رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 13 - الأحد 15/2/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثالث عشر
تم النشر الأحد
15/2/2026
مع أول خيوط الصباح، استيقظت سميرة وهي تشعر بنشوة انتصار لا تخطئها العين. لم تترك يوسف يستيقظ من تلقاء نفسه، بل بدأت توقظه بلمسات رقيقة وهدوء، وكأنها تؤكد له أن عالمها هو الملاذ الوحيد لراحته.
تحركت بذكاء في الغرفة، أحضرت له ملابسه المختارة بعناية، وساعدته في ارتداء هندامه وهي تتبادل معه أحاديث قصيرة وهادئة، متجنبة أي موضوع قد يعكر صفو مزاجه، لتضمن أن يخرج من غرفتها وهو في قمة الرضا عنها.
على الجانب الآخر، وفي الغرفة المجاورة، كانت نور قد قضت ليلة من أصعب الليالي. الغيرة كانت تأكلها وهي تتخيل يوسف في أحضان سميرة. لم تستطع النوم بانتظام، وظلت عيناها معلقتين بالساعة، تنتظر اللحظة التي يخرج فيها يوسف.
حسمت نور أمرها، وارتدت ملابسها بسرعة وهبطت إلى الطابق السفلي وهي تحاول رسم ملامح البرود على وجهها، لكن بمجرد وصولها لغرفة الطعام، تجمدت مكانها.
رأت يوسف وسميرة يجلسان معاً على المائدة؛ سميرة كانت تميل بجسدها نحوه ب دلال وهي تضع له القهوة وتضحك على كلمة قالها، بينما كان يوسف يبدو مرتاحاً وهادئاً.
استدارت سميرة بمجرد شعورها بوجود نور، ورسمت على وجهها ابتسامة نصر عريضة وقالت بنبرة مستفزة:
ـ صباح الخير يا نور.. نمتي كويس؟ يوسف صحي بدري النهاردة ونزلنا نلحق الفطار سوا قبل الزحمة.
نظرت نور ليوسف، تنتظر منه رد فعل أو كلمة تبرد نار قلبها، لكن يوسف اكتفى بهزة رأس هادئة قائلاً:
ـ صباح الخير يا نور.
استقرت نور في مجلسها معهم بهدوء تام، مكتفية بتلك الابتسامة الباردة التي لم تفارق وجهها وهي تجيب سميرة، وكأنها قررت أن تراقب المشهد بصمت دون أن تمنح أحداً فرصة لاستفزازها.
في الطابق العلوي، كانت جيهان تعزل نفسها تماماً عن هذا الصخب؛ جلست تتناول قهوتها وبعض الشطائر في سكون غرفتها، مفضلةً ألا تشاهد ما قد يزعجها أو يخدش كبرياءها، وكأنها بوعي أو دون وعي، تناست أن هذا اليوم هو يومها الخاص مع يوسف، فاستبدلت مشاعرها بجدية العمل.
عندما هبطت جيهان إليهم، وجدتهم لا يزالون يلتفون حول المائدة. لم تضيع سميرة اللحظة، وبدأت في حركاتها المعتادة لإغاظتها وإظهار قربها من يوسف.
نظر يوسف إلى جيهان بتعجب وسألها:
ـ ليه منزلتيش تفطري معانا يا جيهان؟
ردت عليه بنبرة عملية جافة وهي تنظر لساعتها:
ـ أنا خلاص شربت قهوتي وفطرت.. ياريت نتحرك دلوقتي علشان ورانا شغل، ولازم نمشي.
لم يجد يوسف مفراً من الاستجابة لطلبها، فنهض مستعداً للمغادرة، ولكنه التفت لسميرة ونور قبل أن يخطو خارجاً وقال بحزم:
ـ إحنا هنتأخر في الرجوع النهاردة.. متستنوناش.
ثم غادر مع جيهان وخرجا معاً متجهين إلى الشركة
بمجرد وصولهما إلى الشركة، انفصلت جيهان عن يوسف وتوجهت مباشرة إلى مكتبها، غارقة في أوراقها لتهرب من تفكيرها في تصرفات سميرة. وبينما هي منهمكة، أضاء هاتفها برسالة من شقيقتها كاميليا تخبرها فيها بالموعد المنتظر: "سأصل بعد أسبوع".
انفرجت أسارير جيهان وارتسمت على وجهها ابتسامة سعادة حقيقية افتقدتها منذ الصباح؛ فقد اشتاقت لشقيقتها التي ربتها كثيراً. عادت بها الذاكرة لرفضها هي وعمها عدنان فكرة سفر كاميليا للدراسة بالخارج خوفاً عليها، وكيف كان يوسف هو الداعم الوحيد لكاميليا، حيث أقنعهما بضرورة تركها تحقق طموحها طالما أنها تمتلك الإرادة.
في هذه اللحظة، دخل تامر المكتب، ولاحظ فوراً التغيير في ملامحها، فسألها بفضول:
ـ يا رب دايماً الابتسامة دي.. خير يا جيهان؟
أجابته جيهان بفرحة لم تستطع إخفاءها:
ـ كاميليا هتوصل الأسبوع الجاي يا تامر.
اتسعت ابتسامة تامر وظهرت عليه سعادة لا تقل عن سعادتها، فوصول كاميليا يعني اقتراب تحقيق حلمه بالزواج من الفتاة التي أحبها قلبه لسنوات. عادت جيهان لتكمل عملها بهدوء وروح معنوية مرتفعة حتى انتهى يوم العمل الطويل.
في المساء، توجهت جيهان برفقة يوسف إلى منزل والده لاستقبال العريس المتقدم لـ ندى. كانت جيهان تتهيأ نفسياً لدورها كأخت كبرى ومسؤولة، ولكن بمجرد دخولهما، كانت المفاجأة بانتظارهما.. نور كانت هناك، تجلس بجانب ندى وكأنها جزء من ترتيبات هذا اللقاء.
تسمرت جيهان في مكانها للحظة، وشعرت بطعنة في كبريائها جعلتها تفكر بجدية في مغادرة المكان فوراً. دارت في رأسها تساؤلات مؤلمة: هل تعمد يوسف إحراجها أمام عائلته؟ هل أراد إثبات أن نور هي زوجته الوحيدة التي ترافق العائلة في مناسباتها الخاصة؟
أما يوسف، فقد كانت صدمته لا تقل عن صدمة جيهان؛ فقد تجمدت ملامحه وهو يرى نور تجلس بجوار شقيقته ندى. أدرك يوسف في ثانية واحدة أن ندى هي من أخبرت نور وجاءت بها، وكأن شقيقته لم تتعلم من خطئها الأول ولم تدرك حجم الحساسية بين زوجاته.
رحب بهم عدنان بسعادة بالغة، ولم يلاحظ في البداية العاصفة الصامتة التي تدور بين الثلاثة. كان يوسف يشعر بضيق شديد يكاد يخنقه؛ فكل نظرة من جيهان كانت تحمله المسؤولية، وفي نظرها الآن هو الجاني وهو من أساء إليها بتواجد ضرتها في هذا الموقف، وليست نور.
كان يوسف يجلس على جمر، لا يهمه العريس ولا تفاصيل اللقاء بقدر ما كان ينتظر انقضاء الوقت سريعاً، فداخله بركان يغلي ورغبة عارمة في محاسبة شقيقته ندى على تصرفها المتهور، ومحاسبة نور التي تجرأت واقتحمت هذا اللقاء العائلي دون علمه.
وصل العريس، وبدأ اللقاء تحت أنظار يوسف الذي كان يحاول جاهداً كتمان غضبه والظهور بمظهر المتماسك، بينما كان تامر يرحب بصديقه العريس بهدوء ورقي، محاولاً تلطيف الأجواء المشحونة التي شعر بها فور دخوله.
بدأ التعارف الرسمي، وبينما كان يوسف يحاول السيطرة على أعصابه، أخذت نور الكلمة وبابتسامة عريضة لا تخلو من المكر، نظرت للعريس وقالت:
ـ أنا صديقة ندى المقربة وزوجة يوسف.. أما جيهان فهي بنت عم يوسف.
كلمة بنت عمه وقعت كالصدمة، نور لم تكتفِ بالتعريف بنفسها كزوجة، بل جردت جيهان من صفتها كزوجة أولى ليوسف أمام الغرباء، وجعلتها مجرد قريبة للعائلة، وكأنها تريد محوها من حياة يوسف الرسمية أمام العريس وعائلته.
نظر عدنان لابنه يوسف بنظرة استنكار حادة جداً، عيناه كانتا تشتعلان غضباً من هذا التجاوز المهين في بيته وفي حق ابنته. يوسف في تلك اللحظة تجمد مكانه، لم يتوقع أن تصل جرأة نور إلى حد إنكار زواجه من جيهان علانية.
أما جيهان، فقد شعرت بأن الأرض تدور بها. هذه لم تكن مجرد غيرة ضرات، بل كانت إهانة متعمدة لكرامتها ووجودها. لم تنطق بحرف، بل وقفت بهدوء يحمل وراءه بركاناً، واستأذنت من الموجودين بكلمات مقتضبة، ثم تحركت بسرعة نحو الحديقة لتلحق بما تبقى من أنفاسها بعيداً عن نظرات الشفقة أو الشماتة.
كانت الأجواء داخل المجلس خانقة، حيث نظرت ندى لنور بضيق وغضب مكتوم؛ فقد أدركت أن نور لم تكتفِ بإحراج جيهان، بل وضعت ندى نفسها في موقف مخجل أمام العريس وعائلته، وأيقنت تماماً أن ما حدث لن يمر بسلام وأن الحساب سيكون عسيراً.
أما يوسف، فلم يستطع البقاء ثانية واحدة إضافية داخل الغرفة. انسحب بهدوء ليلحق بـ جيهان، فوجدها في الحديقة والدموع تنهمر من عينيها بغزارة، دموع قهر وكرامة مجروحة. اقترب منها يوسف بصوت خفيض محاولاً التهدئة والاعتذار عما فعلته نور، لكن جيهان لم تمنحه الفرصة.
انفجـ.ـرت جيهان في وجهه بصرخة مكتومة ممزوجة بالألم، ورفضت كل محاولاته للاعتذار قائلة بحدة:
ـ متعتذرش يا يوسف.. أنت اللي أهنت كرامتي قبلها وقبل أي حد لما سمحت لها تعمل كدة!
أخبرته بإصرار أنها ستغادر المكان فوراً، وحاول يوسف منعها بشتى الطرق خوفاً من كلام الناس ومن والده، لكنها لم تستمع لأي كلمة منه. وبسرعة، توجهت إلى الخارج واستقلت أول سيارة أجرة تاكسي وغادرت من أمامه متجهة إلى الفيلا، تاركة إياه في ذهول وعجز.
كان تامر يراقب كل ما يدور حوله بعينين يملؤهما الغموض؛ فبالرغم من صمته وهدوئه، إلا أنه قرأ ما وراء النظرات وعلم يقيناً أن هناك انفجـ.ـاراً وشيكاً سيهز أركان العائلة بسبب هذه الليلة.
وعلى الرغم من التوتر السائد في الأجواء، جرت أحاديث جانبية رسمية لاستكمال مراسم الاتفاق، وانتهى الأمر بتحديد موعد حفلة الخطوبة في الأسبوع القادم، على أن يكون الزفاف بعد ثلاثة أشهر. وبمجرد انتهاء الاتفاقات، غادر العريس وعائلته المنزل، ليسود صمت ثقيل وموحش في المكان.
بقي يوسف ونور في منزل عدنان، وكانت الأنفاس متوترة للغاية. يوسف كان صامتاً صمتاً مرعباً، يضغط على أعصابه لكي لا ينفـ.ـجر أمام والده، بينما كانت نور تحاول الحفاظ على هدوئها رغم أنها تعلم جيداً أنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء هذه المرة.
نظر عدنان إلى يوسف ونور نظرة مطولة لم تخلُ من القسوة والعتاب، وكأنه يمهد لحديث لن يرحم فيه أحداً.
❈-❈-❈
دخلت جيهان الفيلا ودموعها تسبق خطواتها، كانت حالتها تثير الرعب في النفس. سميرة التي كانت تنتظر عودتها مع يوسف بفارغ الصبر، تجمدت مكانها وهي ترى جيهان تدخل وحيدة، منهارة، وكأنها فقدت أعز ما تملك. لم تلتفت جيهان لنداءات سميرة، بل صعدت الدرج ركضاً إلى غرفتها.
بمجرد دخولها الغرفة، لم تعد جيهان ترى أمامها. بدأت تمسك بكل ما تطاله يدها؛ التحف، زجاجات العطر، الصور التي تجمعها بيوسف.. كانت تلقي بكل شيء على الأرض بعنف، وأصوات تكسير الزجاج ملأت أرجاء الفيلا، وكأنها تكسر بداخلها كل ذكرى لهذا الرجل. نظرت للغرفة التي كانت يوماً شاهدة على حبهم، فصارت في عينيها الآن زنزانة باردة تخنقها.
صعدت سميرة خلفها وقد تملكها الفزع، فتحت الباب لتجد جيهان منهارة على الأرض وسط حطام الغرفة، تبكي بشهقات تقطع القلب. اقتربت منها سميرة بتوتر وسألتها بصوت مرتعش:
ـ جيهان! في إيه؟ إيه اللي حصل؟ فين يوسف؟ ردي عليا يا جيهان وقعتي قلبي!
رفعت جيهان رأسها، وعيناها حمراوان من شدة البكاء، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والألم:
ـ نور انتصرت علينا يا سميرة.. خلاص، خدت كل حاجة، حتى اسمي ومكانتي محتها قدام الناس ويوسف واقف يتفرج!
ثم وقفت بجمود مخيف وهي تمسح دموعها بعنف وتابعت:
ـ أنا ماشية من هنا، ومش هاخد معايا حاجة من ريحة يوسف.. بناتي بس هما اللي هاخدهم.. وأنتي يا سميرة، مبروك عليكي الانتصار اللي كنتي بتدوري عليه، بس افتكري كلامي كويس.. دورك جاي، ونور مش هترحمك زي ما مرحمتنيش.
سميرة وقفت مذهولة، لم تستوعب كيف تحولت جيهان القوية إلى هذه الكتلة من الألم والقرار القاطع بالرحيل. رأت جيهان وهي تتوجه لغرفة بناتها بآلية غريبة، وتحثهم على الاستعداد للمغادرة فوراً.
في هذه اللحظة، شعرت سميرة أن البيت ينهـ.ـار، فأخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بـ يوسف، وبمجرد أن فتح الخط، صرخت فيه بهلع:
ـ إلحق يا يوسف! جيهان رجعت البيت منهارة وبتكـ.ـسر كل حاجة، وبتاخد البنات وماشية..
وقع الخبر كالصاعقة على يوسف، وتجمدت ملامحه وهو يستمع لصراخ سميرة عبر الهاتف. وبنبرة يملؤها الهلع والأمر، صرخ في سميرة:
ـ امنعيها يا سميرة! ما تخليهاش تخرج من البيت بأي تمن.. أنا جاي حالاً!
أغلق يوسف الهاتف والجميع يراقبونه بصدمة وذهول، لم تكن ندى أو والده عدنان يتخيلون أن الأمور ستصل إلى هذا الحد من الانهيار. أما نور، فكانت تجاهد لإخفاء تلك الابتسامة المنتصرة التي كادت تقفز من عينيها؛ لم تكن تتوقع أن تستسلم جيهان القوية بهذه السرعة، لكنها أدركت في تلك اللحظة أن لكل إنسان نقطة انكـ.ـسار، ونقطة جيهان كانت كرامتها التي أُهدرت الليلة.
اندفع يوسف خارج المنزل بجنون، وركب سيارته وهو لا يرى أمامه، بينما تبعه تامر بسرعة في سيارته، مدركاً أن الموقف يتجه نحو كارثة عائلية كبرى، وأنه الوحيد الذي قد يستطيع تهدئة النيران.
في الفيلا، كانت سميرة تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تمنع جيهان من عبور الباب؛ تارة بالتوسل وتارة بالوقوف أمامها، لكن جيهان كانت تمتلك قوة غاشمة نابعة من الوجع. دفعت كل المعوقات من طريقها، وأمسكت بأيدي بناتها اللواتي كنّ في حالة من الخوف والذهول، وخرجت من باب المنزل.
لأول مرة منذ اثني عشر عاماً، البيت الذي كان حصنها، والكيان الذي أفنت عمرها في حمايته وبنائه طوبة فوق طوبة، تركته جيهان بإرادتها. لم تلتفت خلفها، ولم تحمل معها سوى كسرة قلبها وبناتها، لتختفي في عتمة الليل وتستقل سيارة أجرة إلى وجهة غير معلومة، تاركةً خلفها حطاماً لا يمكن لمّه.
اندفع يوسف إلى الطابق العلوي كالمجنون، وبمجرد أن فتح باب الغرفة، توقفت أنفاسه. الغرفة التي كانت ملاذه تحولت إلى ساحة معركة؛ الزجاج المهشم يغطي الأرض، والأشياء مبعثرة في كل زاوية. الصدمة الأكبر كانت حين فتح خزانة الملابس ليجدها كما هي، لقد تركت له كل شيء، حتى ثيابها التي اشتراها لها، لم تأخذ معها سوى كرامتها الجريحة وابنتيها.
جلس يوسف على طرف الفراش وسط هذا الحطام، ووضع رأسه بين يديه بذهول وحزن عميق. اقتربت منه سميرة بخطوات مرتعشة وسألته بصوت خفيض:
ـ يوسف.. إيه اللي حصل هناك؟ جيهان كانت مش طبيعية، إيه اللي يخليها تسيب بيتها وعمرها كله وتمشي بالشكل ده؟
لم يرد يوسف، بل أخرج هاتفه وبدأ يتصل بها بهستيريا، لكن الرد كان دائماً الهاتف مغلق. بدأ يدور حول نفسه في الغرفة كالموجوع، في حين وصل تامر إلى الفيلا وسادت حالة من القلق والارتباك بين الجميع بعد أن انقطعت كل سبل الوصول إليها.
في تلك الأثناء، اتصل عدنان بتامر ليعرف الحقيقة، فأخبره تامر بإيجاز أن جيهان غادرت المنزل بالفعل. لم يتحمل عدنان البقاء بعيداً،
فأمر السائق فوراً بتوصيله إلى فيلا يوسف. نظرت ندى إلى نور بقلق وتوتر، وقررتا الذهاب معاً إلى هناك لمتابعة ما يجري.
وصل عدنان، وبمجرد دخوله الصالة، ألقى بجسده على المقعد وعيناه تشتعلان غضباً. نظر إلى ابنه يوسف الذي نزل إليه بكسرة، وهتف فيه بتحذير شديد هز أركان المكان:
ـ اسمع يا يوسف.. لو جيهان أو بناتها حصلهم خدش واحد، أو جرالهم حاجة في نص الليل وهمّ لوحدهم، أنا لا هعرفك ولا هغفر لك طول عمري.. أنت اللي ضيعتها بعنادك!
كانت سميرة تتابع المشهد بصمت وقلق، وعندما دخلت نور برفقة ندى، لاحظت سميرة نظرات نور المترقبة، وشعرت في تلك اللحظة بيقين أن لنور يداً قوية وراء كل ما حدث الليلة، وأنها هي من دفعت جيهان لهذا الانتـ.ـحار العاطفي.
حاول تامر مراراً وتكراراً الاتصال بها، لكن الصمت كان الرد الوحيد؛ فجيهان قد اتخذت قرارها بإعدام تواصلها مع العالم، ففي نظرها الآن، الجميع شاركوا في ذ.بح كرامتها، حتى الصامتين منهم.
في الصالة، ساد صمت مرعب قطعته نظرات يوسف التي تحولت إلى خناجر موجهة نحو نور. اقترب منها بخطوات هادئة، هدوء يسبق العاصفة، وعيناه تشتعلان بحمرة الغضب التي لم تظهر يوماً بهذا الشكل. لم يهدر أنفاسه في عتاب أو صراخ، بل كانت يده هي التي نطقت؛ صفعة قوية دوت في أرجاء المكان، أطاحت بنور أرضاً من شدتها لتسقط وهي تصرخ من الألم والصدمة.
تراجع الجميع للخلف بذعر، وساد القلق وجوههم من تحول يوسف لهذا الوحش الكاسر، بينما انكمشت ندى في مكانها وهي ترتجف خوفاً، مدركة أن غضب أخيها قد يطالها في أي لحظة بسبب تورطها في إحضار نور.
قطع هذا المشهد العنيف صوت عدنان الحازم، الذي وقف بوقاره المعهود رغم الألم، وهتف فيهم بصوت هز جدران الفيلا:
ـ كفاية! يوسف.. تامر.. مش عايز أشوف حد منكم هنا غير وجيهان وبناتها معاكم. الأرض تنشق وتبلعكم لو رجعتوا من غيرها في الظلمة دي. اتحركوا!
امتثل الجميع للأمر فوراً، وانطلق يوسف وتامر كالمجاذيب في هذا الظلام الكاحل، يمشطون الشوارع ويبحثون في كل اتجاه عسى أن يجدوا أثراً لتلك السيارة التي حملت جيهان بعيداً عن حياتهم.
يتبع...
