-->

رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 3 - الأحد 11/1/2026

 

  قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية أحفاد إلياس

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة زينب سعيد القاضي


الفصل الثالث

تم النشرالأحد

 11/1/2026

 

 

في لحظةٍ قد لا تشعر بها، تنقلب الدنيا رأسًا على عقب، كأنك تمشي على حافة الهاوية دون أن تشعر بخطواتك. قد تظن أنك قد وصلت إلى قمة السيطرة، وأن الأمور تحت يدك تمامًا، لكن الحقيقة أن القدر دائمًا ما يخبئ لنا ما لا نتوقعه.


فلا تظن أن الأمان دائم، ولا أن الفرح مستمر. الحياة مثل موج البحر، مرة تكون هادئة، ومرة أخرى تكون عاصفة. وعندما تأتي الرياح، تكتشف أنك كنت تمشي على الرمال المتحركة، وكل خطوة كنت تظنها ثابتة، قد تكون بداية السقوط.


لكن مع كل سقوط، هناك فرصة للنهوض. فحتى في أحلك اللحظات، قد يكمن الضوء. والعبرة ليست في ما يخسره الإنسان، بل في كيف ينهض بعد أن يسقط. كيف يواجه قسوة القدر بشجاعة ويعود أقوى من قبل.


ولا تنسَ أن الحياة لا تعطيك ما تستحق فقط، بل ما أنت قادر على تحمله. وتذكر دائمًا أن ما يخبئه الغيب قد يحمل لك شيئًا أجمل مما فقدت.

❈-❈-❈

صباح يوم جديد، استيقظ مبكرًا، أو دعونا نقل أن النوم لم يزور عينيه منذ الأمس من ألم ذراعه من جهة، ومن جهة أخرى تلك الملك الجميلة التي رأها أمس، فهي لم تسرق قلبه فقط، بل سلبت النوم من عينيه، واستوطنت عقله، فباتت هي شاغله الأكبر….


كان يقف أمام المرآة في محاولة بائسة منه أن يرتدي قميصه، أطلق زفيرًا حادٍ، وتحرك تجاه فراشه، وألقى بثقل جسده فوقه بإرهاق، جذب هاتفه من فوق الكوميدينوا الملاصق لفراشه، وضغط على عدة أزرار وأنتظر الرد.


وما أن أجابه الطرف الآخر، ألقى على مسامعه جملته المقتضبة:

"إلياس لو سمحت تعالى أوضتي محتاجك"


أغلق الهاتف ووضعه جواره باهمال، لم يمر سوى دقائق، واستمع إلى طرق على باب الغرفة يتبعه ولوج شقيقه الأكبر إلى الغرفة مرتديًا حلته العملية.


اقترب شقيقه منه وهو  يتفحص كل إنش به باهتمام شديد، معقبًا نظراته بساؤله:

-أخبارك إيه يا آصف إنتَ كويس؟


أومأ بايجاب، وأجابه باقتضاب:

-اطمئن أنا بخير الحمد لله كنت عايزك تساعدني ألبس هدومي.


جعد الآخر جبينه، واسترسل حديثه مستفهمًا:

-إنتَ رايح فين؟


نظر إلى الجهة الأخرى متهربًا من النظر إلى شقيقه، وتحدث باختصار:

-ورايا مشوار مهمه.


رمقه إلياس باستنكار، وهتف بنبرة متهكمة:

-بجد؟ وراك مشوار مهم وجنابك بالحالة دي؟! 

-رايح فين إن شاء الله؟!


رد بنفاذ صبر :

-مشوار تبع الشغل هتساعدني ألبس ولا أشوف أوس؟!


أطلق زفيرًا حادٍ، ورضخ إلى طلبه بقلة حيلة:

-هساعدك لما نشوف آخرتها معاك..


نهض آصف من فوق الفراش وساعده شقيقه في إرتداء قميصه بحذر شديد خوفًا على جرحه الذي لم يلتئم بعد.


تراجع إلياس إلى الوراء، وطالعه بتقييم:

-تمام كده؟


نظر آصف إلى نفسه في المرآة نظرة رضا، واستطرد بامتنان:

-تسلم إيدك يا بوص تعبتك معايا.


اقترب شقيقه منه مقبلًا جبينه بحب:

-تعبك راحة يا قلب أخوك قولي بقى الصراحة وريح قلبي إنتِ رايح مشوار شغل فعلًا؟!


حرك رأسه بنفي، وأردف بصدق:

-الصراحة لا.


تبسم إلياس بدوره، وهتف قائلًا:

-وأنا مش هسألك رايح فين بس أهم حاجة عندي تاخد بالك من نفسك.


أومأ بايجاب، ورد بفخر:

-اطمئن يا سيادة المستشار أخوك وحش.


قهقه إلياس، وقال:

-ماشي يا وحش على الله بش الوحش ميقلبش قطة…

❈-❈-❈

كانت تقف أمامه لا تصدق أن زوجها ستزوج عليها وبالفعل، ومن من تلك الحقيرة التي لا تكره أحد سواها، لا لن يحدث حتى لو كلفها الأمر حياتها.


نظرة إلى زوجها بتحدي، وهتفت باصرار:

-مش هتتجوزها يا أوس يعني مش هتتجوزها.


تبسم الآخر بسخرية، وكتف ذراعيه فوق صدره، وتسأل بنبرة متهكمة:

-بجد؟! اعتبر ده تهديد؟!


صاحت بانفعال:

-اعتبره زي ما تعتبره يا أوس لكن زواج من الست دي مش هيحصل، ولا أنا وابنك لهي شوف بقى إنتَ هتختار مين.


رفع حاجبه، وطالعها من أعلى إلى أسفل باحتقارء واسترسل حديثه بسخرية:

-تصدقي خوفت؟! طيب أسمعي بقى يا شاطرة وحطي الكلام ده في ودنك علقيه حلقة في ودنك زي ما بيقولوا ابني خط أحمر ابني خارج أي مقارنة ولا إنتِ ولا عشرة زيك ممكن يبعدوني عن ابني .


تخطاها وأكمل هبوط الدرج دون أن يعيرها اهتمام، بسنما ظلت هي مكانها تطالع أثره بتوعد، فليست هي من تكون في خانة الزوجة الأولى المنبوذة من زوجها….


صعدت الدرج وتوجهت إلى غرفتها، ألقت حالها فوق الفراش وجلست تتذكر كيف علمت بأمر تلك الزيجة….


كان تهبط الدرج بخفة متوجهة إلى النادي كي تقابل رفيقتها، ولكن أثناء ذهابها لفت انتباهها أصوات عالية تأتي من غرفة المكتب الخاص بالجد "إلياس" نظرت حولها تتأكد من عدم وجود أحد في المكان، وتحركت تجاه باب الغرفة ووقفت أمامه تنصت للحديث الدائر بالداخل….


لم يزورها النوم طوال الليل هي لا ترغب بتلك الزيجة لنجلها، حتى لو كان متزوجًا من قبل لا تريده أن يتزوج مرة أخرى ويقوم بتخريب بيته بيده.


طالعها الجد باهتمام بالغ ما أن رأها تطرق بابه في الصباح الباكر للتحدث في أمر هام، وها هم يجلسوا سويًا في مكتبه، ينتظر سماع ما تريد قوله، على الرغم أنه على يقين بما تريد إخباره به.


هتفت برجاء:

-بلاش يا عمي موضوع الزواج ده عشان خاطري هي ممكن تفضل معززة مكرمة وسطنا.


آخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، وتحدث بتروٍ:

-هتفضل وسطنا إزاي؟! البيت فيه رجالة ولا ناسية؟!


أجابته بلهفة:

-متربين أحسن تربية وحضرتك عارف.


تنهد بقلة حيلة وقال:

-أنا مش بتكلم في تربية أنا بتكلم في شرع ودين.


رمقها معاتبًا، واسترسل حديثه:

-وزوجها من واحد من أحفادي هيضمن ليها تعيش معززة مكرمة دي كانت بنت أعز الناس على قلبي ومش هسمح ليها تتهاون، إذا كان من الوقتِ معاملتك ليها اتغيرت عن الأول وبقيتي قاسية عليها مش فاهم ليه؟! عايزاني أسيبها بالوضع ده؟! ولا أسيبها في حمى راجل يصونها ويصون مالها؟! أنا بعمل الصح يا بنتي ثقي فيا.


طالعته بتردد وتساءلت بحذر:

-طيب أوس هيعمل إيه مع مراته لو عرفت إنه هيتجوز عليها؟! 


أجابها بهدوء:

-أوس مش صغير وعارف الصح من الغلط.


-طيب الناس هتقول إيه لما يعرفوا إنه هيتجوز مرات عمه؟!


رفع كتفيه بالامبالاة وقال:

-يقولوا اللي يقوله هو لا عمل حاجة عيب ولا حرام هيتجوزهلى سنة الله ورسوله.


نظرت له بتردد، وتداركت مستفهمة:

-أشكعنر هي عايز تجوزها رغم إن أنا زمان من وقت ما زوجي مات مفكرتش تجوزني زي ما عايز تعمل مع نوران؟! 


أجابها ببساطة:

-لأن ببساطة إنتِ كنتِ أم لأحفادي وقاعدة مع ولادك، ولو فكرت أزوجك وقتها بدل ما ولاد العم كلهم أخوات وحبايب، كان هيبقوا أعداء لأن إنتِ هتبقي بالنسبة ليهم الست اللي خطفت أمهم من أبوهم غير إن ليكِ أهل وعوزة لو موت في أي وقت كنت هكون مطمئن عليكِ وسطهم ووسط ولادك، لكن هي غيرك تمامًا مخلفتش وملهاش حد أسيبها لمين؟! وهتعيش وسطنا إزاي؟! وأوس نفسه حابب يتزوجها يعني لو أنا مطلبتش منه هو كان هيطلب وإنتِ عارفة كده كويس.


حركت رأسها بيأس، واستطردت قائلة:

-طيب وإلياس؟!


تبسم بغموض:

-إلياس هو اللي اختار وعارف الصح من الغلط ريحي نفسك من التفكير أولادك مش صغيرين الوقتِ يا بنتي عشان قلقك وخوفك ده.


أغمضت عينيها بتحسُر وصمتت فلا تدري بما تجيبه من الأساس، أبناءها هم من أوصلوها لهذا المنحدر….


أبتعدت عن باب الغرفة بصدمة وهي لا تصدق ما استمعت إليه، زوجها يريد أن يتزوج بأخرى؟! لا لن يحدث هذا طالما لا تزال على قيد الحياة…


عادت من شرود ذكرياتها، ونهضت من مكانها بخطوات متثاقلة، متجهة نحو الشرفة. وقفت هناك تستقبل نسمات الهواء الباردة، علّها تُخمد شيئًا من نيران قلبها المستعرة. لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا؛ إذ وقعت عيناها على مشهدٍ أسفل البناية جعل الأدرينالين يتفجّر في عروقها، وهي ترى زوجها المصون يقف برفقة غريمتها، يتبادلان حديثًا بدا أطول مما ينبغي.


انقبض صدرها، وتسارعت أنفاسها، وتشبّثت بحافة الشرفة وكأنها تخشى أن تخذلها قدماها. لم تكن مجرد وقفة عابرة، ولا نظرة بريئة، بل كانت ابتسامته المائلة كطعنةٍ غادرة، ونظراتها المتدللة وقودًا يشعل ما تبقى من صبرها.


حاولت إقناع نفسها بأنها تبالغ، بأن عقلها ينسج الأوهام بدافع الغيرة، لكن يدها المرتجفة فضحتها حين رأت اقترابه منها أكثر، وحديثه معها الذي لم تستمع إليه، لكنه كان كفيلًا بأن يُسمع قلبها وهو يتشقق بصمت.


في تلك اللحظة، أدركت أن العاصفة التي طالما خشيتها قد بدأت، وأن المواجهة لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل قدرًا يطرق بابها بعنف.

❈-❈-❈

في كلية الحقوق، وتحديدًا في الدور الثاني، كان يتحرك بغرورٍ وكبرياء، كأن الأرض خُلقت لخطواته وحده. وكيف لا، فهو  "الدكتور عمر إلياس"؟

اتجه نحو المدرج بخطى واثقة واتزان، فتح الباب وولج إلى الداخل، وما إن دلف إليه حتى بدا وكأنه رجل في الستين من عمره بسبب شدة وقاره وهيبته، رغم أن عمره لم يتجاوز الحادية والثلاثين.


ما إن وقعت عليه أعين الطلاب حتى اعتدلوا في جلستهم، وجلس الجميع باحترامٍ وتقديرٍ لمكانته. صعد إلى المنصة، وضع أغراضه على الطاولة بعناية، ثم جلس على المقعد بأريحية، وعيناه تجولان بين طلابه باهتمامٍ شديد وكأنه يقرأ ملامحهم واحدًا تلو الآخر.


ألقى عليهم التحية بصوتٍ هادئٍ مهيب:

-«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»


فجاءه الرد منسجمًا من الجميع:

-«وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.»


وساد المدرج صمتٌ يليق بحضوره.


ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد لُوحظت، ثم عدّل من جلسته ووضع يديه على الطاولة أمامه، وقال بصوتٍ هادئ لكنه يحمل هيبةً لا تخطئها الآذان:

-«القانون مش ورق ومحاضرات، القانون ميزان… يا إما نعرف نوزنه صح، يا إما يميل بين إيدينا.»


نهض من مقعده بتمهّل، واتجه نحو السبورة، أمسك بالقلم بين أصابعه بثقة، ثم كتب اسمه بخطٍ واضحٍ صارم:

-«العدل أساس الملك»


التفت إليهم مجددًا، وعيناه الداكنتان تمرّان على الوجوه واحدًا تلو الآخر، كأنه يقرأ أفكارهم قبل أن ينطقوا بها.

-«دي مش  مجرد محاضرة دي مواجهة بينكم وبين عقولكم، هنا مكان للفهم مش الحفظ، يمكن دي أول سنة أدرس لكم فيها يا سنة رابعة، بس أوعدكم إن السنة دي معايا هتبقى بالأربعة سنين دراسة، اللي جاي عشان يحفظ للامتحان يبقى يتفضل يطلع بره، أما اللي جاي يفهم يبقى مكانه وسطنا.»


لم يتحرك أحد. بل على العكس، ازداد الانتباه، واشتد الصمت.


تبادلت بعض النظرات بين الطلاب، فبين من شدّ قامته أكثر، ومن أسرع بفتح دفتره، ومن اكتفى بابتلاع ريقه توترًا. كان حضوره وحده كفيلًا بفرض الصمت، وكأن الكلمات نفسها تخشى أن تُقال دون إذنه.


ابتسم ابتسامة جانبية هذه المرة، وكأن ذلك ما كان ينتظره، ثم تابع:

-«طالما محدش خرج يبقى بداية مبشرة، ونقول بسم الله ونبدأ محاضراتنا النهاردة»


بدأ شرح المحاضرة بثقة عالية، جعلت الجميع يدرك أن ما سيدرسونه اليوم لن يكون قانونًا فقط، بل شخصيةً لا تُنسى.

❈-❈-❈

لا يعلم كيف قادته قدماه إلى هنا، كان من المفترض أن يذهب إلى عمله، لكن قلبه أختار أن يأتي إلى هنا كي يطمئن على ملاكه الحزين.


ركن سيارته أسفل العقار المتهالك، وهبط من السيارة، واتجه إلى العقار، صعد الدرج برزانة، حتى وصل إلى الطابق المنشود، وقف أما باب الشقة ورن الجرس مرة واحدة وتوقف منتظر الرد.


لم يمر سوى دقائق وفتح الباب وطل وجه "فوزي" عليه، والذي تبسم بدوره لرؤياه:

-«إلياس باشا يا أهلّا يا أهلًا أتفضل يا باشا، أنا لو أعرف إن حضرتك جاي والله وما ليك عليا حلفان كنت مسحت ليك سلم العمارة، أه والله هو أنا هيجيلي أعز منك.»


دلف إلياس إلى الشقة متجاهلًا الترهات التي يتفوه بها الآخر، توقف في منتصف الشقة، والتفت لها وقاطعه باهتمام:

-«مسك فين؟»


وقف الآخر في مقابلته، ورد بنبرة ساخرة:

-«أهي نايمة جوه في أوضتها عمالة تندب على حظها يا باشا أسمع مني هتتجوزها دي تعمل بيها إيه؟!»


رمقه بتحذير، واقترب منه على حين غفلة وأمسكه بقوة من تلابيب ملابسه، وهو يردد بفحيح:

-«عارف لو زعلتها هعمل فيك أيه؟!»


حاول أن يُخلص نفسه من براثنه، لكن كيف لعجوزٍ مثله أن ينجو بجلده من بين مخالب هذا النمر الشرس؟ لم يجد أمامه مخرجًا سوى أن يومئ برأسه سريعًا، وردد بلهفةٍ  وصوت مرتعش:

- «حاضر… حاضر يا باشا، أوامرك.»


انحنى أكثر بخزي، كأن ظهره يعتذر بدل لسانه، وارتعشت يداه وهو يشبك أصابعه أمام صدره. كانت عيناه لا تجرؤان على الارتفاع، ثابتتين عند حافة الحذاء اللامع الذي وقف قبالته، كأنه خطٌّ أحمر لا يجوز تجاوزه. ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بقلبه يخبط في صدره كطائرٍ حُبس فجأة.


ابتسم"إلياس" ابتسامة باردة كحدِّ السكين، ثم قال بصوتٍ هادئ يخفي أنيابه: 

- «كده أحبك وإنتَ بتسمع الكلام، بس أقسم بالله لو شوفتها الوقتِ، وعرفت إنك مزعلها وقتها أوعى تلوم غير نفسك.»


 أدرك العجوز أن الخطر لم يزَل، وأن الموافقة لم تكن نجاة، بل تأجيلًا للعقاب. ومع ذلك، تمسّك بتلك اللحظة الهشة، لحظة التنفس الوحيدة التي سُمح له بها، آمِلًا أن يمرّ من تحت أنياب النمر دون أن تُغرس في لحمه هذه المرة


تركه باشمئزاز، كأنه قطعة من القمامة، وتحرك إلى أحد المقاعد، وجلس فوقه واضعًا ساق فوق ساق بثقة عالية، وعينيه لا تزال على العجوز الذي يقف أمامه.


قلب عينيه بملل، واستطرد قائلًا:

-«هتفضل واقف قدامي كده؟»


تسأل الآخر ببلاهة:

-«هو حضرتك طلبت مني حاجة وأنا منفذتهاش؟»


أغمض "إلياس" عينيه، وقبض على يديه بقوة يستدعي الصبر حتى لا يفتك في هذا الكائن المريب الذي يقف أمامه ولا يترك فرصة واحدة إلا ويثير بها عصبيته.


فتح عينيه، وتحدث بنبرة حادةٍ:

-«روح نادي مسك عايز أشوفها.»


أومأ بلهفة قبل، أن يركض تجاه إحدى الغرف، يقتحمها دون أن يكلف نفسه عناء دق الباب والاستئذان قبل الدخول مما آثار غضب الآخر أكثر….

❈-❈-❈

انتهت المحاضرة على خير، وبدأ الطلّاب بالخروج واحدًا تلو الآخر، يملأون المدرّج بضجيجٍ خافت وحديثٍ متقطّع. وما إن أبصر تلك التي تتحرّك خلفهم برفقة شقيقته الصغرى، حتى أوقفهم بصوته الأجش، صوتٍ لا يخطئه السمع ولا ينسى وقعه من تعرّف عليه مرّة.


منذ ما حدث بالأمس، كانت قد اتخذت قرارها أن تتجاهله قدر الإمكان، وأن تبتعد عن أي مكانٍ يتواجد فيه، ولو كان هذا الهروب مؤقتًا. لكنّ سوء حظّها أنّها كانت محاضرته الأولى اليوم، ولم تجد مهربًا سوى أن تختبئ في آخر المدرّج، على غير عادتها، كأنّ المسافة قد تحمي قلبها من الاضطراب. 


جلست هناك بصمت، تحاول أن تكون غير مرئيّة، ورافقتها غنى التي لم تكن تفقه شيئًا عن حبّها الخفي لشقيقها المغر

ور، ولا عن العاصفة التي تعيشها صديقتها بصمت.


طوال المحاضرة، كانت كلماتُه تمرّ عليها ثقيلة، لا لثقل معناها، بل لثقل حضوره. لم ترفع رأسها إلّا نادرًا، خشية أن تلتقي عيناها بعينيه فتخونها ملامحها. وحين أعلن انتهاء المحاضرة، شعرت بأنّ صدرها ينفرج قليلًا، كأنّها كانت تحبس أنفاسها منذ البداية.


وقفت في مكانها للحظات، تستردّ أنفاسها وتجمع شتات نفسها، ثم ما إن سمعت همهمة الطلّاب إيذانًا بالانصراف، حتى تحرّكت سريعًا للمغادرة، لم تنتظر غنى، لم تنتظر شيئًا، كلّ ما أرادته هو الخروج قبل أن يراها، قبل أن يفرض عليها مواجهة لم تكن مستعدّة لها.


لكنّ الهروب لم يكتمل، فجأة، شقّ صوته الأجش ضجيج المكان، ثابتًا وحاسمًا، وكأنّه خُلق ليُطاع.


توقّفت قدماها في مكانهما دون إرادة منها، وتيبّس جسدها، بينما شعرت بأنّ قلبها هو الآخر قد توقّف لثانية كاملة قبل أن يعود للنبض بعنف. التفتت ببطء، بينما غنى رمقتها باستغراب، لا تفهم سبب هذا الارتباك المفاجئ.


في تلك اللحظة، أدركت أنّ تجاهله لن يكون سهلًا كما ظنّت، وأنّ بعض الأشخاص، مهما حاولنا الابتعاد عنهم، يعرفون دائمًا كيف يعيدوننا إلى دائرة حضورهم حتى وإن كنّا نهرب.


التفت غنى إلى شقيقها بينما ظلت تقف كما هي معطية إياه ظهرها، مما آثار استفزازي وحفيظته.


-«أظن ندهت ليكم إنتوا الأتنين يعني عيب يا آنسة يا محترمة تقفي وتديني ضهرك.»

نطقها باستياء شديد، وعينيه لاتزال منصبة فوقها.


التفتت له وهتفت بصوتٍ خافتٍ:

-«أفندم يا دكتور؟»


وضع يديه في كلتا جايبيه ببرود، وطالعها بعينين ثاقبتين، وتسأل بحدة:

-«ممكن أعرف كنتوا قاعدين وراء ليه؟»


تطوعت غنى بالرد، وأجابت بنبرة هادئة:

-«نوران كانت حابة تقعد وراء بس.»


تجاهل رد شقيقته، وعينيه لاتزال منصبة فوقها وصاح بانفعال:

-«ردي ساكته ليه؟! مش سألتك المفروض أسمع منك إجابة؟!»


أجابت باختصار:

-«غنى جاوبت على حضرتك يا دكتور.»


ابتسامة باردة ارتسمت على ثغره قبل أن يتهكم قائلًا بمغزى:

-«بس أنا بسأل حضرتك مش غنى ده أولًا، ثانيًا بقى الهانم قاعدة وراء ليه؟! مش على أساس إمبارح كنتِ مش فاهمة حاجات؟! يعني المفروض الهانم تقعد قدام عشان تفهم، لا الهانم قاعدة وراء.»


تدخلت غنى في الحوار مهدئة من حدة شقيقها برفق:

-«خلاص يا دكتور مش هنقعد وراء تاني خلاص بإذن الله المحاضرة الجاية هنقعد في الأول.»


تجاهل حديث شقيقته، وهتف متوعدًا:

-«ما تفكريش إنك هيبقى ليكِ أستثناء عن باقي الطلاب في الامتحانات، أنسي اقسم بالله هتتساوي بالكل يعني خدي بالك من مذاكرتك.»


التفت إلى شقيقته، وصاح بانفعال:

-«وإنتِ يا هانم تقعدي قدام بعد كده وتركزي وياريت تنقي صحابك بعد كده.»


آخذَ متعلّقاته الشخصيّة وغادرَ المدرّج، تاركًا خلفه قلبًا تحطّم للمرّة التي لم تعد تعلم عددها…


كانت تجاهد ألّا تبكي، تشدّ على أصابعها بقوّة وكأنّها تحاول حبس الدموع في مكانها، تخشى أن يفضحها انكسارها أمامه ظلّت عيناها معلّقتين بظهره وهو يبتعد، خطوةً بعد خطوة، وكل خطوة كانت تنتزع شيئًا من روحها. لم يلتفت، أو لعلّه التفت ولم ترَ، لكنّ النتيجة واحدة،. غاب، وكأنّه لم يكن يومًا جزءًا من تفاصيلها الصغيرة.


وما إن اختفى أثره خلف الباب الكبير، حتى انهار السدّ. انهمرت دموعها الحبيسة، تلك الدموع التي لا تأتي فجأة، بل تتراكم بصمت ثم تفاجئك بثقلها. وضعت يدها على فمها محاولة كتم شهقةٍ أفلتت رغمًا عنها، وشعرت بأنّ صدرها يضيق، وكأنّ الهواء ذاته يرفض أن يدخل دون مقابل من الألم.


اقتربت منها صديقاتها بخطوات متردّدة، لم تعد قادرة على التظاهر بالقوّة ضمتها بحنان، بينما هي تشبّث بها كأنها تتشبث بطوق نجاة أخير لها. كانت الكلمات تتعثّر في حلقها، لا تخرج واضحة، مجرّد شذرات من وجع: 

«ليه بيعمل معايا كده؟… أنا عملت إيه؟»


لم تكن تنتظر إجابة، كانت فقط تحتاج أن تقولها بصوتٍ عالٍ، علّها تخفّ قليلًا، لم تدري "غنى" بما تجيبها فهي لا تعلم هى الأخرى بما أخطأت حتى يعاملها شقيقها بهذه القسوة….

❈-❈-❈

دقائق مرت بل ثوان منذ دخوله الغرفة اتبعه صوت صراخه

-«يا مصيبتي ألحقني يا باشا.»


انتفض من مكانه كالملسوع، وركض تجاه الغرفة وهو يشعر أن قلبه يكاد أن يخرج من بين ضلوعه، اقتحم الغرفة،وليته لم يفعلها، فما أن دلف وأبصرها في تلك الحالة المذرية حتى تصنم مكانه وهو يصرخ باسمها بأعلى صوت لديه:

-«مسك لاااااااااا»


يُتبع..


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة