رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 4 - الأحد 11/1/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل الرابع
تم النشرالأحد
11/1/2026
الموت أول ما يخطر في عقولنا حين يشتدّ الابتلاء وتضيق بنا السبل، فنظنّه الملاذ الوحيد للهروب مما أثقل أرواحنا. نبدأ بالبحث، دون وعي، عن أي طريق قد يقودنا إلى نهايته، غافلين عن عواقب ما نفكّر به، متناسين ما بعد تلك اللحظة. وقد يزيّن لنا اليأس أن الانتحار هو السبيل الأسرع للخلاص، فننسى حرمته، ونتجاهل أنه اعتداء صريح على النفس التي حرّم الله قتلها، فكيف إذا كان القتل صادرًا من الإنسان بحق نفسه؟!
إن النفس البشرية ليست ملكًا لنا، بل أمانة أودعها الله بين أيدينا، وأمرنا بحفظها ورعايتها. وما نحن إلا مستأمنون عليها إلى أجلٍ معلوم، سنُسأل عنها يوم نقف بين يدي الله عزّ وجل: عن أعمارنا كيف أفنيناها، وعن أنفسنا كيف حفظناها أو أهدرناها.
ورغم قسوة الألم، فإن بعد العسر يسرًا، وبعد الضيق فرجًا، وما من بلاء إلا وله نهاية، وإن طالت. فالصبر ليس ضعفًا، بل عبادة، والتشبث بالحياة في وجه الانكسار شجاعة عظيمة. فتمسّك بالأمل، ولو كان خيطًا رفيعًا، واعلم أن رحمة الله أوسع من كل وجع، وأن ما نعيشه اليوم قد يكون سبب نجاتنا غدًا، لا تعلم إنتَ ما يخبأه الابتلاء لك على الرغم إنك ترى أنه شر لك، فمن الممكن أن يكون خير خفي لك إنتَ لا تدركه الآن، فدائمًا ما يكمن الخير داخل الشر…
كل ما يهمنا هو اليوم الذي نعيشه والوقت الذي يمر علينا، ليس لنا أن نفكر في الغد وماذا سيحدث به فهو في غيبيات لا نعلمها إلا حينما يحين وقت، أمس قدر مر ورحل، واليوم هو ما نحياه، أما الغد فاتركه يأتي كما يأتي لا ترهق عقلك بالتفكير، وقلبك بالخوف والتضليل، وترهق جسدك من الخوف والتهويل، ولكن رب قادر على التدبير، وبيدك يخرجك من حولك وقوتك إلى حوله وقوته…
ما إن دلف إلى الغرفة حتى تجمّد في مكانه، غير مصدّق لما وقعت عليه عيناه. هناك، على الأرض، كانت ترقد بلا حراك، جسدٌ هامد وملامح شاحبة تحكي ما عجز العقل عن استيعابه. أدرك في تلك اللحظة أن الفاجعة أكبر من أن تُحتمل، وأن ما يراه ليس كابوسًا عابرًا بل حقيقة صادمة.
نظر إلى يدها وجد جرح غائر بعصمها، الحقيقة واضحة للعيان لا تحتاج إلى تفسير ملاكه البريء انتحرت كي تهرب من الواقع…
فاق من صدمته سريعًا على صوت زوجة عمها التي اقتحمت الغرفة أثر صراخ زوجها، وهي تضرب على صدرها بصدمة مرددة بعويل:
-يا نهار أسود دي شكلها ماتت…
انتفض قلبه بين ضلوعه، قبل ان ينتفض جسده ويركض تجاهها وحملها بين يديه بسرعة، وركض بها إلى الخارج وهو يصيح بعمها بانفعال:
-افتح الباب بسرعة…
ركض عمها سريعًا إلى الخارج، وفتح باب الشقة، غادر إلياس الشقة وهو يحملها بين يديه، وعمها يتبعه وهو يبرطم داخله ويلعن ابنة شقيقه وشقيقه في ساعة واحدة…
بينما وقفت زوجته على أعتاب الشقة وعلى شفتيها ابتسامة شامتة:
-أحسن والله ريحت واستريحت قال كانت هتتجوز ده وتعيش في العز وتاكل الوز، وأنا هنا يا حسرة مدفونة بالحياة مع عمها في الخرابة دي…
وضعت يدها في جيب العباءة المنزلية، وأخرجت هاتفها ذي الطراز القديم، وضغطت على عدة أزرار، وانتظرت الرد من الطرف الآخر، والذي أجاب على الفور كما لو كان ينتظر ردها على أحر من الجمر…
تحدثت سريعًا، وأخرجت ما بحوزتها دفعةً واحدةً دون مقدمات:
-إنتَ قلت ليها إيه بالظبط؟ البت انتحرت.
ارتعدت من صراخ الآخر، وبررت بلهفة:
-لا لا عايشة الظابط ده جه ولحقها أخدها وراحوا المستشفى لا معرفش مستشفى إيه، حاضر أول ما أعرف حاجة هبلغك سلام.
أغلقت الهاتف وزفرت بضيق وقالت:
-هو إيه ده يا ربي هو كل اللي يتعصب يتعصب عليا أنا منك لله يا مسك ربنا ياخدك ويخلصنا منك..
❈-❈-❈
هبط الدرج بخفة وهو يدعي داخله أن لا تراه والدته الآن مؤكد أنها لو رأته لن يمر خروجه بهذه الحالة مرور الكرام، ومعها كل الحق، يجب أن يستريح حتى يلتئم قلبه، لكن لا يقدر على ذلك، يريد أن يذهب ليرى تلك التي استحوذت على قلبه وعقله… وكأن ما يخاف منه الفرد يدركه، فما أن وصل إلى آخر سلمة بالدرج وجد والدته أمامه، تقف في نهاية الدرج وتضع يدها في خصرها.
اقترب منها ووضع قبلة فوق وجنتيها، مرددًا بمرح كي يخفف من حدتها معه:
-ست الكل منورة صباحك فل.
تجاهلت قبلته وحديثه، فهي على يقين أنه يُشتت عقلها، رمقته من أعلى إلى أسفل، وتسألت بحدة:
-لابس كده ورايح فين؟
وقف أمامها منكس الرأس، كطفلًا صغيرًا مذنبٍ يخشى عقاب والدته، وأجاب عليها بوداعة:
-رايح الشغل يا ماما.
رفعت إحدى حاجبيها متهكمة، وتسألت بنبرة ساخرة:
-لا والله بجد؟ رايح الشغل بمنظرك ده؟
راوغها بمكر ذئب صغير، مغيرًا ضفة الحديث:
-ماله منظري بس يا ست الكل من حلو وزي القمر طالع لأمي.
طالعها من أعلى إلى أسفل، وتسأل باعجاب مصطنع:
-بس بسم الله ما شاء الله على حضرتك يا ماما حضرتك كل ما تكبري بتحلوي اللي يشوفك يقول أختي الصغيرة مش مامتي أبدًا.
اتسعت ابتسامة الأخرى، وهللت بفرحة:
-بجد يا آصف؟
أومأ بايجاب،وردد بمكر:
-طبعًا يا ست الكل هو إنتِ مش بتبصي في المرايا ولا إيه؟
امتعض وجهها، وهتفت باستياء:
-هي اللي تخلف زيك إنتَ واخوتك يبقى عندها وقت تبص في المرايا؟
قبل وجنتها مرة أخرى بمرح وقال:
-حقك علينا يا ست الكل يلا سلام.
تحرك بخفة من مكانه وغادر سريعًا دون أن يعطيها فرصة أن تتحدث من الأساس..
بينما ظلت هي مكانها تستوعب ما حدث، وسرعان ما استنتجت حيلة نجلها الذكية، ضربت كف بكف وهي تردد باستياء:
-هو أنا هعرف اخد منكم حق ولا باطل يا أحفاد إلياس..
❈-❈-❈
كان يقف أمام غرفة العمليات بقلقٍ يكاد ينهش صدره، يشعر أن قلبه قد يتوقف في أية لحظة من شدة خوفه عليها. لم يستوعب بعد فكرة أنه على وشك أن يخسرها، وكأن الفكرة أثقل من أن يحتملها عقله. لا يعرف متى أحبّها، ولا كيف تسلّل حبّها إلى قلبه من الأساس، كل ما كان متيقنًا منه أمرٌ واحد لا يقبل الشك أنه أحبّها بصدق، حتى باتت تملك قلبه وتستحوذ على عقله وتفكيره دون منازع. كان يستمع في إلى أصدقائه دائمًا عن حكايتهم مع الحب وأنه يأتي دون استئذان كان يستهزأ بهم وقتها، لم يكن يعلم أن دوره سيأتي ويقع أسيرًا في حب امرأة اقتحمت قلبه دون استئذان، يعلم أن الطريق إلى قلبها صعب المنال فما مرت به لم يكون سهلًا على الإطلاق، وعليه أن يجاهد حتى يقتحم قلبها ويزيل العقبات التي تعذله عنها، ليته يستطيع أن يمحي الماضي أو يغيره، ولكن لا يمكن فما حدث بالماضي حدث وانتهى وأما أن يتعلم من المرء ويدركه، إما أن يظل أسيرًا به، وهذا هو حالها الآن، ولكنه لن يتركها إلى الماضي، بل يمد لها يد العون وينتشله منه، ويأخذها معه إلى حاضر وبداية جديدة عنوانها هو وهي.
انتشله من أفكاره فتح باب غرفة العمليات، وخروج الطبيب منه، انتفض من مكانه وركض تجاهه متسائلًا بلهفة:
-خير يا دكتور طمني؟
أطلق الطبيب زفيرٍا حادٍ وأجاب بأسف:
-الحمد لله لحقناها النزيف كان شديد لو حضرتك كنت اتأخرت شوية وارد جدًا مكناش نلحقها.
نظر إلى إلياس بتردد، واسترسل بإبانة:
-حضرتك عارف دي محاولة انتحار يعني لازم أبلغ الشرطة.
أجابه بحدة:
-لا أنا هتصرف.
تنهد الطبيب بقلة حيلة، وقال:
-تمام بس هي محتاجة تتعرض لطبيب نفسي يتابع حالتها كون إنها تفكر تنتحر يبقى في دافع وصلها لكده لازم مختص نفسي يشوفها.
أومأ بايجاب:
-تمام ينفع أشوفها؟
رد باختصار:
-ايوه ينفع بس هي لسه مفقتش بعد إذن حضرتك .
غادر الطبيب، واقترب منه عمها الذي كان يجلس في إحدى الزوايا، وتسأل بفضول:
-خير يا باشا الدكتور قالك إيه ماتت؟
وكأن هذا المتطفل جاء إليه على طبق من فضة، فهو كان يجاهد كي يهدأ من غضبه، وها قد جأته الفرصة كي ينفس فيها عن غضبه، ألتفت إليه، وعلى شفتيه ابتسامة مبهمة تشبه ابتسامة ذئبٍ متربّص، حسبها الآخر بريئة في البداية، قبل أن ينقلب المشهد فجأة. في لحظة خاطفة، أمسكه من تلابيب قميصه بعنفٍ لم يتوقعه، وقد اشتدّت قبضته دون أن يلين، حتى أنه كاد أن يختنق، ورغم ذلك لم يخفف قبضته عنه، وهتف بحدة، وتوعد في آن واحد:
-ممكن أعرف إزاي قطعت شراينها؟
أجابه الآخر ببلاهة، وهو يحاول باستماتة أن يخفف قبضته عن عنقه:
-أكيد بالسكينة يا باشا مش محتاجة ذكاء.
ليته لم ينطق وكان أكتفى بالصمت، فرده زاد الأمر سوءًا، وزاد من غضب الآخر الي صاح بانفعال:
-نعم يا أخويا هو أنا بقولك قطعتها بأيه أنا بقولك قطعتها إزاي وجنابك ومراتك في نفس البيت، الدكتور قال لو اتأخرت شوية كانت ماتت يعني أنا لو مكنتش وصلت في الوقت المناسب كان زماني الوقتَ باخد عزاها، ما ترد ساكت ليه؟
أجابه الآخر بعويل، وهو يجاهد ألا يلفظ أنفاسه من شدة اختناقه:
-إنتَ كده هتاخد عزايا أنا هموت أبوس ايديك يا باشا سبني.
تركه من يده وألقاه أرضًا كأنما يلقي كيس قمامة، ثم هتف بحدّة:
- أنا داخل أطمن عليها… وإياك، إياك أخرج وألاقيك اتحرّكت من مكانك. سامع؟
رد بزعر:
-سامع يا باشا.
❈-❈-❈
خطا بقدميه إلى غرفتها، فوجدها مستلقية على الفراش الطبي، بوجهٍ شاحبٍ وعينين غائرتين أنهكها التعب. كيسٌ من الدماء وآخر من المحلول معلقان بيدها، بينما اليد الأخرى تلفّها ضمادة بيضاء، طالعها بأسى على حالها، واقترب منها بصمت تام وحذر يخشى أن تستيقظ من غفوتها، سحب مقعدًا وجلس إلى جوارها، يحدّق فيها بنظرةٍ لا تشبه سواها، نظرة تفيض حنانًا وعشقًا لا يخصّان إلا إياها.
مد يده بتردد، كأنه يخشى أن يوقظ وجعها، ثم استقرت أنامله فوق يدها المضمدة. كانت باردة على غير عادتها، فقبض عليها برفق، كأنه يمنحها من دفء روحه ما عجز الجسد عن منحه، تأمل ملامحها الهشة، وتنهيدة مثقلة أفلتت من صدره دون إذن.
همس باسمها، همسًا بالكاد سمعه هو، وكأنه يخاف أن يسمعه الألم قبلها. لم تجبه، لكن جفنها ارتعش بخفة، فابتسم ابتسامة مكسورة، تلك التي لا تولد إلا من قلبٍ يخشى الفقد. قرب جبينه من يدها، وأغمض عينيه، يتمسك بتلك اللحظة كآخر خيط أمان.
-مسك إنتِ سمعاني؟!
حركت أهدابها ببطء، وفتحت عينيها بضعف شديد، وما أن أبصرت الضوء الشديد بالغرفة أغلقت عيناها مرة أخرى، وبدأت تفتحها بتمهُل حتى اعتادت على شدة الضوء.
حدقت بالمكان حوالها وما أن نظرت على يمينها وجدته يجلس جوارها، تهريت من النظر إليه، وتوجهت بنظراتها إلى الجهة الآخرى.
بينما على الجانب، ما أن وجدها تستيقظ من ثباتها شعر وقتها أنه يملك العالم أجمع، انتظر على أحر من الجمر رد فعلها عندما تجده جوارها ويرى السعادة على وجهها لرؤيته بقربها، لكن ما حدث على النقيض تمامًا لم تنظر إلى وجهه من الأساس، وتطلعت إلى الجهة الأخرى سريعًا، فعلتها تلك على الرغم أنها عفوية وناتجة من خجلها منه بسبب فعلها الهوجاء، إلا أنها شطرت قلبه نصفين، يريدها أن تتخذه أمانًا، وسندًا لها…
آخذ نفس عميق، و استعاد رابطة جأشه، وتحدث بنبرة حادة:
-مكسوفة تبصير ليا بعد إللي عملتيه؟! مكسوفة مني ومش مكسوفة من ربنا؟! قدر كنتِ موتي هيقفل كنتِ هتقفي قدام ربنا تقولي ليه إيه؟!
دون أن تشعر، أفلتت الدموع من عينيها، وانهمرت على وجنتيها بغزارة، فهو محق هي تخجل منه هو على الرغم أنه بشر مثلها، فماذا أن وافتها المنية وتوفيت منتحرة، فكيف ستقف أمام المولى عز وجل وماذا ستقول له؟! ولماذا ستبرر فإنها اعتدت على النفس البشرية التي حرم الله قتلها، وليس أي نفسها بل نفسها هي، فالحياة أمانة لدى الإنسان، ولكنها ليست ملكًا له يتصرف كما يشاء…
فاقت من شرودها على صوته المعاتب:
-هتفضلي ساكتة؟!
ابتلعت ريقها بمرارة، واستطردت قائلة بوهن:
-عايزني أقول إيه؟! لو هتسألني ليه انتحرت إنتَ عارف الإجابة كويس.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغره، واسترسل حديثه بجدية:
-هو إنتِ أول واحدة يحصل فيها كده؟! كام بنت غيرك حصل معاها كده وإنتِ أحسن من غيرك بكتير عارف إن كلامي قاسي بس عشان يفوقك أغلب البنات اللي حصل معاهم كده حقهم ضاع عارفة ليه ؟! عشان يا إما أغبية زيك بيموتوا نفسهم يا إما أهلهم بيخافوا من الفضيحة و يسكتوا، لكن إنتِ ربنا حطني في طريقك عشان ألحقك واساعدك قبل فوات الأوان وأقسم بالله لو كان عمي لسه عايش كنت هجوزك ليه غصب عنه، لكن حاليًا أنا موجود وأنا اللي هصلح غلطته وهتجوزك زيك زي كل البنات وتعيشي حياتك
أغمضت عينيها بتحسُر، ورددت بسخرية:
-زي كل البنات؟! إنتَ بتضحك عليا ولا على نفسك ؟! وإنتَ ليه تظلم نفسك و تتجوزني؟!
أجابه بتريث:
-هو لو زواجي منك ظلم فهو أحسن ظلم ممكن يحصل ليا في حياتي فوقي لنفسك واستغفري ربنا.
نهض من مكانه، وتحدث بجدية:
-أنا هخرج وأسيبك ترتاحي.
تحرك تجاه الباب ووضع يده على المقبض، وما كاد أن يفتح الباب ويخرج إلا أوقفته بسؤالها.
-مين اللي جابني هنا؟!
-أنا اللي جبت هنا أتمنى تفهمي إن كل ما بتحاولي تبعدي عني وتهربي ربنا يقربنا سوا تاني.
نطق جملته دون أن يلتفت لها، وما أن أنهى جملته حتى غادر الغرفة تاركًا إياها، شاردة في حديثه الغامض..
❈-❈-❈
كان يشق طريقه في أروقة المبنى متجهًا إلى مكتبه، بينما يتأجج في صدره غضبٌ لا يعرف له سببًا واضحًا. تلك النوران وحدها كانت كفيلة بإشعال فتيله؛ لا يدري كيف، ولا لماذا، لكن مجرد رؤيتها كانت تدفع غضبه إلى ذروته وتبعثر هدوءه تمامًا.
حاول أن يتجاهل ذلك الشعور الثقيل وهو يسرّع خطاه، كأن الهروب منها ممكن بمجرد الابتعاد. شدّ قبضته بلا وعي، وزفر بضيق وهو يحدّث نفسه أن الأمر لا يستحق كل هذا الاضطراب، لكن صدره كان يكذّبه. فهي لم تكن مجرد اسمٍ عابر في يومه؛ كانت حضورًا مربكًا، يقتحم توازنه كلما ظنّ أنه أحكم إغلاق أبوابه.
-دكتور عمر لحظة لو سمحت.
تشنج في مكانه وتوقف وهو يجاهد في رسم ابتسامة متكلفة على ثغره، وهو يلتفت إلى صديقته بالجامعة، وزميلته بالعمل حاليًا.
تبسمت بدورها وتسألت باهتمام:
-سرحان في إيه يا دكتور نديت عليك كتير.
تجاهل سؤالها، وهتف باختصار:
-ماخدتش بالي يا دكتورة خير محتاجة حاجة؟
طالعته بعينين تفيض عشقًا، وقالت:
-لا مش محتاجة حاجة حسيتك متعصب من حاجة حبيت اطمئن عليك.
قلب عينيه بضجر ورد:
-شكرًا لاهتمامك يا دكتورة بعد اذنك.
تحرك من مكانه وأكمل سيره دون أن يكلف حاله أن ينتظر سماع ردها من الأساس.
حرّكت رأسها بيأسٍ خافت، وهي تتمتم في سرّها عمر إلياس سيبقى مغرورًا كما هو، شدّت على حقيبتها واقفةً بثباتٍ مصطنع، تحاول أن تقنع نفسها بأن لا شأن لها به ولا بتقلّباته، لكن انقباض صدرها فضح ما تحاول إنكاره. فوجوده وحده كان كافيًا ليبعثر أفكارها، تمامًا كما كانت هي تثير غضبه دون قصد، تنهدت بقلة حيلة، وتحركت إلى وجهتها هي الأخرى.
كلُّ ذلك كان على مرأى نوران، التي كانت تشق طريقها نحو المرحاض كي تغسل وجهها وتمسح بقايا الدموع العالقة داخل مقلتيها بسبب هذا المتعجرف الذي لا يتوانى عن كسر قلبها في كل لحظة وأخرى، دون ذنبٍ تقترفه، ذنبها الوحيد أنها أحبت شخصًا ليس لديه قلب من الأساس، ظلت واقفة تشاهد الموقف بصمت دون أن تكون طرفًا فيه، وكأن الأقدار أصرت أن تضعها في قلب المشهد دون استئذان، وكأن ما يفعله فيها لا يكفي لكسر قلبها للمرة التى لا تحصى عددها، لتراه الآن يقف مع تلك، والتي على يقين أنها تكن له هي الأخرى مشاعر، ودون شعور منها اشتعلت الغيرة داخل قلبها، ولكن ما أراح قلبها أنه تركها وأكمل سيره، ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهها، وأكملت سيرها إلى المرحاض بحال غير الحال…
❈-❈-❈
خرج من الغرفة، ولكن خرج بجسده فقط بينما قلبه وعقله تركهم بالداخل مع من استحوذت عليها، استند بظهره على باب الغرفة، وأغمض عينيها وتنفس بتمهُل ببطء شديد، يحاول استعادة أنفاسه الثائرة ورباطة جأشه، ولكن ثباته النفسي لم يدوم حيث قطعه عمها البياض الذي قرر بداخله أن أول شيء سيفعله عندما يتزوجها أن يقطع علاقتها بهذا المخلوق وعائلته.
-يا باشا يا باشا يا باشا.
فتح عينيه بنفاذ صبر وتسأل بغيظ:
-نعم عايز إيه؟!
أجابه بلهفة:
-خير عاملة إيه ؟!
رد باختصار:
-كويسة الحمد لله.
تنهد بارتياح وقال:
-الحمد لله هو ينفع ادخل اشوفها؟!
حرك رأسه نافيًا واستطرد قائلًا بمغزى:
-لا سيبها ترتاح شوية.
أومأ بايجاب:
-اللي تشوفه يا باشا.
رفع يده اليسرى ونظر في ساعته، وهتف باقتضاب:
-عندي شغل مهم لازم أروح النيابة هخلص وأرجع ليها.
-وأنا هروح أشرب حاجة في القهوة اللي تحت أصل بعيد عنك يا باشا دمي نشف وركبي سابت من بعضه.
نطق جملته بعفوية شديدة جعلت الآخر يحرك رأسه بيأس، ويردد:
-تمام.
❈-❈-❈
خرجت من غرفة نومها متوجهه إلى غرفة طفلها، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل وهنا كانت الصدمة إليها، حينما وجدت صغيرها مسترخي في أحضان تلك الحية "مرام" انتفضت من مكانها، وتحركت سريعًا إليها وانتشلت صغيرها من أحضان الأخرى بقوة شديدة جعلته يبكي.
تعجبت مرام من موقف سيرين، واعتدلت في جلستها واستقامت ووقفت في مواجهة الأخرى متسألة بقلق:
-خير في إيه يا سيرين؟! شديتي الولد كده ليه؟!
رد الأخرى بانفعال:
-ملكيش دعوة بابني إيه مش كفاية خطفتي أبوه عايزة تاخدي ابني فوق البيعة؟!
اتسعت مقلتي ميرام، مرددة بعدم استيعاب:
-نعم؟! خطفت مين إنتِ بتقولي إيه؟
هتفت سيرين بغل:
-بقول اللي سمعتيه بس اسمعي يا شاطرة أوس بتاعي أنا وبس ومش هتتجوزيه غير على جثتي.
جعدت جبينها بحيرة وتسألت:
-أتجوز مين أنا مش فاهمة حاجة ؟!
تبسمت سيرين ساخرة، ورددت بنبرة متهكمة:
-لا والله مش عارفة هتتجوزي مين؟! هو إنتِ كنتِ راسمة على حد غير جوزي ولا إيه؟!
حركت مرام رأسها بيأس وقالت:
-لا بقى إنتِ زودتيها أوي بعد اذنك هروح أوضتي.
وضعت صغيرها أرضًا، ووضعت يدها على الباب تعيقها عن المرور.
رمقتها مرام بعدم استيعاب وقالت:
-إنتِ اتجننتي إيه اللي بتعمليه ده؟!
تبسمت سيرين بحقد، وهتفت بتوعد:
-أنا لسه معملتش حاجة بس هعمل وفورًا.
وفي لمح البصر جذبت سيرين مرام من خصلات شعرها الذي يغطيها حجاب الأخرى، وسط صرخات ميرال واستغاثتها، بينما تتمتم سيرين بغل:
-فاكرة هتاخدي جوزي مني يا زبالة يا لمامة يا تربية الحواري أنا مش هسيبك غير ما تطلع روحك في ايدي.
أوقعتها أرضًا وجلست فوقها وهي تضربها بقوة في وجهها بغل وحقد.
❈-❈-❈
يسير داخل أروقة المستشفى بحذر شديد، قدم قدم ويؤخر الأخر يخشى لقياها، لا يريد أن يراها في أقصى مراحل ضعفها، لكن لن يقدر أن يراها دون أن يقابلها ويلقاها، استعلم في الاستقبال عن غرفتها وكان سهل عليه أن يصل لها فهو يعلم اسمها جيدًا فقد حفظه عن ظهر قلب.
توقف أمام باب الغرفة، آخذ نفس عميق، ودق الباب بعدها، وانتظر سماع الإذن بالدخول، ودلف بعدها، وجدها تجلس فوق الفراش بصمت تام.
رفعت رأسها لتستطلع هوية الطارق، فإذا بها تتفاجأ بوقوفه أمامها. تلاقت نظراتهما، وكان بين الأعين لقاء مختلف… لقاء من نوعٍ آخر، فريد لا يشبه سواه.
اقترب منها ومد يده معرفًا عن حاله:
-آصف إلياس فكراني يا موچ؟!
اتسعت عينيها مرددة بعدم تصديق:
-آصف إلياس؟!
❈-❈-❈
كانت ممددة فوق الفراش، تحدّق في السقف بشرودٍ ثقيل، حين شقّ صمت الغرفة صوتُ انفتاح الباب. رفعت رأسها لتتبيّن هوية الطارق، وما إن وقعت عيناها عليه حتى صُعقت، وسرى في جسدها ارتعاشٌ عنيف؛ فقد تجسّد أمامها أسوأ كوابيسها.
تسمّرت في مكانها، وكأن الزمن انعقد حول أنفاسها. حاولت أن تنطق، أن تسأل، أن تصرخ، لكن صوتها خانها، واكتفى قلبها بالضرب بعنف بين ضلوعها. تقدّم خطوة إلى داخل الغرفة، فابتلع الضوء ملامحه تدريجيًا، وبدا حضوره أثقل من أن يُحتمل.
شدّت الغطاء حول جسدها غريزيًا، وعيناها لا تفارقانه، تبحث فيه عن أي إشارة تُكذّب ما تراه. لكن ملامحه كانت كما هي، لا يخطئها الشك، ذلك الوجه الذي طاردها في لياليها، وعاد الآن بلا رحمة. قال اسمها بصوتٍ خافت، فارتجفت، إذ كان صوته يحمل ذات النبرة التي طالما أيقظتها فزعة من النوم.
تراجعت إلى آخر الفراش، وهمست بصوت مبحوح:
-إنتَ مستحيل تكون هنا.
لم يجب، واكتفى بابتسامة غامضة، جعلت الخوف يتكاثف في صدرها أكثر. في تلك اللحظة، أدركت أن الهرب لم يعد خيارًا، وأن عليها أخيرًا أن تواجه الكابوس الآن وبمفردها أرادت أن تصرخ لكن لم يسعفها لسانها.
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
