنها موجودة فيه، نظرة امتلاك مطلق، نظرة رجل قرر أخيرًا أن يأخذ ما هو له. 

قالها بصراحة تامة، بنبرة لا تقبل الجدال

_أنا مش باخد حاجة مش بتاعتي... وده حقي.


قبل أن تستوعب معنى كلماته كان قد حملها بين ذراعيه بقوة، وخرج بها من المطبخ صاعدًا درجات السلم إلى غرفته هو، ليرويها ويروي نفسه من عشق أنكره طويلاً

كانت صبر متشبثة به، وجهها مدفون في عنقه تستنشق رائحته وقلبها يدق بعنف كأنه سيخرج من صدرها كان مزيجًا من الخوف والخجل والترقب، وحلم قديم كان يبدو مستحيلاً، والآن هو يتحقق بين ذراعيه.


وضعها على سريره برفق يتناقض مع العاصفة التي في عينيه،

وعيناها كانت تطالبه أن يرأف بها فيبادلها هو بأن ترأف هي به فهو أصبح عاشقا لها

ثم انضم إليها كانت هذه ليلتهما الأولى الحقيقية. 

لم تكن ليلة هادئة، بل كانت ليلة عاصفة انفجرت فيها كل المشاعر المكبوتة كان أكمل عاشقًا شرسًا، لكن في قسوته كان هناك حنان غريب، كأنه يعاقبها على إيقاظ هذه المشاعر فيه وفي نفس الوقت يكافئها على فعلتها كانت كل لمسة منه تحمل ملكية، وكل قبلة كانت تأكيدًا على حقه الذي أعلنه.


أما صبر فكانت ممزقة بين الخوف من هذه القوة الجارفة، وبين استسلام لذيذ لشعورها بأنها مرغوبة ومنشودة لأول مرة في حياتها. 

شعرت بأنها أخيرًا في مكانها الصحيح كان الألم الجسدي الذي شعرت به مجرد تأكيد على أنها عبرت نقطة اللاعودة، وأنها أصبحت ملكه بالكامل، جسدًا وروحًا. 

وفي تلك الليلة لم يكن هناك وكيل نيابة وفتاة فقيرة، بل كان هناك فقط رجل وامرأة، يكتشفان بعضهما البعض في ليلة امتزج فيها العشق بالرغبة، والسيطرة بالاستسلام ليبدآ معًا فصلاً جديدًا لم يكن في حسبان أي منهما.

يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة






5 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل