قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الثالث عشر
تم النشر يوم الأربعاء
26/3/2026
"لم يكن اقترابه ضجيجًا يُربكها، بل سكونًا يُطمئنها… كأنه المكان الذي انتهت عنده كل مخاوفها."
"أيمكن لقلبٍ أن يرتاح من خوف الغد حين يعلم أن هناك من سيخوضه إلى جانبه؟
الندبة الثالثة عشر
دخل آسر إلى غرفة والدته بخطوات هادئة، واقترب منها وهو يقول بدلال محبّب:
— أمي... هل اتصلتِ بريم مؤخرًا؟
ابتسمت سناء وأجابت بصوت هادئ:
— كلّمتها البارحة، لكنها لم تجب. لعلها مشغولة بعملها، أعانها الله.
في الزاوية، كان يحيى جالسًا على الأريكة، يضع حاسوبه المحمول على ساقيه، عيناه مثبتتان على الشاشة، وأصابعه تتحرك بخفة على لوحة المفاتيح، لكن أذنيه كانت مع المؤامرة اللطيفة التي تُحاك أمامه ودون أن يرفع نظره عن الشاشة، قال بنبرة متهكمة:
— ها قد بدأنا.. روميو الهاشمي يشن هجومه الصباحي المعتاد.
تجاهله آسر وتابع حديثه مع سناء قائلًا بإلحاح:
— فلتجربي اليوم مرة أخرى.
هنا أغلق يحيى غطاء حاسوبه فجأة، وسند ذقنه على يده قائلاً بمرح:
— يا أمي، ارحمي الفتى!
ضحكت سناء وقالت ممازحة آسر:
— ولماذا لا تجرب أنت؟
أجابها متنهّدًا :
—اتصلت كثيرًا لكنها لا تردّ، جرّبي أنتِ، ربما تجيبك.
ثم التقط وسادة صغيرة كانت بجانبه وقذفها بقوة نحو يحيى وهو يقول بغيظ:
— اصمت تماماً يا يحيى.. لم يطلب أحد رأيك الآن! ثم لماذا تجلس هنا من الأساس؟ اذهب إلى غرفتك وكفّ عن حشر أنفك في كل تفصيلة، اذهب وانتهِ من دراستك المتراكمة بدلاً من مراقبة من يجيب ومن لا يجيب!
تلقى يحيى الوسادة بضحكة مجلجلة وهو يحتضنها قائلاً:
— طبعاً ستجيب أمي! ريم فتاة ذكية، وتعلم أن الرد على حماتها المستقبلية واجب وطني، أما الرد عليك فهو رفاهية تقرر هي متى تمنحك إياها...
أخذت سناء الهاتف وهي مبتسمة ثم اتصلت بها , وساد صمت ترقبه آسر بأنفاس مكتومة، بينما ظل يحيى يراقبه بابتسامة عابثة. وما إن جاء صوت ريم عبر الخط، حتى أشرق وجه سناء، فغمز يحيى لآسر وهمس :
انظر إلى وجهك.. لقد أضاءت مصابيح القاهرة كلها في عينيك!
كانت سناء تنصت باهتمام لريم وهي تقص عليها ماحدث مجملًا، بينما يقف آسر بجوارها يومئ إليها بعينيه بإلحاح وكأنه يرجوها أن تدعو ريم لزيارتهم.
ابتسمت سناء بتفهم قائلة في نهاية المكالمة:
— الحمدلله أن مرت على خير, تعالي إليّ غدًا يا ريم، لدي أمر مهم أريد أن أحدثكِ فيه.
ثم أغلقت الخط والتفتت إلى آسر، فوجدته يبتسم ابتسامة واسعة,وقبّل رأسها قائلاً بامتنان:
— شكرًا لكِ يا أمي الحبيبة.
ضحكت سناء وربتت على كتفه، بينما غادر آسر الغرفة وهو يشعر بفرح حاول إخفاءه.
وبعد أن خرج، مال يحيى بجسده نحو والدته وهو يرفع حاجباً واحداً بمكر، وقال بنبرة خفيضة:
—أرأيتِ يا ست الكل؟ دخل الغرفة بوجهٍ عبوس، وخرج منها وهو يوزع ابتسامات مجانية وكأنه فاز باليانصيب! صدقيني يا أمي، لو طلبتُ منه الآن أن يتنازل لي عن سيارته أو يكتب لي نصف ثروته لفعلها وهو يغني.. ريم أصبحت هي كلمة السر لفك شفرة هذا التمثال الرخامي الذي نعيش معه! ألم تكن ريم هذه لتظهر قبل أن تدخل الهميس حياتنا وتكتم على أنفاسنا؟
ابتسمت سناء بهدوء، وهي تدرك تماماً ما يرمي إليه ابنها المشاكس، وقالت بحكمة بالغة:
—كل شيء بأوانه يا يحيى.. لا تتعجل!
هز يحيى رأسه ببطء، وعادت الابتسامة العابثة لوجهه وهو يفتح حاسوبه مجدداً وتمتم:
—أوانه طبعاً.. وأنا أيضاً أنتظر هذا الأوان بفارغ الصبر.
ثم غمز لوالدته وضحك بخفة، وعاد ينقر على لوحة المفاتيح وكأن شيئاً لم يكن.
❈-❈-❈
2-
دخلت ريم إلى المحل بخطوات مترددة، لكن عينيها كانتا تحملان تصميمًا خافتًا على البدء من جديد.
لاحظ كريم ترددها، فتقدّم نحوها بابتسامة دافئة وقال بصوت منخفض، فيه نبرة خفية من المودة:
— سعيد برؤيتكِ هنا يا ريم... المكان يزداد حياة بوجودكِ.
أحسّت ريم بما وراء كلماته، فخفضت نظرها محاولة الهروب من تلك الإشارة، ثم قالت بلطف:
— شكرًا لك يا أستاذ كريم... لكن إن سمحت لي، أودّ أن أستأذن اليوم ساعتين فقط، لأزور خالتي سناء فهي تريدني في أمر هام.
أمعن كريم النظر في وجهها لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— موافق يا ريم، لكن هيا، أريدكِ أن تكملي عملكِ أولاً وتعوّضي ما فاتكِ.
أومأت برأسها قائلة:
— حسنًا, سأفعل كل مابوسعي اليوم, عن اذنك.
ثم توجهت إلى مكتبها، تلتقط أنفاسها وتشدّ من عزيمتها، بينما بقيت ابتسامة كريم تلاحقها في صمت.
❈-❈-❈
3-
في نهاية اليوم, اتجهت ريم إلى فيلّا سناء, وقلبها يقرع طبول التردد بين رغبتها في رؤية سناء وبين خشيتها من مواجهة نظرات آسر التي لا ترحم حصونها.
ما إن اقتربت من الباب حتى انفتح وكأن صاحبه كان ينتظر خلفه منذ ساعات. طلّ آسر بهيبته المعتادة، وارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة أضاءت ملامحه المتعبة، وبنبرة دافئة لم يستطع إخفاء لهفتها قال:
— لقد افتقدتُكِ يا ريم.
لم تجبه، بل اكتفت بابتسامة حيية ارتسمت على شفتيها، قبل أن يخرج صوت سناء من الداخل:
— ريم! تعالي يا ابنتي، أريدكِ في أمرٍهام.
دخلت ريم وجلست بجوارسناء، حيث بادرتها الأخيرة بنبرة حانية:
— أريد منكِ يا ريم أن تقرّبي المسافة بينك وبين ديما. منذ الحادثة وهي تنغلق على نفسها وتبتعد عن الجميع.
أومأت ريم قائلة بابتسامة رقيقة:
— لا تقلقي يا حبيبتي, سأفعل.
ثم سألتها بلطف:
— هل ديما في غرفتها الآن؟
أجابت سناء وهي تنهض:
— نعم، إنها هناك ولا تخرج منها.
— إذن اسمحي لي أن أذهب إليها قليلاً.
ابتسمت سناء وربتت على كتفها:
— تفضّلي يا ابنتي، لعلّك تُخرجيها من عزلتها.
صعدت ريم بخطوات هادئة، طرقت الباب طرقًا خفيفًا وقالت بصوت دافئ:
— ديما، أنا ريم, هل تسمحين لي بالدخول؟
جاءها صوت ديما هشًا :
— تفضّلي يا ريم.
دخلت ريم وجلست إلى جوارها على السرير ثم قالت بنبرة حنونة:
— كيف حالكِ اليوم؟ أرجو أن تكوني أفضل.
تنهدت ديما قليلًا وقالت:
— لا بأس... أحاول أن أتعايش مع كل شيء.
ابتسمت ريم مشجعة وقالت:
— أعرف أن ما مررتِ به صعب، لكنكِ أقوى مما تظنين.
ساد بينهما حديث قصير، تبادلتا خلاله بعض الكلام العابر عن الأيام الماضية. وكأن كلمات ريم أذابت طبقة الجليد حول قلبها، فبدأت تحكي لها عن حمزة, وكيف اقترب منها في الفترة الأخيرة. ورغبته في أن تعود إلى العمل.
ابتسمت ريم وقالت بثقة:
— معه حق يا ديما, العودة إلى العمل ستعيد إليكِ روحكِ، وستشعركِ بأنكِ ما زلتِ قادرة على العطاء.
ارتسمت ابتسامة صافية على وجه ديما، وكأن كلمات ريم أكدت رغبتها الداخلية وقالت:
- أعدكِ أن أفكر في الأمر.
ربتت ريم على كتفها مستبشرة ثم استأذنت قائلة:
— أظن أنني سأرحل الآن، فقد تأخرتُ كثيرًا.
ثم ودعتها بقبلات حنونة على وجنتيها.
وهبطت إلى الطابق الأرضي، وحين كانت تودّع سناء، ظهر آسر فجأة وقال بابتسامة حريصة:
— هيا يا ريم، سأوصلك بنفسي.
تراجعت ريم بخجل:
— لا، لا أريد أن تحدث أي مشكلات من جديد.
وفي تلك اللحظة دخل عادل الهاشمي بوقاره المعهود. توقفت ريم مكانها، بينما اتجهت أنظار عادل نحوها بتعجب ممزوج بابتسامة استحضرت ذكريات قديمة. اقترب منها وهو يتأمل ملامحها التي لم ينسَها، وقال بصوت عميق:
— ريم؟ لقد كبرتِ يا ريم وأصبحتِ شابة جميلة.
مد يده ليسلم عليها بحنوّ، فبادلته السلام بخجل وتقدير. وبينما كان عادل يتحدث معها، لاحظ بجانب عينه نظرات آسر التي كانت تلاحق كل حركة لريم بشغف وتملك غير مسبوق؛ نظرات لم يشهدها في عين ابنه من قبل، حتى تجاه خطيبته الحالية!
صمت عادل للحظة، وقرأ في عيني ابنه ما لم يقله لسانه، فقرر بذكائه وخبرته أن يضع حداً لهذا الموقف سريعاً قبل أن يتطور، فقال بنبرة حازمة ولكن هادئة:
— سأرسل السائق ليوصلكِ يا ريم.. لا يصح أن تذهبي وحدكِ في هذا الوقت.
قاطعه آسر بسرعة، محاولاً التمسك بفرصته الأخيرة للبقاء معها:
— لا داعي للسائق يا أبي، أنا في طريقي للخارج وسأوصلها بنفسي.
هنا استدار عادل ونظر إلى آسر نظرة نافذة، كأنه يخبره بوضوح أنه كشف ما في قلبه، وقال بلهجة لا تقبل النقاش:
— أنت تعالَ معي إلى المكتب يا آسر، أريدك في موضوع مهم.
.
ارتسم الغيظ في عيني آسر، لكنّه لم ينطق.
خرجت ريم بعد أن حيّت الجميع بابتسامة لطيفة، وظل آسر يتابعها بنظره حتى غابت عن الأنظار.
اقترب عادل من آسر بنظرة ماكرة وقال بخبث:
— فرحك على لميس متى سيكون إذن؟
تجمّد وجه آسر، ثم قال وهو يحاول التماسك:
— ما زال الأمر مبكرًا يا أبي.
ابتسم عادل وهو يربّت على كتف آسر قائلاً بنبرة ودودة:
— كما تريد يا بُني.
ثم ابتعد متجهًا إلى مكتبه، حيث جلس وأمسك هاتفه يتصل بلميس. ما إن أجابت حتى قال بصوت هادئ يحمل شيئًا من الجدية:
— لميس، هناك أمر عليكِ معرفته.
ثم استرسل في حديثه معها، يروي لها قصة ريم دون أن يغفل عن نبرة التحذير في صوته. وفي ختام المكالمة قال:
— حافظي على خطيبكِ يا لميس، فريم ليست كغيرها من الفتيات!
❈-❈-❈
4-
كان يحيى جالسًا في غرفته، يتأمل السقف بشرود، حين اهتزّ هاتفه على الطاولة بجانبه. التفت سريعًا، وحين رأى اسم فرح يضيء الشاشة، ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع كبحها.
أجاب بصوت دافئ:
— أهلاً يا فرح.
ضحكت بخجل من الطرف الآخر، وبدأت تحكي له تفاصيل يومها الطويل: عن مواقفها الصغيرة، وأفكارها، وحتى عن القرارات التي تودّ أخذ رأيه فيها. كان يحلل نبرة صوتها، ويبحث بين كلماتها عن سر ذلك الغموض الذي يغلفها. يضحك أحياناً، ويناقشها في آرائها أحياناً أخرى، لكن عقله كان يعمل كآلة رصد؛ يسأل نفسه: لماذا تصرين على التواجد في يومي بهذا الشكل يا فرح؟
قال لها في نهاية الحديث بنبرة هادئة:
— على كل حال، يبدو أن صوتكِ أصبح طقساً يومياً لا مفر منه.. صرتِ جزءاً من جدول يومي المزدحم، وهذا أمر لم أخطط له أبداً.
ابتسمت هي في صمت، ثم ودّعها بعد أن اطمأنّ عليها.
وضع الهاتف إلى جانبه، واستلقى على السرير ممدّدًا ذراعيه، ينظر إلى السقف بعينين نصف مغمضتين، همس لنفسه بابتسامة هادئة:
كأنها سحبتني لمنطقتها بذكاء. لكن مهلاً يا يحيى، منذ متى وأنت تؤمن بالصدف التي تأتي بهذه المثالية؟ هناك شيء خلف هذا الهدوء، شيء لا أستطيع الإمساك به بعد.
أغمض عينيه لينام، وقلبه منجذب لهذا الشعور الجديد، بينما عقله لا يزال مستيقظاً، يبحث عن القطعة الناقصة في أحجية فرح.
❈-❈-❈
5-
كانت ريم تقف خلف الطاولة في المحل، ترتّب بعض القطع بعناية، حين دخلت امرأة أنيقة ترتدي ثوبًا راقيًا، تفوح منها رائحة عطر فاخر. تقدّمت المرأة بخطوات واثقة، ثم سألت بابتسامة لطيفة:
— أريد آنسة ريم من فضلكم أين هي؟
رفعت ريم رأسها، واقتربت منها بهدوء وابتسامة ودودة:
— أنا هي، تفضّلي يا سيدتي، ما الذي ترغبين به؟
قالت المرأة وهي تعبث بخاتم لامع في يدها:
— الحقيقة أنني أريد أن أشتري هدية لخطيبي، آسر الهاشمي، وقد أخبروني أن ذوقكِ رائع وتعرفين ما يناسبني.
تجمّدت ملامح ريم للحظة، وشحب وجهها كأن الأرض سحبت أنفاسها.
لكنها حاولت تماسك نفسها سريعًا، فابتسمت بخفوت وقالت بصوت متماسك قدر الإمكان:
— بالتأكيد، سأساعدكِ في اختيار شيء مميز له.
لميس لم تكن المرأة التي تتنازل عما تراه حقًا لها، خصوصًا إذا كان ذلك الشيء رجلاً اختارته لها. لم يكن الأمر حبًا بقدر ما كان رغبة في الفوز، إحساسًا دفينًا بأن وجود آسر بجانبها يثبت تفوقها، وأن فقده لصالح أخرى أيًّا كانت هو جرح لكبريائها لا تحتمله.
بدأت ريم تعرض لها بعض الخيارات، وهي تخفي ارتباكها خلف ابتسامة باردة. وعندما انتهت لميس من شراء الهدية وغادرت المحل، جلست ريم على الكرسي القريب، يدها ترتعش، وعيناها زائغتان في صدمة لا تستطيع تفسيرها.
اقترب كريم منها قائلًا بقلق:
— ريم، ما بكِ؟ وجهكِ شاحب!
هزت رأسها محاولة التماسك:
— أشعر بالتعب قليلًا... هل يمكن أن أستأذن وأغادر مبكرًا اليوم؟
ابتسم كريم بتفهّم:
— بالطبع، لا بأس. سأوصلك بنفسي.
تراجعت بسرعة:
— لا داعي لأن تُتعب نفسك، سأستقلّ سيارة أجرة من أمام المحل.
جمعت أغراضها وغادرت بسرعة قبل أن يسألها المزيد.
طوال الطريق، كانت شاردة الذهن، تفكّر في كلمات تلك السيدة. هل يعقل أن يكون آسر خطيبها؟ ولماذا لم يخبرها بشيء؟
ما إن وصلت إلى البيت حتى دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها. جلست على السرير، والدموع تتدفق على وجنتيها بلا توقف، قلبها يختنق بين الغضب والخذلان.
رنّ هاتفها، نظرت إلى الشاشة، كان آسر يحاول الاتصال. مسحت دموعها بعصبية، لكن أصابعها لم تتحرّك للرد. تركت الهاتف يهتزّ حتى توقف، ثم دفنته تحت الوسادة، كأنها لا تريد أن تسمع صوته أبدًا.
وبعد دقائق طويلة, كانت جالسة على طرف السرير، وجهها مدفون بين كفيها، والدموع تنهمر بلا توقف. قلبها يعتصره الألم، وصوتها يختنق بين شهقات متقطعة. لم تسمع باب الشقة يُفتح بهدوء، ولم تنتبه إلى وقع خطوات مروان وهو يقترب من غرفتها مترنحًا، تفوح منه رائحة المخدر!
فتح باب غرفتها فجأة، فرفعت رأسها بفزع، لتجده يقف أمامها بعينين زائغتين. قال بصوت متلعثم:
-لم أكن أتوقع أن أجدكِ هنا، ما أجمل هذه الصدفة.
نهضت ريم بخوف، وتراجعت إلى الخلف وهي تهتف:
— مروان! أخرج من هنا فورًا! سأنادي على عمتي.
ابتسم ابتسامة باردة وقال بصوت متوحش:
-البيت خالٍ ياحلوة... لن تفلتي هذه المرة.
حاول الانقضاض عليها، لكنها اندفعت تركض خارج الغرفة، قلبها يخفق كطبول الحرب. وصلت إلى الصالة، تبحث بعينيها عن مخرج، عن أمل للنجاة. استدار مروان خلفها بخطوات ثقيلة، بينما هي تصرخ برجاء:
— أرجوك يا مروان، دعني وشأني، ارحمني!
ضحك بخبث:
— لن يخلّصك أحد الآن،أنتِ لي.
وبينما كان يقترب منها، وقعت عين ريم على زهريّة زجاجية فوق الطاولة، خطفتها بسرعة، وضربته بها بقوة على رأسه. ترنّح للحظة وهو يمسك برأسه والدماء تنزف منه.
في تلك اللحظة، فتحت سناء باب الشقة ودخلت، فتجمد مروان مكانه.
صرخت ريم بخوف، ثم اندفعت إلى غرفتها وأغلقتها بالمفتاح، بينما ظل مروان واقفًا يضغط على جرحه.
اقتربت سناء بسرعة، أخذت بيد مروان وهي تقول بقلق:
— ماذا حدث لك يا مروان؟!
قادته إلى الأريكة وجلست بجواره، تلتقط أدوات الإسعاف من الدرج. كانت يداها ترتجفان وهي تنظف الجرح بعناية، وعيناها تلمعان بالحزن عليه.
أما ريم، فكانت خلف باب غرفتها، تجلس على الأرض، وجهها مبلّل بالدموع، وصوت أنفاسها متسارع. وضعت رأسها بين ركبتيها، وهمست لنفسها:
— لا... لا أستطيع البقاء هنا بعد الآن.
كانت كل تفاصيل اللحظة تتكرر أمام عينيها ككابوس: يد مروان التي حاولت الاقتراب منها، نظراته المريبة، وصوت خطواته وهي تهرب منه. قلبها يرتجف وكأنها لا تزال تركض.
رفعت رأسها ببطء، وجففت دموعها بيد مرتجفة، واتخذت قرارها داخليًا: سأرحل من هذا المكان مهما حدث... لن أعيش تحت هذا السقف بعد اليوم.
وبعد دقائق لا تدري عددها, وقفت قرب النافذة، تُحاول أن تُخفي ارتجاف أصابعها وهي تمسك هاتفها. ضغطت على الرقم، ولم يمضِ وقت طويل حتى جاءها صوت آسر عبر الخط، عميقًا وواثقًا كعادته.
قالت بصوتٍ هادئ لكنه حاسم:
– آسر، أريد منك خدمة عاجلة... أرجوك، ابحث لي عن شقة، أي مكان صغير أستطيع أن أعيش فيه وحدي.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم جاء صوته متسائلًا بنبرة متعجبة:
– شقة؟! لماذا؟ هل حدث شيء؟
أخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تُخفي اضطرابها:
– لا أستطيع البقاء هنا أكثر، هذا البيت أصبح خانقًا... أرجوك يا آسر، الأمر مهم.
أجاب بثقة، وكأنه يريد أن يطمئنها:
– لا تقلقي، مع صباح الغد سيكون كل شيء مُرتَّب. سأجد لكِ شقة تناسبك.
ترددت لحظة، ثم قالت بنبرة خافتة:
– شكرًا لك...
ثم أضاف سريعًا، كأنه يتذكر أمرًا:
– لكن لماذا لم تردين على اتصالاتي ؟ لقد حاولت مرارًا .
ارتبكت ريم، وجالت بعينيها في أرجاء الغرفة كأنها تبحث عن مخرج من هذا السؤال، ثم أجابت:
– كانت هناك... بعض المشاكل البسيطة في البيت.
سكت قليلًا، وكأن كلماته تتفحص نبرة صوتها:
– مشاكل بسيطة؟ أنتِ متأكدة؟ هل أنتِ بخير ياريم؟
ابتسمت بضعف رغم أنه لا يراها:
– نعم، أنا بخير, لا شيء يستحق القلق، فقط دعنا نُنهي موضوع الشقة.
أجاب بلهجة حاسمة:
– كما تريدين، اعتبري الأمر منتهيًا.
أغلقت ريم الهاتف ببطء، وقد شعرت بثقلٍ انزاح عن صدرها قليلًا، لكنها كانت تعلم أن الحقيقة التي أخفتها أكبر من أن تُقال!
❈-❈-❈
6-
كانت شمس المغيب ترسم خيوطًا برتقالية على حديقة البيت حين توقّف حمزة أمام بوابة منزل عادل، قلبه يخفق بشدّة وكأنه يسبق خطواته. لم يُخبر ديما بقدومه، ولم يستشر قلبها الذي يعرف أنه يسبقه في الموافقة، بل جاء مدفوعًا برغبة حاسمة في أن يطرق بابها هذه المرة ليس كزائر عابر، بل كخاطب رسمي.
رنّ جرس الفيلا بهدوء، فنهض عادل من مجلسه في الصالون ليجد حمزة واقفًا عند الباب، يرتدي قميصًا أنيقًا ووجهه يحمل مزيجًا من الحماسة والرهبة. ابتسم عادل مرحبًا:
– أهلاً يا حمزة، تفضل، البيت بيتك.
دخل حمزة بخطوات مترددة لكنها واثقة، جلس في الصالون بعد أن دعاه عادل، وجاءت سناء حاملة القهوة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة فضولية.
لم يطل حمزة في المقدمات، بل جمع شجاعته وقال بنبرة جادة:
– عمّي عادل... أنا جئت اليوم لأطلب يد ديما رسميًا. أريد أن تكون شريكة حياتي.
تهللت ملامح عادل، ولم يُخفِ فرحته، كانت الكلمات بالنسبة إليه بشرى مُنتظرة، خاصة أن شراكته التجارية مع والد حمزة جعلت الأمر يبدو كأن القدر رتّب كل شيء. هتف على الفور:
– والله يا بني لقد أسعدتني، هذا شرف لنا، وأنا أرى فيك الرجل المناسب لها... موافق طبعًا!
لكن سناء رفعت حاجبيها بابتسامة رقيقة وقالت:
– لحظة يا عادل، دعنا نأخذ رأي ديما أولًا، هذه حياتها.
هزّ عادل رأسه موافقًا:
– معكِ حق، أحضريها يا سناء.
صعدت سناء إلى غرفة ديما. طرقت الباب بخفة، ثم دخلت لتجد ابنتها جالسة على طرف السرير، تلمس بيديها الوسادة بجانبها في حركة عفوية اعتادت عليها. جلست الأم قربها وقالت بصوتٍ مفعم بالحنان:
– ديما، هناك من ينتظرك في الصالون... حمزة جاء يطلب يدكِ.
توقفت حركة يدي ديما فجأة، وكأن الوقت توقف معها، وشعرت بحرارة تتصاعد إلى وجهها حتى احمرّت وجنتاها. همست في ارتباك:
– ح... حمزة؟ هنا؟ يطلب يدي؟ أنا؟
ضحكت الأم بخفة، ووضعت يدها على كتف ابنتها:
– نعم يا حبيبتي، يريدك زوجة له، ماذا أقول له؟
ظلت ديما صامتة، تتنفس بسرعة، لم تجد أي كلمة تعبر عن الدهشة التي اجتاحت قلبها. أطبقت شفتيها وحرّكت رأسها في ارتباك، فأدركت سناء جوابها قبل أن تنطق.
– مبروك يا حبيبتي. أتم الله عليكما بالخير.
لم تستوعب ديما كلمات أمها سريعًا، كأنها احتاجت لحظات كي تُدرك أن حمزة في الأسفل ينتظرها. قلبها كان يخفق بقوة لم تعهدها من قبل.
قالت سناء وهي تمسح على شعرها:
– قومي يا ابنتي، لنُقابله. لكن قبل ذلك، دعينا نختار شيئاً يليق بجمال هذه اللحظة.
اتجهت سناء نحو الخزانة وأخرجت فستاناً بسيطاً بلون هادئ وناعم، كانت قد اشترته لديما مؤخراً. ساعدتها في ارتدائه ببطء وصبر، تنسق طياته على جسدها الرقيق، بينما كانت ديما مستسلمة تماماً ليدي والدتها، وقلبها لا يكف عن الخفقان.
انحنت سناء لتعدل لمسات الفستان الأخيرة، ثم همست في أذنها:
— تبدين كالأميرة يا ديما.. هذا اللون هادئ تماماً مثلكِ.
أمسكت سناء بيدها وأرشدتها نحو الدرج ببطء، بينما كانت ديما تحاول أن تخفي ارتعاش يديها. كل خطوة نحو الصالون كانت كأنها دقات على باب قلبها.
حين دخلت ، لم ترَ ملامح حمزة، لكنها شعرت بنبرات صوته الدافئ وهو ينهض واقفًا احترامًا:
– مساء الخير يا ديما.
ارتجفت شفتاها وهي ترد بخفوت:
– م... مساء الخير.
جلست إلى جوار والدها الذي قال ببهجة واضحة:
– حمزة شرفنا اليوم بطلب يدك، يا ابنتي.
أحنت ديما رأسها خجلًا، ولم تستطع الرد. أما حمزة، فقد لمح ارتباكها في صمتها، فقال بنبرة هادئة ومطمئنة:
– أنا هنا لأنني أريدكِ شريكة لحياتي, جئتُ لأعدكِ أن يكون قلبي هو منزلكِ الآمن، وأن تكوني أنتِ السكينة التي أبحث عنها في ضجيج هذا العالم. جئتُ لأقول لكِ إن وجودكِ بجانبي هو كل ما أحتاجه، وسأكتفي بصدى ضحكتكِ ليكون هو أجمل ما أسمع في أيامي.
شعرت ديما بحرارة كلماته تتسلل إلى أعماقها، فارتبكت، ولم تجد أي كلمة لترد بها. فتحت شفتيها مرتين كأنها تريد الكلام، ثم أطبقت فمها بصمتٍ خجول، واكتفت بأن تُميل رأسها قليلًا للأسفل، كأنها تُقرّ بما قاله دون أن تنطق.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
