رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 24 - الأربعاء 20/1/2026
قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الرابع والعشرون
تم النشر الأربعاء
20/1/2026
بعد انتهائه من العمل توجه إلى العقار الذي تقطن به زوجته، يعلم أنها على وصول، فجلس مع حارس العقار الذي اندهش من أنه يريد الجلوس معه وطلب منه كوب من الشاي فما كان من الرجل إلا أنه قام بصنع كوبان منه وظلا يحتسيانه معًا بهدوء، فقد تأخرت زوجته ولكنه يعلم أنها احيانًا يسرقها الوقت، لذا قال في محاولة منه لتمضية الوقت
- منور يا عم (عبده)
ابتسم الحارس وقال
- ده المفروض انا اللي اقولها يا استاذ (حازم)
ابتسم ولم يعلق ثم أدار رأسه هو مدخل العقار وقال بابتسامة طفيفة
- طب معندكش دومنا ولا شطرنج نلعب بيه؟ أصل شكل القعدة شكلها هتطول
ابتسم وقال
- انت ليك فيه يا أستاذ (حازم)؟
ازدرد ريقه ببطئ، فهو لا يعلم حقًا إن كان يستطيع لعب تلك الألعاب ام لا فقال
- يمكن اطلع بعرف
قطب الحارس حاجبيه ولكنه ذهب ليحضر الشطرنج، وظل الاثنان يلعبان سوياً، تبادلا الضحكات حتى عادت (نغم) من الخارج، لم تنتبه لوجود زوجها في البداية، وتوجهت نحو المصعد حتى رفع صوته قائلاً
- متتخيلش انت وحشتني أد إيه يا عم (عبده)!
رفعت (نغم) عينيها لتلتفت للصوت لتنصدم من وجوده وهو جالس يلعب الشطرنج مع الحارس، بينما قال (عبده) بحيرة
- وحشتك إيه يا أستاذ (حازم)؟ ما احنا قاعدين مع بعض بقالنا يجي ساعة
نظر إلى زوجته وهو يقول
- لا يا عم (عبده)، أصل انت ليك معزة خاصة عندي، ربنا يعلم بتوحشني كده، وانت قدامي
قالها (حازم) بنبرة صادقة، في حين وقعت عينان الحارس على زوجته وعلم أنه يقصده فابتسم ولم يتحدث اكثر، أضيفت عيناها، ثم قالت بصوت خافت لكن واضح
- استغفر الله العظيم
نظر (عبده) لهما مع حيرة
- فيه حاجة يا مدام؟ .. الأسانسير عطلان ولا حاجة
- انا عارفة!! اتأخر اوووووي
ابتسم (حازم) وقال بنبرة مازحة
- ربنا يخليني ليك كده يا عم (عبده) وكل ما تشوفني افكرك باذكارك اليومية
في تلك اللحظة، وصل المصعد، فاستقلته (نغم) هاربة من نظراته التي ازعجتها واخجلتها، ظل يراقبها حتى لمح عامل المغسلة يحمل ملابس ما، دقق بها ليجدها ملابس زوجته تمامًا كما اتفق مع (نيرة) أن ترسل ملابسها للمغسلة كي يأتي بها هو، اقترب من العامل وقال
- هات الهدوم دي
اجاب العامل بنبرة مترددة
- وانت مين حضرتك؟ لا أنا بسلم الهدوم لأصحابها
- دي هدوم مراتي وانا كده كده طالع
فنظر العامل لحارس العقار فأكد له ما يقول، فأخرج (حازم) من جيبه نقودًا وسلمها له، ليخرج العامل من العقار، بينما توجه (حازم) إلى الحارس قائلاً
- انا طالع يا عم (عبده)، ونزلك تاني
اماء له برأسه فتوجه نحو المصعد وهو بالمصعد حدث (نيرة) عبر الهاتف التي أجابت فقال لها
- زي ما اتفقنا، أنا طالع أهو خليها هي اللي تفتح واتكلمي انتي مع حماتي
- تمام
فذهبت هي حيث غرفة والدتها لتحدثها بينما كانت (نغم) تبدل ملابسها فاستمعت إلى صوت جرس الباب، زفرت بضيق فأرتدت حجابها مرة أخرى وذهبت لترى من بالخارج، فتحت الباب، لتجد يد احدهم ممدودة بملابسها، فمدت يدها لتأخذها ولكنه كان قابض على الملابس، اندهشت من تصرفه ذلك وقالت بحدة
- في ايه؟!
لم تجد ردًا، ففتحت الباب على مصراعيه، لتجده يقف أمامها، فنظرت إليه بصدمة، ظلت تنظر إليه لمدة لا تعلمها، ثم قالت بضيق
- انت إيه جابك هنا؟!
رد عليها (حازم) ببرود، وهو يهز رأسه وينظر إلى الملابس التي في يده
- المكواة يا هانم
زفرت بحدة، ثم أخرجت من حقيبتها النقود وقررت أن تتعامل ببرود كما يتعامل هو بلامبالاة وأعطتها له وهي تقول
- اتفضل
ابتسم (حازم) وقال بهدوء، وهو ينظر ليدها الممدودة بالنقود وهو يقول
- بس انا دفعت اكتر
رفعت (نغم) حاجبها باستنكار
- اطلع باااارة
ضحك ثم قال بنبرة هائمة
- مش عارف كل ما ببصلك ببقى مش عارف اشيل عيني من عليكِ
نظرت له بإستنكار واضح، وقالت لتضايقه كأن حديثه هذا أصبح مثل عدمه
- قديم أوي!
ابتسم بخفة وقال
- طب علميني الجديد وأنا أقوله
هزت رأسها بيأس ولكنها أمسكت ملابسها بيدها، ثم دفعته نحو خارج المنزل، وأغلقت الباب خلفها، وقف خلف الباب، والابتسامة ترتسم على وجهه، وهو يهمس لها
- من ورا قلبك كل ده
ابتسمت (نغم) رغم عنها، وامتلأ وجهها بالحمرة، وشعرت أن دقات قلبها تتسارع، لكنها سرعان ما ائنبت نفسها على ذلك قبل أن تتوجه إلى غرفتها ..
❈-❈-❈
كان جالسًا في غرفته، مستغرقًا في أفكاره، يسترجع ما حدث بالأمس مع (ساندي)، لقد اعترفت له بحبها لشخص آخر وطلبت نصيحته هل يجب أن تُكمل تلك العلاقة أم لا؟
دون أن تشعر بما في قلبه لها منذ سنوات، لو اتبع هواه، كان ليصرخ في وجهها قائلًا إنها لا تستحق غيره، ولن يحبها أحد مثله أبدًا، لكنه اختار أن يستخدم عقله، ذلك العقل الذي طالما اعتمد عليه في حياته كلها، فأخبرها بأن مشاعرها إن كانت متجهة نحو ذلك الشخص، فعليها الانتظار حتى يتقدم لخطبتها وعليها أن لا تنجرف وراء مشاعرها دون أي رباط شرعي، كما أكد لها أن سعادتها لا تُقاس بأشخاص آخرين، ولن تكون أنانية منها، وهو يعلم جيدًا أنه صديقه سيستعيد زوجته عاجلاً أم آجلاً، فعليها أن لا تربط مصيرها بمصير شقيقها وزوجته ..
دوماً، ينحّي قلبه جانبًا ويعتمد على عقله، عقله الذي اعتاد على التضحية والصبر من أجل من يحبهم، حتى حين تركه والداه وقرروا الاستقرار في فرنسا، بينما هو اختار البقاء في مصر، لم يعطوا لرأيه وزنًا، ونفذا ما يحلو لهم تاركين إياه، واصبح كل ما بينهم مجرد زيارات في العطلات، ومع ذلك تحمل، وأحيانًا يشعر بالنفور من (حازم) وأسلوبه الحاد، ذلك الأسلوب الذي لم يتغير حتى بعد فقدانه للذاكرة، ولكنه يعلم أنه صديقه الوحيد، ورغم أنه سريع الأنفعال إلا انه ليّن الفؤاد ..
واليوم، الفتاة التي أحبها ذهبت لشخص آخر، وعليه أن يتحمل، زفر بضيق من نفسه ومن الأفكار التي تعصف برأسه، منذ متى أصبح يضخم الأمور لهذه الدرجة ويهوّلها؟!
لم يعرف الحزن له طريقًا منذ زمن طويل، ولم يستسلم له، إلا في تلك اللحظة ..
أثناء تلك الأفكار التي تعصف برأسه، دخلت والدته الغرفة بهدوء، فقد لاحظت منذ الأمس أن حاله قد تغير وأصبح ليس بطبيعته، جلست بجانبه على الفراش وسألته بصوت رقيق
- مالك يا (وائل)؟ شكلك مش طبيعي .. حصل حاجة ضايقتك؟
أخذ نفسًا عميقًا، ونظر إليها، ثم ابتسم ابتسامة ضعيفة حاول بها إخفاء ما يعتصر قلبه
- أبدًا .. بس يمكن أكون حاسس بملل شوية .. الحياة الروتينية مملة
ابتسمت والدته برفق، ورفعت حاجبها
- وانت ليه يا (وائل) متفكرش تغير حياتك؟ مش عاوز تتجوز مثلًا؟ انت شاب لقطة! لأي بنت، مفيش واحدة قدرت تلفت نظرك؟
عض (وائل) شفته بغضب حين لمس الحديث أوتاره الحساسة، وقال
- لا يا ماما .. مفيش بنت في بالي، والجواز مش في بالي دلوقتي
تنهدت والدته بهدوء وقالت
- بصراحة، في بنات لصحابي جمالهم مش طبيعي ممكن أخليك تتعرف على واحدة وتشوف ..
لكنها لم تكمل حديثها، فقد قاطعها (وائل) على الفور قائلاً
- ماما .. أنا مش صغير يا حبيبتي بس لسه نصيبي مش موجود حواليا دلوقتي .. صدقيني، أول ما أشوف واحدة مناسبة، أنتي أول واحدة هتعرفي
زفرت والدته بضيق، لكنها لم تُصرّ على شيء، فهي تعلم جيدًا أنها لم تُجبره في الماضي، فكيف ستفعل الآن؟
لقد أصبح رجلًا، قراراته ملك يده، ومسؤوليته كاملة عن اختياراته ..
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي ..
اتصل (حازم) بـ(نيرة) هاتفياً، وما إن أجابت حتى أخبرها أنه سيصعد وكالعادة تجعل زوجته هي من تفتح باب الشقة، لتوافق على طلبه وكالعادة عندما رن جرس الباب أخبرت شقيقتها أن تذهب لتفتح الباب، في حين شعرت (نغم) بالضيق من شقيقتها لأنها تجعلها تفعل كل شئ بالمنزل وهي لا تفعل شئ سوا التحدث عبر الهاتف مع اصدقائها أو خطيبها، ارتدت إسدال الصلاة بسرعة وذهبت لفتح الباب، لتجد شاب دليفرى يرتدي كابًا ورأسه منخفض، ولم يظهر وجهه، قالت مندهشة
- محدش هنا طلب دليفرى، حضرتك أكيد اتلغبطت في الشقق
حاول أن يغير صوته، فسمعته يقول
- إزاي بس يا فندم، مش دي شقة 6؟
عقدت حاجبها من مظهره والكاب الذي يغطي وجهه وصوته ذاك ولكنها قالت
- أيوة
- طب يا فندم، البيتزا بتاعت حضرتك
- بس أنا مطلبتش!
قالتها ثم رفعت صوتها، لتسأل شقيقتها
- (نيي..)
دلف (حازم) فجأة، وهو يضع يده على فمها، قبل أن يستمع أحد لصوتها وقال
- بس .. بس ده أنا وبشتغلك، وأنا اللي جايبلك البيتزا
اتسعت عينا (نغم)، وظلت تهمهم، محاولة الصراخ لكنه منعها قائلاً
- انتي كمان وحشتيني أكتر يا (نغم)
رفعت حاجبها باستنكار
- هممممم
استمر (حازم) في تكميم فمها، قائلاً
- أنا عارف إنك بتحبي البيتزا، فقلت أجبلك واحدة
هزت رأسها بلا مبالاة، لكنه تابع
- متخافيش، بالفراخ، يا قلبي، عارف إنك بتحبيها بالفراخ
أنزلت حاجبيها بإستياء، وحاولت أن تعض يده، فقال لها بغضب
- يا بنت العضدة!
لتصرخ في وجهه
- اخرج باااارة يا (حازم)، ومش عاوزة الهبل ده!
ابتسم بثقة، وهو يمسك يدها
- انا عارف اني غلطت
سحبت يدها مسرعة، لكنه تابع
- بس بحاول اتغير
قالت بضيق
- يوووووه يا (حازم)، اطلع بااارة بقى، رجوع مش هرجع ليك!
رفع حاجبه بدهشة
- طب، عاوزة إيه وأنا أعمله
ردت بتردد
- الطلاق
اغمض عينيه بيأس ثم قال
- شايفة يا روحي؟ الحيطان دي اخبطي راسك في أي واحدة طلاق، أنا مش هطلق
قالت بدهشة
- اخبط راسي!!
فاجاب (حازم) وهو يحدق فيها بعينين مليئتين بالحب
- ماهو انا مش هبعد عنك مقدرش زي مانتي متقدريش
عضت شفتاها بغيظ ثم عقدت يدها نحو صدرها وقالت
- ايه الثقة دي؟
ابتسم لها قائلاً
- أنا بفهمك من عينك
نظرت له بتساؤل، وقالت بتحدي
- وعيني بقى قالتلك وقتهم إنّي خاينة؟!!!
شعر بالندم لتذكره لذلك الموقف ولكنه قال بصدق
- انتي متعرفيش (رؤوف) استفزني إزاي اليوم ده
إجابته بحدة
- مش مبرر برده
يعلم أنها لن تسامحه بين ليلة وضحاها فلذا قال
- ماشي، أنا سايبك براحتك لحد ما ترجعي، وهفضل وراكي لحد ما ترجعي، بس البيتزا تتاكل، فاهمة؟ مش مصاريف، هي بتتصرف في الأرض
قالت بدهشة
- انت مستخسر فيا الفلوس؟
ضحك ثم قال
- لا يا حبيبتي، بس تاكليها، إنما لو رمتيها، هستخسر فيكي طبعًا
- دي نعمة ربنا، مش هرميها
ابتسم وهو ينظر في عينيها فقد اشتاق إليهما وقال
- احتمال أعـدي عليكي في الحلم بالليل، متقوميش مفزوعة، ده أنا عادي جدًا
كتمت تلك الابتسامة التي كانت على وشك أن تنفلت منها وقالت
- ليه؟! هحلم بأخطبوط؟!
- ومااااله، الأخطبوط زي الفل
هزت رأسها بيأس وقالت
- امشي يا (حازم)، ربنا يهديك
- يااارب، وربنا يهديكي ليا
ثم خرج، فاغلقت هي الباب ووقفت خلفه شعرت بحمرة الخجل تتسلل إليها ثم نظرت لتلك العلبة التي معها ودلفت للداخل ..
جلست على فراشها، تحدّق في علبة البيتزا الموضوعة أمامها، كانت عيناها معلّقتين بها دون أن تمد يدها، لمحَت (نيرة) نظرتها الشاردة، فمالت بجسدها نحوها وقالت بلهفةٍ طفولية
- هتفضلي بصلها كتير؟ أنا عاوزة أدوقها
رفعت (نغم) رأسها ببطء، وحدّقت فيها بنظرة ضيقٍ مصطنع، ثم قالت وهي تعقد حاجبيها
- وإنتِ تدوقي منها ليه؟
رفعت (نيرة )كتفيها بلا مبالاة، وردّت وكأن الأمر بديهي
- الله! جعانة يا (نغم)
زمت (نغم) فمها في اعتراض، ثم تنهدت باستسلام
- طيب
مدّت يدها أخيرًا، وفتحت العلبة. وما إن انكشف الغطاء حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها حين لمحت ورقة صغيرة موضوعة فوق شرائح البيتزا، تناولتها بتردد، فتحتها، وبدأت تقرأ
(في الأول إنتِ لازم تعرفي إنك نعمة كبيرة ربنا ادهاني وأنا بحاول أحافظ عليها
عصبي ومنفعل بس غصب عني، انتِ عارفة اني مضغوط من ساعة الحادثة، مش بفكر كويس
عارف انك مضايقة ومصدومة فيا وأنه مش زرار هتدوسي عليه فتسامحيني، بس اديني فرصة لو اخر فرصة وانا هحاول المرة دي مضيعهاش،
مش بعرف اقول كلام حلو بس انا دايمًا في انتظارك)
ما إن انتهت حتى لاحظت على شفتاها بسمة، ضمت الورقة إلى صدرها بحنوٍّ واضح، في حين كانت (نيرة) قد التهمت نصف البيتزا تقريبًا، ثم قامت بمسح فمها بمحرمة ورقية، فالتفتت إليها (نغم) فجأة وقالت بضيقٍ حقيقي هذه المرة
- إييييه؟! حوت شغّال!
ابتسمت (نيرة) وهي تمضغ، وقالت بإعجاب
- تجنن يا نانا .. تجنن!
ضيّقت (نغم) عينيها وقالت وهي تشير إليها بيدها
- ابلعي الأول وبعدين اتكلمي! وبعدين كفاية عليكي كده
اشاحت (نيرة) بيدها وقالت
- خلاص شبعت يا ساااتر، كُليها إنتِ بقى
ابتسمت (نغم) ، وقالت بنبرة ساخرة
- شكرًا يا أختي
وعادت تنظر إلى الورقة مرة أخرى، تريد تصديقه ولكن تصرفاته الماضية معها لا تبشر بخير أبدًا
كيف تثق به مرة ثانية؟!
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام ..
كان لا يزال يطارد حضورها أينما ذهبت؛ تراه أسفل العقار مرةً مندوب توصيل، ومرةً عاملًا في مغسلة، وأخرى كعامل دليفري، حتى أن حارس العقار أصبح صديقه المفضل، لن تُنكر أن ما يفعله كان يستميل قلبها نحوه أكثر فأكثر، لكن عقلها كان يرفض إعادة الكَرَّة حيث كانت ترى النهاية بوضوح تسامحه، يعودان زوجين وحبيبين ثم تحدث أزمة جديدة، ويتسلل الشك إلى قلبه مرة أخرى ..
حلقة مفرغة لا تنتهي، لا ترضيها ولا تمنحها الأمان في تلك العلاقة هي الأخرى لم تعد تثق بردود افعاله، ولا بانفعالاته الحادة، ولا بتقلّباته المفاجئة، لن تستطيع أن تعيش مع طبعه ذاك ..
وقد فقدت فلاشة مهمة تخص عملها لا تجدها في مكتبها أو منزل والدتها، فكرت أنها ربما في منزلها هي و (حازم)، فلم يكن أمامها خيار سوى العودة إلى الشقة لأخذ أغراضها كاملة والبحث عنها ..
وفي أثناء عودتها من عملها، وجدته يجلس أسفل العقار بجوار الحارس، وقررت أن تستأذن منه بالدخول للمنزل كي ترى تلك الفلاشة، اقتربت منه وقالت بتحفظ
- (حازم) .. عاوزة أكلمك
لم يصدّق أذنيه حين سمع صوتها وأنها تتحدث إليه، فنهض فورًا، ووقف جوارها جانبًا ليسألها بلهفة
- خير يا حبيبتي؟
ضيّقت عينيها بغيظ، وقالت بجدية قاطعة، متجاهلة نبرته
- بلاش الطريقة دي
قطب حاجبيها ولكنه لم يجيب انتظر أن تقول ما عندها فتابعت حديثها
- في فلاشة خاصة بشغلي مش لاقياها، دورت عليها في المكتب، وعند ماما، ومش موجودة، واضح إنها في الشقة عندك
تضايق من أنها تخص الشقة باسمه هو وحدها رغم أنها سيدة المنزل، فأكملت هي
- لو سمحت .. عاوزة أروح أدور عليها، بس في وقت تكون إنت مش موجود فيه لو تسمح يعني
ارتفع حاجبه بضيق، وكرر باستنكار
- اسمحلك؟! .. دي شقتك يا (نغم)!
أغمضت عينيها لحظة، ثم قالت بصوت خافت فلا تريد النظر داخل عينيه
- بليز .. قولي وقت معين تكون مش موجود فيه، مش عايزة نتقابل هناك، الفلاشة دي مهمة جدًا
زفر بضيق، ثم قال بعد لحظة صمت
- ماشي .. الساعة ٨ بليل .. أنا أصلًا هبقى برّه عشان عيد ميلاد (وائل) .. تقدري تروحي في الوقت ده
ثم سكت قليلًا، وأضاف بنبرة أقل حدّة
- أو في أي وقت .. بس إنتِ اللي حابة كده
أومأت برأسها دون تعليق، ثم استدارت واتجهت نحو المصعد، ظلّ يراقبها حتى اختفت، ثم أخذ نفسًا عميقًا،
شعر أن العقاب طال هذه المرة أكثر مما يحتمل، وأن كل محاولاته، كل إصراره على العودة، لم يُحرّك قلبها قيد أنملة ..
❈-❈-❈
عاد إلى المنزل وهو يحسم أمره أخيرًا سيذهب إلى عيد ميلاد صديقه، ذاك الذي لم يتخلَّ عنه يومًا، فلا ذنب له في الفوضى التي تعصف بحياته هذه الأيام، أغلق الباب خلفه، واتجه إلى خزانته، ووقف أمامها مترددًا، يحدق في ملابسه، ابتسم ابتسامة خفيفة، فقد جالت في خاطره فكرة، سيشاكسها .. كالعادة .. لن يكف حتى العودة ..
وهل يُعقل أن يستسلم الآن وهو ما يزال في الجولة الأولى؟
عليه أن يتحلى بالصبر .. معها تحديدًا ..
اختار قميصين مختلفين تمامًا، ارتداهما واحدًا تلو الآخر، ثم التقط لنفسه صورتين، وأرسلهما إليها عبر تطبيق واتساب، وأرفق رسالة بصوته
(أنهي واحد أحسن عليّا؟ .. أصلّي محتاج رأيك جدًا .. أنا أصلًا ما بعرفش ألبس غير على ذوقك)
وصلت الرسالة إلى (نغم)، وما أن سمعتها حتى زفرت بضيق، ومررت إصبعها على الشاشة دون أن تجيب والقت الهاتف جانبًا ..
رأها استمعت الرسالة الصوتية ولم تجيب، فأرسل رسالة أخرى
(خلّصي بقى عشان أنزل، بدل ما تيجي تلاقيني وتضايقي)
هزّت رأسها بأسى، ثم اختارت القميص الأسوأ ذاك الذي لا يُبرز عضلاته ولا يمنحه تلك الوسامة التي تستفزها ..
لا تعلم لماذا اختارته تحديدًا، عليها اختيار الأخر لكنها فعلت، ربما غيرة ولكنها لن تعترف بها، الحقيقة الوحيدة أنها انزعجت من وسامته في القميص الآخر ..
ثم نهضت سريعًا، وارتدت ملابسها هي الأخرى حتى تبحث عن اغراضها، ما إن خرجت حتى استقلت سيارتها، ولم تنتبه إلى السيارة التي توقفت على بعد خطوات منها فقد كان (رؤوف) الذي كان على وشك الاتصال بها، ليطلب فرصة أخيرة للحديث معها، كان سيخبرها أنه أسفل العقار وعليها التحدث معه حتى لا يثير لها المشكلات، رغم أنه لم يكن ليفعل ذاك لكنه يعلم أنها ضعيفة وهشة ولن تجرؤ على منطاحته، لكنه تجمّد في مكانه حين رآها تغادر ..
عقد حاجبيه، ثم ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه، فهكذا افضل أن يتقابلا بالخارج أو يحدثها في مكان بعيد عن منزلها افضل بكثير، قاد سيارته خلفها، حتى توقفت أمام العقار الذي تسكنه مع (حازم) وهنا اشتعل الغضب في صدره ..
ألم تنتهِ تلك القصة السخيفة بعد؟
كيف تعود إلى هنا؟
رآها تدخل العقار، فقبض على المقود بقسوة وانزعاج ..
أما هي، فكانت قد صعدت إلى الشقة، فتحت الباب وأغلقته خلفها، وتوجهت مباشرة إلى غرفة نومهما، راحت تفتش الأدراج الخاصة بها بلهفة، تقلب الأشياء، تزيح الملابس، تبحث في الأدراج لم تجد شيئًا، وقعت عيناها على الصندوق الصغير الموضوع على المرآة ذاك الذي يحوي بطاقات الذي أحضره عامل محطة الوقود ..
تعلم يقينًا أنها لم تضع فيه شيئًا يخصها، لكن تعلمون حين يضيع شيء مهم، نبحث عنه حتى في ثقب الإبرة ..
فتحت الصندوق، وأخرجت البطاقات واحدة تلو الأخرى ولكن لا شيء، زفرت بضيق، لكنها استمعت في تلك اللحظة صوت رسالة واردة، وضعت حقيبتها على طاولة الزينة، وأخرجت هاتفها لتجد رسالة من (حازم)، ذلك المزعج الذي لا يكف عن استفزازها، فتحت الرسالة، فوجدت صورة له من حفل عيد الميلاد، مرتديًا القميص الذي لم تختره، وتحت الصورة كتب
( اخترت القميص اللي إنتي مختارتيهوش،
كنت واثق إنك هتختاري اللي شكلي فيه مش حلو)
عضّت شفتها بقهر، أمسكت الصندوق بغيظ، وأدخلت أربعة من أصابعها داخله، تشد عليه بقوة كأنها تعصر غضبها فيه، لكنها توقفت فجأة البطانة تتحرك ..
قطبت حاجبيها، وحرّكت البطانة أكثر، حتى انكشفت أسفلها ورقة قديمة، بالية، صفراء الحواف، اتسعت عيناها بعدم تصديق، سحبت الورقة بيد مرتجفة، وفتحتها ببطء، كانت خريطة ..
خريطة لشيءٍ ما، ربما تلك الخريطة التي تؤدي إلى المقبرة، اتسعت عيناها بفرح .. ها قد انحل اللغز، لكن
ماذا تفعل الآن؟
لم تشعر بنفسها إلا وهي تضغط زر الاتصال باسم (حازم) مرة، مرتين، ثلاثًا لا رد يبدو أنه قام باغظتها ثم ذهب ليمرح مع اصدقائه وكالعادة هاتفه على الوضع الصامت يزعجها ذاك الأمر فيه، فأرسلت له بسرعة عبر واتساب
(كلّمني ضروري يا (حازم))
أعادت الخريطة إلى الصندوق، ولم تعد تهتم أصلًا بتلك الفلاشة فما وجدته الآن أهم، توجهت نحو الباب، وحين فتحته لتخرج، وكانت تهمّ بوضع الصندوق في حقيبتها، تجمّدت في مكانها، (رؤوف) يقف أمامها، يهمّ بطرق الباب، فقد سأل حارس العقار عن (حازم)، فأخبره أنه رحل منذ نصف ساعة أو اكثر، وأن زوجته فقط حضرت منذ قليل ..
تراجعت خطوة إلى الخلف، ونظرت إلى الصندوق في يدها، ثم إلى وجهه البغيض الذي اشتعل غضبًا وهو يقول
- إنتي إيه اللي جابك هنا؟ .. أنا بحاول أخلّصك منه، ومن الجوازة اللي اتجوزك فيها غصب عنك، وإنتي برضه راجعة له؟ .. راجعة ليه تاني ليه يا (نغم)؟!
تصلّبت ملامحها، واشتد قبضتها على الصندوق، بينما ارتجف قلبها، ليس خوفًا منه، بل خوفًا على ما تحمله الآن وقد ينكشف أمامه ..
يتبع...
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
