رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 2 - الأحد 11/1/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل الثاني
تم النشرالأحد
11/1/2026
خطواتٌ خفيّةٌ نخطوها، لا ندري إلى أين نمضي، ولا إلى من نقصد، كلّ ما نعلمه أنّها خطواتٌ تسير بنا نحو أقدارنا. نمشيها بصمتٍ يشبه الهمس، وكأنّ الطريق نفسه لا يريد أن يبوح بسرّه، فنكتفي بأن نضع أقدامنا واحدةً بعد الأخرى، ونترك للغيب مهمّة الكشف حين يحين الأوان.
في كلّ خطوةٍ حكايةٌ لم تُكتب بعد، وفي كلّ منعطف احتمالٌ جديد، قد يحمل لنا فرحًا لم نتوقّعه، أو وجعًا لم نتهيّأ له. نحن لا نختار دائمًا ملامح الطريق، لكنّنا نختار أن نمشي، أن نؤمن بأنّ خلف هذا الغموض معنى، وأنّ خلف التعب حكمة، حتى وإن تأخّر فهمها. فالأقدار لا تُعطي أسرارها دفعةً واحدة، بل تتركها تتكشّف كما تتفتّح الأزهار على مهل.
نمضي ونحن نحمل في قلوبنا خليطًا من الخوف والرجاء. نخاف أن نضلّ، ونرجو أن نصل. نخشى أن نخسر، ونأمل أن نعوَّض. وبين هذا وذاك، نتعلّم أن نثق بأنّ ما كُتب لنا لن يُخطئنا، وأنّ ما أخطأنا لم يكن يومًا لنا. تلك القناعة لا تُولد فجأة، بل تنمو مع كلّ عثرة، ومع كلّ قيامٍ بعدها.
أحيانًا نتوقّف، ننظر خلفنا فنرى آثار خطواتنا، فنندهش كيف عبرنا ما عبرناه، وكيف صمدنا رغم ظنّنا السابق بأنّنا لن نقدر. هناك ندرك أنّنا كنّا أقوى ممّا تخيّلنا، وأنّ الطريق، مهما بدا قاسيًا، كان يصنعنا بقدر ما كنّا نعبره. فكلّ تجربةٍ مررنا بها كانت تنحت في أرواحنا ملامح جديدة، وتعلّمنا كيف نكون أكثر فهمًا لأنفسنا ولغيرنا.
والعجيب أنّنا حين نصل إلى بعض النهايات، نكتشف أنّها لم تكن سوى بداياتٍ متخفّية. نضحك على خوفنا القديم، ونتصالح مع انتظارنا الطويل، وندرك أنّ الخطوات الخفيّة لم تكن عبثًا، بل كانت تسير بنا بدقّةٍ نحو ما يناسبنا، نحو ما يشبهنا، حتى وإن تألّمنا في الطريق.
وهكذا نستمرّ في السير، لا نملك يقين الوصول، لكنّنا نملك يقين السعي. نؤمن بأنّ الأقدار، مهما التوت طرقها، تحمل لنا ما خُلقنا له، وأنّ الخطوات التي نخطوها اليوم، بصمتها وغموضها، ستغدو غدًا حكايةً نرويها بفهمٍ أعمق وطمأنينةٍ أكبر.
فاقت من نوبة بكائها على يدٍ حانيةٍ تربّت على ظهرها بحنان. مسحت دموعها سريعًا، والتفتت لترى صديقتها المقرّبة، وشقيقة حبيبها المغرور.
نهضت بهدوء، ووقفت في مواجهتها، وتسألت باهتمام:
-محتاجة حاجة يا غنى؟
حرّكت رأسها نافية، وقالت:
-لأ يا حبيبتي، مش محتاجة حاجة. مالك بتعيطي ليه؟
أجابت بصوتٍ مُجهد، وهي تُشيح بنظراتها بعيدًا عن نظرات الأخرى الثاقبة:
-مفيش حاجة، أنا كويسة.
رمقتها الأخرى بعدم تصديق، واستطردت قائلة:
-كويسة إزاي؟! إنتِ كنتِ بتعيطي ولا إيه؟
هزّت رأسها بخفة، وردّت بصوتٍ خافت:
-مفيش حاجة والله، متاخديش في بالك.
أطلقت غنى زفيرًا حادًا، وهتفت بنفاد صبر:
-على راحتك يا نوران، طالما مش حابة تتكلمي.
«غنى، اطلعي جهّزي نفسك، هنسافر القاهرة»
قالها ذلك المغرور الذي اقتحم خلوتهم في المطبخ.
قطّبت غنى جبينها بحيرة، وتساءلت:
-هنسافر ليه؟!
أجاب ببساطة:
-عشان جدك عايزنا، وإنتِ وراكي محاضرات.
أومأت بإيجاب، والتفتت إلى رفيقتها، وتسألت باهتمام:
-هي نوران مش هتيجي معانا؟
تأمّلها عمر من أعلى إلى أسفل باحتقار، وأجابها بجمود:
-لأ، هتفضل هنا. مش محتاجين خدامين هناك.
ثم أضاف وهو يتحرّك مبتعدًا:
-أنا طالع أجهّز عشان نتحرّك…
وقع حديثه على قلب تلك المسكينة، ومزّقه إلى أشلاء. لماذا يفعل بها هذا؟ ولماذا يُصرّ دائمًا على التقليل منها؟!
أما غنى، فكانت في حالة يُرثى لها بعد ما قاله شقيقها، فحاولت تلطيف الجو:
-متزعليش من عمر، إنتِ عارفة طريقته.
ابتلعت ريقها بمرارة، وقالت:
-مش زعلانة يا حبيبتي، أنا اتعوّدت خلاص. روحي إنتِ جهّزي نفسك، وبإذن الله نتقابل بكرة في الكلية.
أومأت بايجاب:
-بإذن الله.
❈-❈-❈
خرج من غرفته متجهًا إلى غرفة طفله الحبيب. فتح الباب ودلف، ليجده جالسًا برفقة تلك الصغيرة. ما إن رأى والده حتى نهض سريعًا وركض إليه. جلس أوس على الأرض، وفتح ذراعيه ليتلقف صغيره في أحضانه بمحبة، وهو يضمّه بقوة ويقبل كل جزء منه:
-قلب وعقل وروح بابي يا زين.
ابتسم الصغير وهمهم ببراءة:
-بابا… بابا
حمله بخفة ونهض به، ثم التفت إلى تلك التي تجلس متوترة وتسأل بقلق:
-هي الناني بتاعته فين؟
رفعت كتفيها دلالة على عدم معرفتها، وقالت بتردد:
-مش عارفة أنا سمعت صوته بيعيط، دخلت لقيته لوحده، شيلته ولعبت معاه شوية عشان يهدى.
زفر بضيق من زوجته، التي لم يكن يراها تستحق أن تكون زوجة، ولا صالحة أن تكون أمًا. كيف يمكن لها أن تترك صغيرًا لا يزال في عامه الثاني وحيدًا هكذا؟
فاق من شروده عندما همهم الصغير، فالتفت إليه ووضع قبلة حانية على جبهته قبل أن يضعه على الأرض برفق.
ما إن أفلت الصغير حتى ركض نحو مرام وألقى بنفسه في أحضانها. تبسم أوس بهدوء، وأردف ممازحًا:
-أنا كده هبدأ أغار، على فكرة… هو دلوقتي متعلق بيكِ أكتر مني.
ابتسمت خجلاً وقالت:
-عشان بلعب معاه كتير، بس أكيد مش هيحبني ولا هيتعلق بيا أكتر منك ومامته.
تبسم ساخرًا داخليًا وقال بمرارة:
-مامته؟! إنتِ طيبة أوي… على أساس إنه يعرف مامته أصلاً!
أطلق زفيرًا حادًا وقال:
-أنا هنزل أشوف المربية فين وأبعتهاله.
أومأت بتفهم:
-تمام…
❈-❈-❈
في مكان آخر، كانت تجلس فوق فراشها المتهالك، وسط جدران الشقة المتداعية، تبكي بحسرة على حالها وما وصلت إليه. بعد أن كانت شابة مفعمة بالحياة، أصبحت الآن جسدًا بلا روح، لا تعلم ماذا تفعل لتخرج من مستنقع الوحل الذي سقطت فيه. ليت والديها لا يزالان على قيد الحياة، أو أن شقيقتها ما زالت بجانبها، فقد اشتاقت إليها حد الموت. ليتها تكون بجوارها الآن، وتتحسن وتخرج من المستشفى هي الأخرى على خير ما يرام.
فاقت من حالتها تلك على صوت رنين هاتفها، نظرت إلى الهاتف وما أن رأت الرقم المدون حتى انقبض قلبها، وأرتعشت أوصالها بخوف، ضغطت على زر الرد بيد مرتعشة، واستمعت إلى الطرف الآخر:
«شاطرة طول ما إنتِ ساكتة طول ما أختك بخير، لو فكرتي تفتحي بقك يبقى هتترحمي على نفسك سلام يا قطة»
أغلق الهاتف في وجهها وسقط الهاتف من يدها، وزاد نحيبها وهي تنظر لأعلى بأسى:
-يارب حلها من عندك مليش غيرك…
❈-❈-❈
كان يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة وإلى جواره شقيقته التي تطالعه بضيق، استدار إليها بوجهه وتسأل باهتمام:
-مالك في إيه؟
رمقته بعتاب وقالت:
-ليه تحرجها كده؟!
قطب جبينه وتظاهر بعدم الفهم:
-هي مين دي اللي أحرجتها مش فاهم؟!
زفرت بضيق وردت:
-نوران.
قلب عينيه بملل واستطرد قائلاً بنبرة متهكمة:
-إنتِ مش ملاحظة إنك عاملة إعتبار للخدامة دي أوي؟!
ردت بدفاع:
-نوران مش خدامة على فكرة ومتربية معانا من زمان.
تبسم باستفزاز وكرر حديثها بسخرية:
-صح إنتِ صح هي مش خدامة والدتها الله يرحمها هي اللي كانت خدامة ومن وقت ما ماتت وجدك بيشفق عليها ويربيها بس ده ميمنعش أنها خدامة ده أولاً ثانيًا بقى يا هانم أنا مش عايزيك تتعاملي معاها تاني بالشكل ده لازم تحطي حدود بينك وبينها.
حركت رأسها بيأس وقالت:
-إحنا كلنا ولاد تسعة وياريت إنتَ بس تبطل تفكيرك الطبقي ده وعلى فكرة لو جدو عرف إنك بتعاملها وحش كده هيزعل منك.
رفع حاجبه باستنكار وتسأل بحدة:
-خير الهانم بتهددني ولا إيه؟! نسيتي إني أخوكِ الكبير ولا إيه يا هانم؟!
هتفت بتبرير:
-أنا مقصدتش أهددك كل الحكاية حابة إنك تعاملها كويس.
تجاهل حديثها وأكمل قيادة السيارة وكأن ما تقوله لا يعنيه من الأساس…
❈-❈-❈
كان يجلس في مكتبه بوقار شديد تدل على قوته ورزانة عقله، يتصفح ملف القضية التي أمامه بتركيز شديد، قاطعه رنين هاتفه،. رفع الهاتف ورأى هوية المتصل والذي لم يكن سوى ابن خالته ورفيقه المقرب أيهم، أجاب على الفور، وما أن أجاب عليه واستمع إلى ما يقوله الطرف الآخر انتفض من مكانه كالملسوع، أغلق الهاتف معه بعد أن ألقى على مسامع رفيقه كلمات مقتضبة فحواها:
«أنا جاي في الطريق»
آخذ مفاتيح سيارته وارتدى چاكيت بدلته سريعًا وتحرك مغادرًا مكتبه والمكان بأكمله متوجهًا إلى وجهته، والتي لم تكن سوى المستشفى العسكري التي يعمل بها رفيقه، بعد أن أبلغه بالخبر المشؤوم بإصابة شقيقه الأصغر بطلق ناري أثناء عمله فهو ضابط بالقوات المسلحة.
وصل بعد ما يقارب الساعة، أوقف سيارته أمام المستشفى وركض إلى الداخل وهو يبحث بعينيه عن رقم الغرفة التي يقطن بها شقيقه، تنهد بارتياح ما أن وجد الغرفة، دق الباب بخفة ودلف إلى الداخل وجد شقيقه ممدد فوق الفراش وذراعه الآخر مضمد ومعلق في رقبته.
ركض تجاهه بلهفة وهو يتفحص كل إنش به مرددًا بقلق:
-إنتَ كويس يا حبيبي؟!
اعتدل أصف بضعف وأجاب:
-بخير الحمد لله أيهم كلمك بردو؟!
رمقه إلياس شذرًا وعقب ساخرًا:
-ليه هو الباشا مكنش ناوي يعرفنا ولا إيه؟!
زفر بضيق وقال:
-إلياس أنا مش صغيرة على فكرة.
أومأ الآخر بايجاب وتهكم بنبرة حادة:
-فعلًا إنتَ مش صغير إنتَ عيل بس.
قطع حوارهم، دلوف أيهم إلى الغرفة، الذي أقترب بدوره من أصف وتسأل باهتمام:
-عامل إيه الوقتِ يا بطل؟!
رمقة بحدة وضاح موبخًا:
-هو أنا مش قُلت ليك ما تقلش لحد؟
أشار أيهم على إلياس، واستطرد بإبانة:
-الصراحة قُلت بس أنا لو مكنتش قُلت للباشا كان هيعلقني من قفايا وأنا دكتور محترم الصراحة مش حمل مرمطة..
تبسم آصف بتوعد:
-ماشي يا دكتور الأيام ما بينا…
هتف إلياس بحدة:
-كمان جنابك مش عايزه يقول لينا ؟! ده كان يومه هيبقى مهيب لو سمع كلامك وخبى عني.
تراجع أيهم إلى الخلف بارتباك وهتف بذعر:
-بصوا بقى أنا مليش علاقة بيكم من هنا ورايح أنا غلبان. وإنتَ وأخواتك مفترين الصراحة، هروح أنا أطمئن على المرضى بتوعي صحيح إنتَ المفروض تفضل هنا ٢٤ ساعة عشان نطمئن على الجرح سلام…
ألقى جملته وفر سريعًا إلى الخارج لمتابعة عمله…خوفًا من بطش أصدقائه….
❈-❈-❈
توقفت السيارة أمام قصر إلياس، هبطت غنى من السيارة، تبعها عمر متوجهين إلى الداخل، رن جرس الباب وفتحت لهم الخادمة متمتمة بابتسامة:
-حمد الله على السلامة يا آنسة غنى، حمد الله على السلامة يا دكتور.
-الله يسلمك.
-الله يسلمك.
دلفوا إلى الداخل، وتسأل عمر باهتمام وهو يجول بنظره في المكان:
-هو مفيش حد موجود ولا إيه؟!
ما كادت أن تجيب إلا وأرتفع صوت زوجة عمته الحبيبة وهي تهبط الدرج بخفة:
-حمد الله على السلامة يا حبايبي.
ركضت غنى إليها تضمها بلهفة واشتياق:
-الله يسلمك يا طنط وحشاني أوي.
ضمتها الأخرى بحب وقالت:
-وإنتِ وحشاني أوي يا حبيبتي.
اقترب عمر وقبل رأسها بحنان:
-أزي حضرتك يا طنط.
ردت بابتسامة:
-بخير يا حبيبي حمد الله على السلامة.
-الله يسلمك متعرفيش جدو فين؟ وليه طلبنا؟!
رفعت كتفيها دلالة على عدم معرفتها وهتفت باختصار:
-معرفش يا ابني هو جدك حد يعرف يفهمه.
تسألت غنى باهتمام:
-هو بابا وماما جايين صح؟!
حركت رأسها بإيجاب:
-أيوه جايين.
صقفت بحماس وهللت بصياح:
-أخيرًا دول وحشني أوي.
تبسمت خديجة بحنان وقالت:
-يلا اطلعوا ارتاحوا على ما هما.
أومأت بايجاب واسترسلت بإيضاح:
-أنا هطلع أنام شوية بعد إذنكم.
بينما عمر هتف قائلاً:
-أنا هخرج أقعد في الجنينة شوية.
أومأت بتفهم:
-ماشي يا حبيبي براحتك وأنا هخليهم يجهزوا ليك فنجان القهوة بتاعك.
تبسم بامتنان:
-ماشي يا حبيبتي تسلمي بعد إذنك.
غادر إلى الخارج بينما ظلت هي واقفة تردد بشرود:
-يا ترى إيه اللي بتفكر فيه يا عمي عشان تجمع الكل النهاردة؟!
❈-❈-❈
يخطو بخطى بطيئة داخل أروقة المستشفى، مستندًا بذراعه المعافى على كتف شقيقه الذي يثرثر بحديث لا قيمة له عند الآخر، بينما الذراع الأخرى محمولة على رقبته بسبب إصابته بطلق ناري فيها.
زفر الأخير أنفاسه بملل وتدارك مستفهِمًا:
– سؤال واحد نفسي أفهمه إنتَ بجد إنسان طبيعي زينا؟ واخد طلقتين في دراعك وخارج من المستشفى كده عادي؟
توقف فجأة، والتفت له وغمغم متهكمًا:
– لا تصدق المفروض آخد صورة مع المستشفى قبل ما أمشي يا إلياس باشا؟
ضيّق الآخر عينيه مستهزئًا وقال:
– لأ يا خفيف المفروض جنابك ترتاح كام ساعة على الأقل.
نظر له باشمئزاز وصاح موبخًا:
– على الأقل كنت غيرت هدومك الغرقانة دم دي؟ ولا الكم اللي متشال وماشي من غيره؟ إنتَ وصمة عار على عيلتنا العريقة.
لاحظ شرود الآخر فتساءل بحيرة:
– إنتَ سرحت في إيه؟
أما بطلنا"أصف"، فكان شاردًا مع ملاك حزين يجلس على كرسي متحرك تدفعه الممرضة بخفة تجاه إحدى الغرف صوب عينيه نحو اللوحة المعدنية المعلقة على تلك الغرفة. ويا أسفاه، ليته لم يقرأ؛ فما كانت إلا غرفة "الإشعاع لمرضى السرطان".
وتزامنًا مع دخولهما، جاء من الجهة الأخرى صديقهما الذي رماه بإزعاج وهو يشير إلى موضع إصابته:
– إنتَ برضه مُصر تروح؟
ثم التفت إلى شقيقه موبخًا:
– وإنتَ يا إلياس باشا بدل ما تعلق، أخوك محتاج يروح!
تهكم إلياس ساخرًا وأضاف بنبرة حادة:
– المفروض أكتفه يعني؟ إنتَ عارف دماغه.
تجاهل حديثهما وسأل بجدية:
– مين اللي دخلت أوضة الإشعاع دي؟ وإيه حكايتها؟
امتعض وجه الطبيب، وتحدث بحزن:
– قصدك موچ؟!
قطب جبينه بعدم فهم وسأل:
– بتقول إيه؟
استطرد الطبيب موضحًا:
– البنت اسمها موچ دي مريضة سرطان، ومع الأسف خطيبها لما عرف اتخلى عنها زي ما إنتَ شايف جسد بلا روح.
انغرست كلماته في قلب الآخر، فمزقته إلى شطرين حزنًا على هذا الملاك الحزين، ردد اسمها هامسًا:
– موچ…
وتلاطمت أمواج البحر الثائرة معلنةً عن عاصفة حب ضارية نشأت وسط الغيوم المتلبدة.
❈-❈-❈
كان يجلس في مكتبه متكئًا بظهره إلى مسند مقعده، يحدّق أمامه بشرودٍ عميق. من يراه من بعيد يلحظ قوته، ورزانة عقله، وغموض ملامحه، أمّا من يقترب منه فيكتشف طيبةً وحنانًا لم يرهما من قبل، وعلى الرغم أنه على مشارف عقده السابع لا يزال يتصف بالقوة والصلابة …
مدّ يده ببطء وجذب صورة نجله المتوفّى، أصغر أبنائه، والذي كان في عمرٍ يقارب عمر أصغر أحفاده الآن. تنهد بحرقة، وتمنى لو كان أكثر حزمًا معه؛ فلو فعل، لما آل به الحال إلى أن يصبح شخصًا فاسدًا، كأنما يحمل الخراب لكل من يقترب منه، يدمّر حياته وحياة غيره دون أن يشعر.
والآن، لم يعد أمامه سوى أن يجمع شتات ما خلّفه ابنه من فوضى وأخطاء، وأن يتحمّل عبئها وحده. عليه أن يُصلح ما يمكن إصلاحه، وأن ينفّذ ما يراه نافعًا لإنقاذ ما تبقّى من اسمه وإرثه، وربما… لإنقاذ روحه هو أيضًا من ثقل الندم الذي ينهش قلبه بصمت.
أعاد الصورة إلى مكانها، واستقام في جلسته، وقد اتخذ قراره أخيرًا. لن يسمح للماضي بأن يبتلع الحاضر، ولن يكرّر الخطأ ذاته مع من تبقّى. فبعض القرارات، وإن جاءت متأخرة، قد تكون الفرصة الأخيرة للخلاص.
❈-❈-❈
يجلس في الحديقة يحتسي فنجان قهوته ويتصفح هاتفه باهتمام شديد في قطع وصلة إندماجه رؤيته لسيارة ابن عمه تعبر البوابة الرئيسية، أغلق الهاتف وترك الفنجان فوق الطاولة ونهض ليستقبله.
توقفت السيارة أمام البوابة الداخلية للقصر هبط إلياس أولًا، وتحرك إلى الباب الآخر كما بفتحه وساند شقيقه كي يهبط.
ما أن أبصر عمر الوضع تحرك تجاههم بلهفة وهلع:
-خير في إيه؟! مالك يا آصف؟!
تبسم الآخر بدوره ورد:
-إصابة بسيطة متقلقش حمد الله على السلامة.
رد عمر:
-الله يسلمك.
-أخبار يا دكتور؟!
-بخير يا إلياس.
نظر إلياس إلى شقيقه بحدة، واستطرد قائلًا بمغزى:
-هندخل إزاي بمنظرك خديجة هانم لو شافتك بالمنظر ده مش بعيد تقع من طولها.
تبسم آصف ضاحكًا:
-أطمئن خديجة ركبها حديد.
حرك رأسه بيأس:
-ربنا يستر.
تحرك الثلاثة إلى الداخل، وما أن دلفوا داخل الفيلا، ورأت خديجة نجلها الأصغر بهذه الحالة ركضت تجاهه وهي تتفحصه بقلق شديد:
-مالك يا حبيبي إيه اللي حصلك يا حبيبي؟!
أجابها بهدوء:
-أنا بخير أهو يا ست الكل أطمني.
طالعته من أعلى لأسفل ذراعه مضمد، ملابسه تغرقها الدماء، كل شيء به يدل على أنه ليس بخير، صاحت بانفعال:
-بخير؟! إنتَ بتضحك عليا ولا على نفسك؟! ذراعك وكتفك متربطين، غير هدومك اللي غرقانة دم، لأ وكمان أتنين مسندين جنابك تقولي أطمني أنا بخير؟! أمال لو مش بخير بقى كنت هتدخل عليا على نقالة ؟! إنتوا عايزين تشلوني؟! عايزين تجلطوني أفهم بس الكبير العاقل أو اللي كنت فكراه عاقل اتجنن خلاص والتاني بقى أجن منه، قلت ربنا هيعوضني فيك طلعت أجن منهم عوض عليا عوض الصابرين يا رب، أنا طالعة أوضتي أقعد فيها أحسن ليا.
تحركت سريعًا وتوجهت إلى الأعلى، بينما نظر الثلاثة شباب إلى بعضهم وسرعان ما انفجروا ضاحكين…
تسأل عمر باهتمام:
-عملت إبه يا كبير يا عاقل؟!
تبسم بغموض وأجاب:
-بعدين هتعرفوا.
قطع حديثهم أصوات أقدام، تهبط الدرج، نظر ثلاثتهم ليعلموا هويتها، وليتهم لم يفعلوا فلم تكن سوى سيرين زوجة أوس، امتعض وجه ثلاثتهم.
اقتربت من آصف وتساءلت باهتمام:
-إيه ده خير في إيه؟!
رد باختصار:
-الحمد لله.
تسألت بفضول:
-هو إيه اللي حصلك؟!
صاح عمر بنفاذ صبر:
-ما هو قالك الحمد لله خلاص بقى الراجل تعبان وعايز يرتاح يلا يا ابني نطلع.
رمقته شذرًا وقالت:
-الحق عليا أنا إللي غلطانة إني وقفت أطمئن عليك وعملت بأصلي بعد إذنكم.
تحركت بخفة تجاه الباب فتحته، وغادرت القصر صافعة الباب خلفها بعنف.
انفجر الثلاثة رجال ضاحكين، استطرد عمر بإيضاح:
-أنا مش فاهم أخوك ده مستحملها إزاي؟!
رد إلياس متهكمًا:
-قدره بيكفر عن سيئاته يا سيدي…
❈-❈-❈
مساءً في اجتماع عائلي شمل خديجة زوجة الابن الأكبر ووالدة أوس، إلياس، آصف، والابن الأوسط أحمد، وزوجته نهى وأبناءه عمر، وغنى، ويترأسهم الجد وكبير العائلة إلياس…
كان يتجول بنظراته بينهم، كأنه يراقب أنفاسهم، وأصوات همساتهم…قطع أحمد حرب النظرات وتسأل بتردد:
-خير يا بابا حضرتك جمعتنا ليه؟! وليه مش كلنا متجمعين؟!
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه قبل أن يسترسل حديثه بجدية:
-عشان اللي هقوله إنتوا بس اللي هتسمعوه، طبعًا عارفين إن نوران قربت تخلص العدة بتاعتها.
هتفت خديجة بلهفة:
-أيوه يا عمي قربت خلاص إيه حضرتك ناوي تمشيها؟!
حرك رأسه نافيًا واستطرد قائلًا بمغزى:
-لأ طبعًا تمشي تروح فين؟! هي ملهاش غيرنا لكن وجودها هنا بطولها في بيت فيه رجالة مش هينفع.
بهت وجهها وتسألت بترقب:
-قصد حضرتك إيه يا عمي؟!
تطلع إلى أحفاده وبالأخص عمر وآصف، واسترسل بإبانة:
-يعني هتتجوز واحد من أحفادي وبما إن إلياس خلاص أختار وهيتجوز وأوس متجوز يبقى مفيش قدامي غير آصف وعمر واحد منهم هو اللي هيتجوزها.
انتفض أوس من مكانه وصاح بحدة:
-أنا اللي هتجوزها يا جدي.
صدم الجميع باستثناء خديجة التي كانت بعلم مسبق بهذا الحديث.
تسأل إلياس بحيرة:
-هتتجوزها إزاي وإنتَ متجوز يا أوس؟!
أجاب ببساطة:
-الشرع محلل أتجوز مثنى وثلاث ورباع إيه المشكلة؟!
لاحظ تشتت جده، وكذلك ترقب الجميع لقرار الجد، فاستطرد حديثه بخبث محنك:
-بعدين أنا أنسب واحد يا جدي اتجوزها هي أرملة إيه ذنب عمر أو آصف إنهم يتجوزوا واحدة أرملة أنا أنسب شخص ليها.
صاحت خديجة بانفعال:
-لأ بقى كده كتير حرام عليك إنتَ وأخوك اللي عايزين تعملوه فيا أنا مش موافقة على الجوازة دي.
انتفض إلياس من مكانه وضرب على مكتبه بقبضة يده وهتف بحدة:
-بس ولا كلمة حصلت تعلي صوتك في وجودي؟!
حاولت الدفاع عن نفسها، لكنه لم يعطيها الفرصة، وأوقفها بإشارة من يده وهو يهتف بنبرة حادة غير قابلة للنقاش:
-أوس هيتجوز مرات عمه وده آخر كلام عندي….
❈-❈-❈
صباح يومٍ جديد، أشرقت شمس الصباح بنورها الساطع معلنةً عن بدايةٍ جديدة، تتسلل أشعتها برفقٍ إلى القلوب قبل النوافذ، فتوقظ فينا الأمل، وتهمس بأن كل يوم يحمل فرصة أخرى للحلم، وأن البدايات الجميلة لا تحتاج إلا لقلبٍ متفائل ونيةٍ صادقة.
كان يهبط الدرج بخفة متوجهًا إلى الخارج، فتفاجأ برؤية آخر شخصٍ يودّ رؤيته، ليس الآن فحسب بل طوال حياته. توقف ببرود، واضعًا يده في جيبه، ملتزمًا صمتًا تامًا.
-استفزّ هذا البرود تلك الواقفة أمامه، فصرخت بانفعال:
إنتَ هتتجوز عليّا يا أوس؟! لا وكمان مين العيلة الجربوعة اللي عمّك جابها لينا من الشارع؟!
أجابها ببرود:
-أيوه، هتجوزها… عندك مانع؟
اتسعت عيناها بغِلٍّ، وقالت:
-الجوازة دي مش هتم، سامع ولا مش سامع؟!
ابتسم ابتسامة عريضة، وردّ بنبرة حادة:
-بجد؟! أعتبر ده تهديد؟! أنا هتجوز، سواء بمزاجك أو غصب عنك.
صاحت بجنون:
-لا بقى! إنتَ بتحلم! مش أنا اللي جوزها يتجوز عليها! أقسم بالله يا أوس لو عملتها لأطربقها على دماغك ودماغها.
قطع المسافة بينهما، وجذبها من ذراعها بعنف، ثم ثناها خلف ظهرها وهتف في أذنها بفحيح:
-اعمليها يا زبالة، عشان وقتها الكل يعرف حقيقتك القذرة. فوقي لنفسك يا نرمين، وبلاش تفتحي على نفسك أبواب جهنم. أنا اللي مصبّرني عليكِ ابني وبس.
ترك يدها، وتحرك مغادرًا المنزل بالكامل، بينما وقفت هي تردد بغِلّ:
-بقى كده؟! طيب يا أوس… هشوف أنا ولا إنتَ، والجوازة دي مش هتم، يعني مش هتم…..
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
