-->

رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 1 - الأحد 11/1/2026


  قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية أحفاد إلياس

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة زينب سعيد القاضي


الفصل الأول

تم النشرالأحد

 11/1/2026



في شقةٍ متوسطة الحال، يقف شامخًا بهيمنته ورجولته الطاغية، صوته صلب كالسيف، ونظراته ثابتة لا تحيد عن تلك البائسة الجالسة أمامه، جسدها يهتز ببكاءٍ مكتوم وانكسارٍ لا يخفى. وفي الجهة المقابلة، يقف عمّها، يراقب المشهد بوجومٍ مشوب بالحذر.


انطلق صوته فجأة، حاسمًا لا يعرف التردد:

-أنا هتجوزها.


اتسعت عينا الآخر بصدمةٍ كادت تطيح بتوازنه:

-نعم؟! تتجوزها؟! تتجوز مين بس يا باشا؟! دي… دي كسر! دي واحدة مغتصبة! هتعمل إيه بيها؟!


كانت تستمع لما يدور وكأن الكلمات سكاكين تُغرس في روحها. لم تجرؤ على النطق بحرف، فالعار كما يراه الجميع  صار طوقًا يخنق عنقها.


صُدمت من طلبه لكنها انهارت حقًا حين جاء الطعن من عمّها، أول من كان يُفترض أن يكون لها سندًا، فإذا به أول من ينتهك شرفها بلسانه.


انتفضت من مكانها فزعة، لكن الصيحة التي دوّت في المكان أوقفت الجميع.


صرخ بانفعالٍ جامح، وكأن شياطين الإنس والجن تلبسته وهو يدافع عنها، باسمهـا تحديدًا، كأنها قطعة من روحه:

-أخرس! مش عايز ولا كلمة! مليكة أشرف من الشرف نفسه، وألف واحد غيري يتمنى يقرب منها! كتب كتابي عليها الشهر الجاي!


ساد الصمت، صمت ثقيل خانق، اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، ثم انحنى بجذعه حتى صار في مستواها، وانخفض صوته فجأة ليغدو دافئًا حنونًا:

-موافقة تتجوزيني؟


رفعت رأسها بصعوبة، وخرج صوتها مبحوحًا مكسورًا:

-عمي عنده حق ليه تتجوز واحدة زيي؟ أنا مبقتش أنفعك ولا أنفع أي حد، أنا انتهيت.


ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليئة بالإصرار، ورد دون أن يترك لها فرصة للهروب:

-فرحنا الشهر الجاي.


قالها بجدية لا تقبل النقاش، ثم اعتدل في وقفته، وأدار ظهره للجميع، وغادر الشقة…


تاركًا خلفه قلوبًا مشتعلة، وصمتًا يصرخ بأسئلةٍ لا إجابة لها.


أستقل سيارته وقادها بسرعة شديدة ينفس بها عن غضبه، حتى وصل إلى مكان هادئ، هبط من سيارة ووقف في الهواء الطلق ينفذ عن غضبه، أغمض عينيه يتذكر أول مرة رأى تلك الملاك بها منذ ثلاثة أشهر…..

فلاش باك….

❈-❈-❈

يقف داخل مستشفى الأمراض العقلية، متأمّلًا الملاك الحزين خلف الحائط الزجاجي، وهي تبكي بحرقة على ما حلّ بها، فقد انتُزعت براءتها على يد رجلًا لا يمت للرجولة بصلة صمتٌ ثقيل يملأ الغرفة، كأن الهواء نفسه يحمل ثقل الألم. كان ينظر إليها بعينين مليئتين بالأسى، يتمنى لو يستطيع شفاء جروحها، لو لم يفرض العالم عليها تلك المآسي التي لا طاقة لها بها. أما هي، فقد غاصت في بحر من دموعها، لا تجد ملاذًا سوى الحزن الذي يكتنف قلبها، وحيدة وسط صمتٍ لا يُجيب سوى صدى أنينها.


أغمض عينيه بضيق، لا يصدق أن عمه كان من فعل بها هذا. لم يعرف كيف يتصرف أمام تلك البريئة، وكيف يعالج ألمها. لو كان عمه لا يزال على قيد الحياة، لكان أجبره على الزواج بها ولو لشهر واحد على الأقل، ليكفر عن ظلمه. لكن في تلك الليلة نفسها التي اعتدى فيها عليها، انقلبت سيارة عمه أثناء هروبه بعد فعلته الخسيسة. ولحسن حظه، تمكن من رؤيته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأخبره بمكان الملاك وما فعله بها. لم يكن منه إلا أن يذهب إلى شقتها التي تركها بها، ليحاول إنقاذها. ومنذ أن أحضرها إلى هنا، وهي بين الحياة والموت، تتأرجح بين الوعي واللاوعي، تاركة قلبه يئن على ما ألم بها.


عاد من ذكرياته المريرة، واستقل زيارته مرة أخرى متوجهًا إلى وجهته التالية يجب أن يخبر عائلته بأمر زيجته، وبداخله على يقين أنه سيكون من الصعب إقناع والدته بهذا الأمر، لكن مهما كان رد فعلها فهو سيتزوجها شأت أم أبت….فهو لن يتخلى عن عصفورة صغيرة مبتورة الأجنحة….

❈-❈-❈

في محافظة الفيوم  وتحديدًا في مزرعة كبيرة تحمل إسم " أل إلياس" كان يجلس "عمر إلياس" الحفيد الثالث برجولته الطاغية في الحديقة الخضراء ينعم بالهواء الصافي وأشعة الشمس المسترسلة عليه ويضع حاسوبه الشخصي فوق قدمه يعمل عليه باندماج تام.


اقتربت منه على استحياء شديد، وهي تحمل فنجان القهوة بين يديها وعلى وجهها ابتسامة عذبة، وفي عينيها يلمع بريق العشق، وضعت الفنجان على الطاولة باحترام وقالت:

-القهوة يا دكتور.


رد ببرود دون أن يرفع رأسه عن حاسوبه:

-شكرًا.


حاولت فتح حديث معه بتردد:

-هو كان في حاجة مش فاهماها في المحاضرة اللي فاتت ينفع حضرتك تشرحها ليا؟!


رفع الآخير رأسه عز حاسوبه وطالعها من أعلى لأسفل باحتقار وقال:

-أنا أشرح ليكُ حاجة مش فاهماها والوقتِ؟! إنتِ اتجننتي ولا إيه أسمعي يا شاطرة إنتِ في الجامعة طالبة عندي ومن واجبي أشرح ليكي، لكن هنا إنتِ مجرد خدامة عندي وبس.


بهتت معالم وجهها، وغرقت في شعور غريب لا تعرفه، لا تعرف  سوى الهروب الآن، حتى أنها لم تشعر بحالها إلا وهي تركض بسرعة، كأنها تسابق الريح نحو الداخل. قلبها كان يخفق بعنف، وعقلها يلعن حظها العاثر الذي جعلها تطلب منه ذلك الطلب البائس. لم تكن ترغب إلا في لفت نظره إليها، لعله يرى في عينيها ما تحمله له من حب منذ ولادتها، لعله يحبها كما تحبه هي.


منذ أن فتحت عينيها على الدنيا، لم يكن هناك رجل في حياتها سوى هو، فارسها المغوار، حبيبها الأول والأخير، الذي بدا أحياناً بعيداً عنها كالأفق. ولكن كيف للأمير أن ينظر إلى خادمته البائسة؟ كيف له أن يبادلها نفس الشعور؟

دخلت المطبخ متخبطة، وجلست على الطاولة، كأنها تريد أن تختبئ من نفسها ومن مشاعرها. يديها ترتجفان، والفنجان الذي حملته الآن يبدو ثقيلاً أكثر من أي وقت مضى. أغمضت عينيها، تحاول تهدئة قلبها، وتكرر لنفسها كلمات لا تصدقها: "لقد كان مجرد طلب عابر… لا أكثر… ليس هناك شيء يستحق هذا الألم."


لكن صوت قلبها لم يهدأ، وصوت عقلها لم يقنعها، فقد كانت الصورة تتكرر في ذهنها: هو يجلس هناك، ببرودٍ شديد، يرفع حاجبه بعينين لا تعبران عن شيء سوى القوة والهيمنة، وهو غير مدرك أبداً للمشاعر التي تدور حوله، ليتها لم تحبه لما كانت تجني ويلات الآلم والحزن الآن.

❈-❈-❈

كان يقف أمام جده ووالدته يتحدث بثبات وصلابة ووقار. فعلى الرغم من أنه لم يتجاوز منتصف عقده الثالث، إلا أن من يراه يظنه رجلاً في الخمسين من شدة جديته وصرامته وحكمته. وليس ذلك غريبًا، فهو إلياس سليمان إلياس، الحفيد الأكبر لإلياس المصري، والذي ورث عنه القوة ورجاحة العقل.


ألقى كلماته دفعة واحدة بنبرة لا تحتمل نقاشًا؛ فهو لا يستشيرهما، بل يُبلغهم بقراره الذي اتخذه وانتهى الأمر.


انتفضت والدته من الصدمة وصاحت بانفعال: 

-نعم؟! إنتَ بتهزر صح؟! هتتجوز البنت دي إزاي؟!


أجاب بهدوء مستفز وهو يضع يديه في جيبيه ببرود وتعالٍ: -هتجوزها زي الناس هجيب مأذون واتنين شهود.


هتفت بنحيب وهي تضرب على فخذيها بانهيار على ما يفكر به نجلها البكري: 

- لأ إنتَ كده تكون اتجننت رسمي! هتتجوز واحدة مغتصَبة إزاي يا سيادة المستشار؟! يا رجل القانون؟!


رد بنفاد صبر: 

-ومالها المغتصَبة يا أمي؟! ومين اللي وصلها لكده؟! مش عمي هو اللي عمل فيها كده؟!


صرخت بجنون وهي تتحرك تجاهه بعدم استيعاب: 

- إنتَ بنفسك قلت! عمك هو اللي عمل فيها كده وأهو ربنا انتقم لها منه ومات! الموضوع خلص تقوم تقولي تتجوزها؟!


أجاب بحدّة مكبوتة: 

- أسيبها تعاني في مصحة نفسية؟! دي يتيمة ومالهاش غير عمّها اللي عايز يقتلها عشان يغسل عاره!



ساد التوتر في القاعة الواسعة، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها. وقفت الأم أمامه في حالة صدمة، بينما اكتفى الجد بالجلوس، يراقب حفيده بعينين تحملان مزيجًا من الدهشة والفخر.


قالت الأم بنبرة تكاد تنكسر: 

- يعني إيه هتتجوزها؟! إزاي؟! دي بنت مكسورة!


اقترب إلياس خطوة واحدة، وخفَت صوتُه لكنه ازداد قوة: 

- يا أمي أنا رجل قانون. وشغلي مش إدانة الناس، شغلي حماية المظلومين.


ضربت كفها بعصبية: 

- حماية؟! تحميها من إيه؟! من اللي حصل خلاص؟!


رفع حاجبه بحدة: 

- لأ من اللي لسه هيحصل. من المجتمع اللي هيجلدها. من عمّها اللي عايز يقتلها بحجة الشرف. من صمت الناس اللي بيعتبروا اللي زيها "عيب" بدل ما يكونوا سند.


شهقت: 

- بس يا ابني المجتمع مش هيسيبك أنت كمان! هيفضل يقول ويفتري!


ابتسم ابتسامة باردة: 

 المجتمع ده أنا فاهمه كويس وبردّ عليه بالقانون مش بالكلام.


تقدّم الجد أخيرًا، صوته منخفض لكن يحمل ثقل السنين:

 - وإنتَ متأكد إن ده دورك يا إلياس؟


التفت إليه باحترام: 

- أيوه يا جدي. أنا متربي في بيت بيقول إن الضعيف مايتسبش. وكوني رجل قانون يخلّيني أوقف جنبها مش أهرب.


تنفست الأم بعجز: 

- يعني شايف إن الجواز هو الحل؟!


أجاب بثبات: 

- مش حل حماية. وأنا مش رايح أستغلها ولا أفرض نفسي عليها. أنا رايح أديها اسم، وسند، وأمان. ده أقلّ حاجة تتقدم لبنت اتهدّت حياتها.


تقدّم الجد بخطوات بطيئة، يديه معقودتان خلف ظهره، وعيناه الغائرتان تتفحّصان ملامح حفيده. قال بصوت مبحوح حمل خبرة السنين وثقلها:

- يا ابني الزواج مش لعبة تتاخد كردّ فعل. البنت مكسورة وجرحها عميق.


لم يرتجف صوت إلياس، بل ازداد صلابة: 

- وأنا مش رايح أقف أتفرّج على كسرها. إذا محدّش هيقف جنبها أنا هقف. ولو شايفين ده غلط يبقى أنا الغلط الوحيد اللي هفتخر بيه في حياتي.


ضربت والدته كفًا بكف، غير مصدّقة: 

-يا ابني هوّ أنا مش فاهمة؟! دي بنت منتهكَة. المجتمع مش هيرحمك وهيرميك بكلامه يمين وشمال!


نظراته لم تهتز: 

- والمجتمع ده كان فين لما اتكسرت البنت؟ ولا عشان السكوت أريح؟! لو حد لازم يتكسف فالمجتمع مش أنا!


شعرت الأم بالعجز. لم يكن هذا ابنها الذي تعرفه؛ هذا رجل آخر، أشد صلابة من الجبال التي تربى بينها، رجل قراره لا يعود منه حاولت بصوت مرتعش: 

- طب اسمعني اسمعني بس لو اتجوزتها، حياتك هتبوظ. شغلك سمعتك مستقبلك كله.


رد بابتسامة ساخرة خالية من الدفء: 

- وحضرتك عايزة مستقبلي يبقى قائم على الظلم؟! على إنِّي أكمل حياتي عادي وكأن بنت اتدمرت مش مشكلة؟!


 

تنهد الجد، وعيناه تلمعان بشيء يشبه الإعجاب: 

- يبقى خلاص توكل على الله، بس اعرف اللي داخل عليه مش سهل.


صرخت الأم: 

- بابا! إزاي توافق؟! هو ذنبه إيه في اللي عمله عمه؟! ليه يشيل شيلة مش شيلته؟!


أغمض الجد إلياس عينيه بتحسُر على فلذة كبده الذي أوصلهم لهذا الطريق المغلق وفارق الحياة بعد أن سلب براءة فتاة يتيمة لا حول له ولا قوة وها هو حفيده البكر يحاول أن ينقذ شرف تلك المسكينة.


رفع رأسه يطالع زوجة نجله البكر وتحدث بنبرة منكسرة:

-ابنك راجل وبقى عارف الصح من الغلط هو مش جاي ياخد رأينا لأ هو قرر وهينفذ خلاص.


انتفضت خديجة من مكانها واقتربت من نجلها وهتفت بنبرة حادة لا تقبل النقاش:

-وأنا بقى مش موافقة على الجوازة دي وأعملها يا إلياس باشا بس أعرف وقتها إنك ملكش أم.


تركته ورحلت مغادرة إلى غرفتها بالأعلى وأثناء صعودها الدرج تقابلت مع الضحية الأخرى لهذا الخسيس والتي تزوجها عنوة قبل وفاته بشهر كامل مقابل مبلغ مالي أعطاه إلى عائلتها البائسة ليوافقوا على هذه الزيجة وتتزوج رجل يكبرها بثلاثون عامًا.


طالعتها بإزدراء وهمهمت قائلة قبل أن تغادر غرفتها صافعة الباب خلفها بعنف .

«واقفة تتصنتِ؟! وأنا هستنى إيه من واحدة بنت شوارع زيك الله يجحمه مطرح ما راح كان بيرمرم على آواخر أيامه»

❈-❈-❈

ترقرقت الدموع في عيني تلك الملاك الصغيرة، وتحركت بتثاقل نحو غرفتها. لكن قبل أن تضع يدها على مقبض الباب، تفاجأت بمن يقف أمامها، يعترض طريقها بجسده الضخم، ويطالعها بعينين حادتين كعيون الصقر:

– بتعيطي ليه؟!


ابتلعت ريقها بتوجس؛ فهي تخشاه وتخشى نظراته الغامضة. أخفضت بصرها سريعًا وردّت بصوت متحشرج:

– مفيش ممكن تعدّيني أدخل أوضتي؟!


أجابها بتسلية:

– مش هتدخلي أوضتك غير لما أعرف بتعيطي ليه. ولو مصممة، نقف كده للصبح.


ارتعشت أوصالها وهتفت بصوت مرتجف:

– عيب كده ميصحش. أنا مرات عمّك.


رفع حاجبه باستنكار، ثم انفجر ضاحكًا مرددًا بسخرية:

– لأ أنا كده لازم أحترم نفسي وأخاف، يا طنط؟ صح؟

ولا طنط إيه؟! إنتِ طولك لحد ركبتي اممم، وسنك كام؟ أصغر مني بكام سنة؟!


مسح ذقنه بخفة وقال بتسلية:

-١٠ سنين صح؟! والمفروض أخاف منك يا صغنّنة؟!


دبت بقدميها على الأرض بغيظ وهتفت بانفعال طفولي:

– أنا مش صغنّنة وبلاش تقول كده!


ضحك وقال:

– خلاص يا كبيرة بس هتقوليلي بتعيطي ليه؟!


وما كادت تجيب، حتى انتفضا على صوت والدته التي خرجت من غرفتها، تصيح بغضب:

– واقف تعمل إيه عندك؟!


التفت إليها بضيق وهتف:

– في إيه يا ماما؟! مالك يا حجة؟! حد يخضّ حد كده؟! قطعتي خلفي حرام عليكِ.


رمقته بامتعاض وقالت بسخرية:

– قطعت خلفك؟! وده من إمتى؟! هو حد فيكم ناوي يجبر بخاطري ويتجوز؟! واحد بس اللي افتكر يزوّج نفسه، وجاب مصيبة باختياره، وهيفضل شايل وصمة غيره.


قطب جبينه بتعجب وسأل:

– هو إلياس هيتجوز؟! الواطي مقاليش! ده أنا حتى التونز بتاعه.


تجاهلت كلامه، وحدّقت فيهما بحدة، ثم صاحت:

– ممكن أعرف واقف ليه كده مع مرات عمّك؟!


أجابها ببراءة مصطنعة:

– واقف مستني المترو.


ضغطت شفتيها غضبًا وهتفت:

– مترو؟! ناويين تجننوني؟! اتفضل تعالى ورايا. محتاجاك.


قال باختصار:

– طيب، روّحي وأنا شوية وأحصلك.


رفعت حاجبها باستنكار وصاحت:

– إنتَ؟! اتجننت؟! روّحي إيه؟! أنا أمّك يا محترم!


قلب عينيه بملل وقال:

– ما أنا عارف إن حضرتك أمي مش مرات أبويا يعني.


أشارت لغرفتها بحدة:

– ادخل قدّامي يلا!


زفر بضيق وتوجه إلى غرفتها على مضض. وما إن دخل، حتى التفتت للأخرى التي كانت ترتجف في مكانها، وهتفت بصوت حاد:

– فاضل شهر وتخلص عدّتك، وترجعي الشارع اللي جيتي منه ولادي خط أحمر فاهمة ولا مش فاهمة؟!


حبست دموعها وهتفت بصوت متحشرج:

– فاهمة.

❈-❈-❈

فتحت باب غرفتها بانكسار ودخلت، فأغلقت الأخرى الباب بعنف. ثم اتجهت إلى ابنها الذي جلس على الكرسي واضعًا ساقًا فوق ساق بثقة.


وقفت أمامه وصاحت باستياء:

– هتفضل قاعد كده قدام أمك؟! قوم اقف وإنت بتكلّمني! إيه؟! كبرتوا عليّا؟!


نهض على مضض وقال بنفاد صبر:

– نعم يا أمي خير؟


صفّقت كفًا بكف بسخرية وقالت:

– خير؟! هو اللي يخلف زيكم يشوف خير؟! إيه حكايتك يا أستاذ أوس؟!


أجاب ببلاهة متعمدة:

– حكاية إيه بس يا ست الكل؟ مش فاهم حاجة.


رفعت حاجبها وصاحت:

– بلاش استفزاز! وفهّمني إيه حكايتك مع البنت دي؟!


أجاب ببساطة، وكأنه يخبرها بأمر عادي:

– هتجوزها.


تجمّدت الأم في مكانها لثوانٍ، وحدقت فيه بدهشة لم تستطع إخفاءها:

– إيه؟! هتتجوزها؟! بتقولها بأريحية كده؟!


رد بثبات، يثبت قدميه على الأرض وكأنه يعلن قرارًا نهائيًا:

– أيوه هتجوزها.


ضحكت ضحكة قصيرة، أقرب للذهول منها للسخرية:

– إنتَ فاكر نفسك بتقول إيه يا أوس؟! دي مرات عمّك.


قاطَعها بنبرة أكثر جدية مما توقّعت:

– كانت. عدّتها هتخلص بعد شهر وهي مش صغيرة زي ما أنتِ فاكرة. ده حتى هي اللي صححت ليّ لما سألتها.


تجهم وجه الأم، وكأن الأرض مالت تحت قدميها:

– وده يبرّر إنك توقف معاها في نص الليل؟!


نفخ بقوة ونظر في عينَي أمه مباشرة:

– موقفتش معاها إلا عشان لقيتها بتعيّط وده آخر ما يمكن تتخيّليه يحصل بينا. بس بردو أنا مش هقف أتفرّج على حد بيكلمها وحش.


شهقت الأم بصوت عالٍ:

– يعني أنا بكلمها وحش؟!


رفع يده بتعب:

– ماما بالله عليكِ خليكِ منصفة بس البنت مش ناقصها اللي هي فيه.


ضاقت عيناها بغضب:

– ومن إمتى بقى قلبك الحنين ده؟!


اقترب منها قليلًا، وقال بهدوء غاضب:

– من يوم ما شفتها لوحدها، غريبة وسط ناس بتعاملها كأنها غلطة.


سكتت الأم لثوانٍ، تحاول استيعاب كلماته، ثم هتفت:

– وإلياس؟! أخوك لما يعرف…


قاطعها بثقة أثارت غيظها:

– أنا هعرفه بنفسي ومش مستني موافقته.


ضربت الأم كفًا بكفّ:

– ده جنان!


ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة، تحمل مزيجًا من التحدي والعناد:

– يمكن لكن ده قراري بعد إذنك.


تركها وغادر الغرفة، بينما تهاوت هي فوق فراشها مرددة بعدم استيعاب:

-لأ بقى أنا مش هسكت على المهزلة دي وأسيب ولادي يضيعوا…



يُتبع..


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة