-->

رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل الأخير - السبت 31/1/2026

 

قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل الأخير 

تم النشر السبت 

31/1/2026


بعد انتهاء الحفل، لم يكفّ (هيثم) عن السعي لاستعطاف شقيقته، يلاحقها بتوسلاته، مترجيًا إياها أن تأتي معهم، حتى لا يُنفّذ (حازم) تهديده ويأخذ خطيبته وينصرف ..


شعرت (نغم) بأن زوجها بات أكثر استفزازًا، مستبدًّا في قراراته، يفرض سلطته على الجميع بلا استثناء، ومع ذلك، ومن أجل سعادة شقيقها وليس لشئ آخر ابدًا، قررت أن تذهب معهم إلى تلك المركب الراسية على النيل، وبالفعل، توجّهوا جميعًا إلى هناك ..


وقف (هيثم) إلى جوار خطيبته في زاوية المركب، وقد بدا عليه شيء من التوتر والصدق معًا، وقال وهو يبتسم بخفة

- عارفة؟ يمكن مش هتصدقيني .. بس أنا من أول ما شوفتك، وأنا بدعي ربنا تكوني من نصيبي


قطبت (ساندي) حاجبيها بدهشة لطيفة، وسألته

- اشمعنى؟ مع إن حواليك بنات كتير


أشار (هيثم) إلى صدره، وقال ببساطة

- أوامره بقى


ابتسمت (ساندي) بخجل، وقبل أن تتحدث، اقترب (حسام) ووضع يده على كتف (هيثم)، وقال بنبرة مازحة

- لا ما أنا مش هسيبك زي ما كنت بتعمل معايا أنا و(نيرة) .. تعالى بقى، كلنا هنلعب لعبة دلوقتي


عضّ (هيثم) على شفته بغيظ، وقال

- وانت مالك أصلاً؟ إذا كان أخوها سايبني، إنت مش سايبني؟


تدخلت (ساندي) بحماس

- لعبة إيه اللي هتلعبوها؟


ابتسم (حسام) وقال

- تعالي وانتي تعرفي


فنظر (هيثم) إلى خطيبته باستياء بدلًا أن يتحدثان سويًا، تريد أن تلعب معهم، في تلك اللحظة، تجمّع الجميع حول طاولة صغيرة، حتى (حنان) جاءت، بعد أن أصرت (نغم) على أن ترافقها، خشية أن تتركها وحيدة، فريسة سهلة ل(حازم)، خاصة أن (هيثم) سيكون مع خطيبته، و(نيرة) مع خطيبها، وهي لا تريد أن يستغل (حازم) وحدتها، عرضت عليها انها ستقوم بإيصالها للمنزل، جلسوا جميعًا، وقالت (نيرة) بحماس واضح

- نلعب لعبة الاعترافات!


ثم غمزت ل(حازم) غمزة خفيفة، فوضع الزجاجة على الطاولة، وقال

- يلا


بدأ (حسام) بإدارة الزجاجة، حتى استقرت أمام (ساندي) شعرت بالخجل، بينما سألها (حسام)

- إيه اللي خلاكي توافقي على (هيثم) بقى؟


ازدردت ريقها بصعوبة، كان من العسير أن تتحدث عن مشاعرها أمام شقيقها، لكنها حاولت انتقاء كلماتها

- عشان لقيته عارف ربنا ومكنش بيستغل أي فرصة عشان يقول كلام سخيف، بالعكس، كان بيحاول يوصلي إعجابه من غير ما يغلط وحتى لما حس إني موافقة، وقف كلام خالص لحد ما أخويا يعرف


نظر (حازم) إلى (هيثم)، وقال بابتسامة تحمل شيئًا من السخرية

- لا، أخلاقك العالية دي أحرجتني بجد


بعدها أدارت (نيرة) الزجاجة، وقبل أن تقف عند أحد، قالت

- لا مش هسأل سؤال .. أنا عايزة كل واحد من الشباب كده يتغزل في حبيبته بجملة تبين طبيعة شغله


اعترض (حسام) ضاحكًا

- ده إيه ده حضرتك؟


ابتسمت (نيرة)

- يلا بقى .. هنبدأ بالعريس، يلا يا (هيثم)


قال (هيثم) بسخرية

- أنا عارف يا نونو، مش هتجيبيها البر غير لما (حازم) يحدفني من المركب دي وأبقى شهيد


ابتسمت (نغم)

- لا بجد، قول عايزة أعرف آخرك في الغزل يا ثومي


رفع (هيثم) حاجبه، ونظر إلى خطيبته ثم نظر بطرف عينه إلى شقيقها وقال بتوتر بعد ضغط الجميع عليه

- مع إني سبّاح .. إلا إني غرقت في حبك


ثم استدرك سريعًا

- مش عايز ضحك! هي الحيوانة دي اللي بتطلب حاجات ما ينفعش تتطلب


نغزه (حازم) بكوعه

- صبرك عليّا يا سباح، الهي أسبح في دمك يا بعيد


تنحنح (هيثم)

- لعبة لعبة يا عم، وبعدين أنا مش مصدق الكلام الملزق اللي قولته ده


ابتسمت (ساندي) وقالت بسخرية

- حبك سباح


فضحك الجميع عليهم بينما كانت نظرات (هيثم) حانقة عليها، لتقول (نيرة)

- وانت بقى يا حزوم .. سمعنا


اتسعت عينا (حازم)

- نعم؟ عاوزة إيه؟


لتستشيط (نغم) وتنظر بعصبية نحو شقيقتها

- بلاش هزار رخم يا (نيرة)


نظر إليها (حازم) ولكنه تجاهل عصبيتها تمامًا، وقال وهو يضع يده أسفل وجنته وهو ينظر إليها

- ولأني بفهم في التحف النادرة .. اقتنيتك


احمرّت وجنتا (نغم)، بينما أطلق (هيثم) و(حسام) صافرات، فخفضت (نغم) رأسها، متجنبة أعينهم، لتقول (نيرة) بإعجاب

- لا، عجبتني دي


في حين زفر (وائل) بضيق لا يحتمل من كمية الكلمات التي تجعله يكره الأرتباط وهو يقول

- كان عندي طاقية إيجابية نحو الأرتباط، بس لما شفتكوا حمدت ربنا اني لسه بعقلي وسنجل


فضحك الجميع، ثم نظرت (نيرة) إلى (حسام) وهي تسأله

- وانت مش ناوي تقول حاجة؟


ازدرد (حسام) ريقه

- أعتقد نغير الموضوع .. أنا لو قلت حاجة شبه اللي قالوه، علاقتنا هتنتهي فورًا


انفجر الجميع ضاحكين وقد بلغهم مقصده، وظلوا بعدها يتبادلون الأحاديث في أشياء شتى ..


بعد انتهاء سهرتهم، اتجه (حازم) نحو زوجته بخطواتٍ مترددة، فأصبح بينه وبينها مسافة لا تُقاس بالأمتار بل بسبب رفضها المتكرر له، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها حانية، تخفي توتره

- مش ناوية بقى ترجعي بيتك؟ ولا هرجع لوحدي تاني؟


نظرت إلى الأرض، تائهة بين ما تشعر به وما تخشاه، لا تعلم ماذا ينبغي عليها أن تقول، رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إلى (نيرة)، التي قابلت نظرتها بابتسامة خفيفة وإيماءة إيجابية مشجعة بعدها التفتت إلى الاتجاه الآخر، حيث كان (هيثم) يقترب منها، وربت على رأسها بحنو أخوي وهو يقول

- أنا شايف كفاية كده يا (نغم) .. ولو غلط تاني، أنا اللي هقفله مش أنتِ


ثم رمق (حازم) بنظرة تحذيرية واضحة، فبادره سريعًا، يعلن ندمه بصوت مسموع

- لا، ربنا ما يجيب غلط .. أنا هتحكم في أعصابي، أنا أصلًا ما كنتش كده، بس كنت مضغوط الفترة اللي فاتت


قالت (نغم) بهدوء

- تمام .. هوصل (حنان)، وبعدين أرجع على البيت


انفرجت أسارير (حازم) دون أن يشعر، كمن تلقّى هدية لم يكن يتوقعها، لكنه تمالك نفسه وقال بسرعة

- اركبي معايا، متقلقيش .. هوصل صاحبتك أكيد، مش هسيبكوا لوحدكوا في وقت زي ده


أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتجهت نحو سيارته وجلست بجواره، جلست (حنان) في الخلف إلى جوار (ساندي)، وانطلقت السيارة، وبعد أن أوصلهما، توجها أخيرًا نحو منزلهما ..


ما إن دلفا إلى الشقة حتى لاحظت أنها مرتبة فقد كان يهتم بتنظيفها الأيام الماضية، ورأته يقف جانبًا يتحدث في الهاتف بصوت منخفض، لم تسأله، بل اتجهت إلى الغرفة، بدّلت ملابسها، ثم خرجت لتجده جالسًا في الصالة، سألته بنبرة هادئة

- كنت بتكلم مين؟


رفع رأسه إليها وقال ببساطة

- كنت بطلب لكِ عشا


هزّت رأسها نافية

- ليه مسألتنيش؟ أنا مش جعانة أصلًا


نظر في عينيها مباشرة، وقال

- وكلمت مامتك كمان .. قولتلها إننا اتصالحنا


تجمدت لحظة، ثم قالت

- أنا كنت لسه هكلمها، وبعدين أصلًا قلت ل(نيرة) قبل ما نمشي تقولها


تنهد بصدق، وكأن الكلمات تخرج من قلبه لا من فمه

- بصي يا (نغم)، أنا عارف إن ظروفي النفسية ما كانتش أحسن حاجة الفترة اللي فاتت بس أوعدك اللي جاي حاجة تانية، وعشان ما يحصلش بينا أي سوء تفاهم، لا مني ولا منك، خلينا صُرحا مع بعض في أي حاجة وصدقيني، لو حصل أي سوء فهم من ناحيتي، مش هفتح بوقي بكلمة غير لما أسمع منك كل حاجة


صمت قليلًا، بينما كانت تتأمل ملامح وجهه، وكأنها تحاول أن تعرف أن كان صادق أم لا، ثم قالت بصوتٍ خافت لكنه محمّل بالمشاعر

- أنا لما حبيتك، حبيتك من أول ما شوفتك .. ارتاحت لك، وعمري ما ارتاحت لأي راجل قبلك .. أي حد قبلَك ما كنتش بعرف أتكلم معاه بصراحة .. سبحان الله .. أول ما طلبت مني الجواز، ما عرفتش أقول لأ


توقفت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أكثر وجعًا

- فبعد ده كله إنك تكون مش حاسس بمشاعري، أو مش شايف أنا عملت إيه، ده يخوفني ويخليني أتردد في العيشة معاك


أنزل رأسه بخجل، وقال بصوتٍ منخفض

- حقك عليا يا (نغم) .. صدقيني، كل اللي فات مش هيتكرر، وأعتقد إنك شوفتي مني اللي يشفعلي، أنا ما كنتش سيّئ أوي كده، ولا إيه؟


ضيّقت عينيها متصنعة التفكير، فاتسعت عيناه بدهشة حقيقية هل كان سئ لتلك الدرجة ، ضحكت هي بخفة، وقالت

- أكيد لا طبعًا، ما كنتش سيّء


ثم صمتت لحظة، وأضافت بنبرة مترددة

- بس بصراحة نفسي أسألك سؤال، بما إنك افتكرت شوية من ذكرياتك القديمة


هز رأسه إيجابًا، مشجعًا إياها للسؤال

- اسألي


قالت مباشرة

- خطيبتك كنت بتحبها يا (حازم)؟ أصل الموضوع ده عملي أزمة، لو كنت بتحبها ونسيتها عشان فقدت الذاكرة، فأنت مالكش أمان بجد


انفجر ضاحكًا، وقال بثقة

- لا، متقلقيش ما كنتش بحبها أصلًا .. كنت سألت ماما كمان قبل ما اسيبها خالص كان جواز صالونات عادي، وكان بيني وبين (شيرين) مشاكل كتير بسبب لبسها وجرأتها الزيادة


سألته ببساطة

- طب وإيه اللي كان جبرك تكمل؟


هز كتفيه بلا مبالاة

- الوسط اللي أنا فيه كله كان كده حتى أختي مش محجبة صحيح كنت بحاول لبسها ما يبقاش ملفت أوي، بس كانت زيهم


هزّت رأسها بتفهّم، وفي تلك اللحظة دوّى صوت جرس الباب، نهض وهو يقول بابتسامة

- ممكن بقى نتعشى؟ وتتـعشي معايا بعد إذنك، أنا كان نفسي مسدودة الفترة اللي فاتت من غيرك، واتفتحت دلوقتي حالًا


ابتسمت أخيرًا، وهزّت رأسها موافقة

- موافقة يا سيدي

❈-❈-❈


بعد مرورِ عدةِ أيام ..

كان يجلس في انتظار قدومها، وعلى مقربةٍ منه ابنةُ خالته، التي بدت على ملامحها حماسةٌ صادقة لرؤية أعمالها والتعرّف إليها، لم تمضِ سوى دقائق حتى أطلت (حنان)، بابتسامتها الخجولة المعتادة، فصافحت ابنة خالته التي رحّبت بها بحرارةٍ واضحة، ما لبثت أن بدأت بعرض مجموعة من تصاميمها الجديدة، واندمجتا سريعًا في حديثٍ طويل عن العمل، كانت الأخرى تُبدي إعجابها الصريح بمعظم ما رأت ثم عرضت عليها أن تُعرض تلك التصاميم في الأتيليه الخاص بها، مع اقتراح زيادة الكمية ..


في تلك اللحظة، شعرت (حنان) بسعادةٍ غامرة، سعادة لم تكن قد خطّطت لها يومًا، لم تطمح يومًا لأن تتجاوز تصاميمها حدود صفحتها البسيطة على فيسبوك، كانت تعتبر ما تفعله مجرد محاولة لتنمية موهبتها، لا أكثر، ومع ذلك، ها هي الآن تُفتح أمامها نافذة لم تتخيلها، اضطرت ابنة خالته إلى المغادرة لمتابعة بعض أعمالها، تاركة (حنان) و(وائل) بمفردهما، نظرت إليه بعينين ممتنّتين وقالت، بنبرة صادقة

- أنا مش عارفة أشكرك إزاي بجد عمري ما سعيت حتى إني أكبر صفحتي، كانوا صحابي القريبين بس اللي يعرفوها، وكنت بشتغل على قدي أوي


ابتسم (وائل)، تلك الابتسامة الهادئة التي تُشعرك بالراحة دون جهد، وقال

- بس إنتِ تستاهلي يا (حنان)، شغلك تحفة بجد وبصراحة أنا بحب الاستايل اللي بتصمميه، قديم شوية، ونادر حتى لو لقيته مش بيبقى زي اللي في دماغي


ارتسمت السعادة على ملامحها بوضوح، لكن رنين هاتفها قطع اللحظة، أجابت على عجل

- أيوة يا (فادي) .. خلصت امتحانك؟ طيب كويس


ثم صمتت قليلًا وهي تستمع، قبل أن تتابع

- لا لا، هركب أي تاكسي ومتقلقش، إنت هتخرج مع صحابك؟ 


صمتت تستمع إجابته التي من الواضح أنها كانت بلا

- خلاص، أنا هروح بسرعة، سلام


أغلقت الهاتف، والتفتت إلى (وائل) لتودّعه، لكنه سألها بنبرة هادئة، تحمل فضولًا خفيفًا

- ده أخوكي الصغير؟


هزّت رأسها إيجابًا

- أيوة، هو اللي كان بيوصل أي أوردر أعمله، بس الفترة اللي فاتت امتحاناته خلته مش فاضي، فاضطريت أعتمد على نفسي بس بصراحة مكنتش بوصل غير للناس اللي أعرفهم زيك كده، أو قرايب صحابي


تمتم (وائل) بصوتٍ خافت، بالكاد يُسمع

- ده من حسن حظي ..


قطّبت حاجبيها قليلًا

- إنت قلت حاجة؟


- لا أبدًا


ثم تردّد لحظة قبل أن يقول

- طيب، تعالي أوصّلك، ليه تركبي تاكسي لوحدك؟


بدت عليها الحيرة، وقالت بتحفّظ

- متقلقش، البيت مش بعيد وبعدين إنت من الصبح بدري هنا معطّل نفسك عشاني


ضحك بخفة، وقال بأريحية 

- لا يا ستي، أنا مش متعطّل ولا حاجة تعالي، متخافيش هعاملك معاملة أوبر، اركبي الكنبة اللي ورا، وكأني شوفير عادي


شعرت بالإحراج، لكنّها وافقت أخيرًا، وسارت معه نحو السيارة في صمت، استقلّت المقعد الخلفي، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة ..


كان يفهم جيدًا خوفها من الرجال، ذلك الخوف الذي يتضح للأعمى، لا يعلم السبب ولكنه يعجبه أنها تثق به وحده ..


وذلك وحده كان كافيًا ليشعره بشيءٍ مختلف، أن يستمدّ شخصٌ هشّ منك الأمان، أن يراك ملاذًا لا تهديدًا، شعورٌ يجعلك ولو لوهلة تشعر وكأنك بطلٌ خارق، دون أن تحاول ..

❈-❈-❈


بعد مرور شهر ..

كانت تتجوّل بين محالّ الفساتين، تُقلب الفساتين بين يديها في شرود، بحثًا عن فستانٍ يناسب زفاف (نيرة) الذي بات على الأبواب، خرجت بمفردها على غير عادتها؛ فهي لا تحب التسوق وحدها، لكنها لم تجد خيارًا آخر ..


(حنان) غارقة في عملها الجديد، و(نغم) في شهرها الأول من الحمل، وأي طلب يُوجَّه إليها كفيل بأن يجعل شقيقها يثور عليها كأنها ليست عمة ذلك الطفل الذي في احشائها وتود قتله ..


استقر اختيارها أخيرًا على فستان محتشم، بسيط التفاصيل، هادئ الحضور، بل وقررت، وللمرة الأولى، أن ترتدي الحجاب في يوم زفاف شقيقة (نغم) ..


فقد حدّثها (هيثم) مرات عن الحجاب؛ لم يأمرها به بل اكتفى بأن يخبرها أنه فرض، وشرح لها ما لم تسعَ يومًا لمعرفته عن معناه وأهميته، أسلوبه الهادئ، غير المباشر، كان أكثر ما جذبها فيه في حين شقيقها طلب منها الأمر مرارًا، أما (هيثم) فقد ترك لها المساحة، وحرية الأختيار ..


بعد أن أنهت شراء الفستان، اتجهت إلى سيارتها، وما إن أدارت المفتاح حتى خذلتها السيارة كعادتها، زفرت بضيق وهي تضرب المقود بخفة، تلك السيارة تحتاج إلى تغيير منذ زمن، وقد طلبت من شقيقها مرارًا، لكن منذ متى كان الرجال يستجيبون للطلبات من المرة الأولى؟


تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، صحيح أنها لم تُصرّ، لأنها وجدت في أعطال السيارة ذريعة دائمة لرؤية خطيبها، دون أن يُفضح أمر اشتياقها له، اتصلت به، وأخبرته أن يأتي كي ينقذها ..


كان يقف أمام السيارة، منكفئًا عليها، يتفحصها وهو يتمتم بتذمر، كانت هذه المرة الرابعة خلال أسبوعين تتصل به من اجل السيارة، لم يرفع رأسه حتى لرؤيتها، اقتربت منه وقالت بنبرة مازحة تخفي ضيقها

- والله يعني حتى مفيش إزيك يا (ساندي)؟!


رفع رأسه أخيرًا، وقال بحدّة

- (ساندي)، عندي تدريب بعد نص ساعة، وكنت في طريقي للنادي، حضرتك هتأخريني عن شغلي، شايفة ده وقته؟


عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بامتعاض

- آه طبعًا، هعطّلك على البنات اللي بتدرّبهم، اللي بتقضي معاهم وقت أكتر ما بتشوفني أصلًا


كان يعبث بغطاء المحرك، لكنه توقف فجأة ورفع رأسه بنفاد صبر

- بنات إيه يا (ساندي)؟! أنا من ساعة موضوع (رغد) بطّلت أدرّب أي بنت سنها ١٥ فيما فوق، وبقيت أدرّب أطفال، وبعدين إنك تفكري فيا بالطريقة دي مش في صالحي خالص، هبص لأطفال!!


كادت ابتسامة خبيثة تفضح غيرتها، لكنها تماسكت وقالت بصرامة مصطنعة

- خلاص، روح تدريبك، أنا هتصل ب (وائل) ييجي يصلّحلي العربية ويوصلني ماشي؟ .. متشكرة على خدماتك .. (وائل) عمره ما اضايق مني إنما خطيبي مش مستحملني


رمقها بنظرة نارية جعلتها ترتجف داخليًا، لكنه قال بحدة

- تقفلي بوقك أحسن، ولا أكسّر دماغك وأرتاح، هتبقي شايفاني راجل قوي وأنا سايب خطيبتي تروح مع صاحب أخوها؟


ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، سرعان ما أخفتها، عاد إلى إصلاح السيارة، وما إن انتهى حتى أشار لها أن تركب، واستقل هو المقعد الآخر، متوليًا القيادة بنفسه، قالت بخفوت

- ممكن تسيبني أنا هعرف أرجع لسه بدري، عشان ما مبقاش معطّلاك عن شغلك


لم يجب وقاد السيارة بصمت، تنفست بعمق ثم قالت

- (هيثم) بليز رد عليا، معقول زعلان عشان جبت سيرة (وائل)؟


نظر إليها بطرف عينه وقال بمرارة

- لا، ما هو بيستحملك .. إنما أنا وحش ومش بساعدك، ولو مهتم بشغلي يبقى مش مهتم بيكِ؟! غير إني بشتغل عشان نبقى في بيت واحد، يا جاموسة


رمقته بنظرة نارية، ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة في صمت، ابتسم أخيرًا وقال بنبرة ألين

- خلاص يا برنسيسة .. مقدرش على زعلك


تسللت إلى وجهها ابتسامة خفيفة، صادقة هذه المرة، لكنها تصنعت أنها لا تهتم ..

❈-❈-❈


كانت القاعة تعجّ بالمدعوين، الأضواء تتراقص على الجدران، أما (نغم)، فكانت تشعر بإرهاقٍ شديد بعد يومٍ طويل من التحضيرات مع شقيقتها، إرهاقًا مضاعفًا بسبب حملها الذي في شهره الأول، لم يكفّ زوجها عن توبيخها، قلقًا عليها، متهمًا إياها بالإهمال وعدم الانتباه لنفسها ..


تشاجرا قليلًا؛ فبالنسبة لها، هذا زفاف شقيقها، ومن البديهي أن تقف بجانب شقيقتها الوحيدة، وحين شعر أن انفعالها قد يزداد، آثر الصمت، مكتفيًا بمراقبتها عن بُعد، خشية أن يتعبها الجدال ويؤثر على حملها ..


في الجهة الأخرى من القاعة، كانت (نيرة) تقف بجوار (حسام)، تشعر بخجلٍ حقيقي من كثافة الأضواء والأنظار المسلطة عليها، مالت نحوه وهمست

- إحساس وحش أوي أن الناس كلها جاية تتفرج علينا


ابتسم، وضغط على يدها برفق وقال بثقة

- طول ما إحنا مع بعض، مش مهم أي حاجة تانية، متبصيش لحد غيري، خليكِ مركزة معايا وبس


رفعت حاجبها بشك، وقالت بنبرة مازحة

- يعني مفيش شغل بجد؟ بعد ما نخلص الفرح تقولّي عندي تحقيق؟


اتسعت عينا (حسام)، ثم انفجر ضاحكًا

- لا بقى يا ستي! من حقي إجازة .. أقولك إيه؟ هقفل تليفوني، أنا مش موجود على الخريطة أصلًا


في هذه الأثناء، كان (هيثم) يبحث بعينيه عن خطيبته بين الحاضريين، لكن دون جدوى، أخرج هاتفه واتصل بها، وما إن أجابت حتى قال بلهجة متحفزة

- إنتِ فين يا (ساندي) كل ده؟ وبعدين مجتيش مع (حازم) ليه؟ ليه تيجي لوحدك؟!


جاءه صوتها مبتسمًا

- بس أنا موجودة يا (هيثم)، وعيني عليك من ساعة ما دخلت بس واضح إنك مؤدب خالص وبتغض بصرك


قطب حاجبيه، وراح يبحث عنها بعينيه

- إنتِ فين يا بنتي؟ (نغم) معاها (حنان) وواحدة تانية صاحبتها شكلها ..


اقتربت منه من الخلف، وتوقفت خلفه مباشرة وقالت

- أنا هنا يا (هيثم)


استدار فجأة، فتفاجأ بها مرتدية الحجاب، تراجع خطوة إلى الخلف وكاد يتعثر، لكنه تماسك في اللحظة الأخيرة، ابتسمت على ارتباكه، بينما قال هو بانبهار صادق

- إيه المفاجأة الحلوة دي؟! ومقولتيليش؟ خطّطتي ونزلتي جبتي لبس ومعرفتنيش؟


ابتسمت وقالت بخفة

- ها؟ رأيك إيه؟ مش أحسن؟ حبيت أشوف المفاجأة دي على وشك


ابتسم من القلب وقال

- أحلى مفاجأة والله


وعلى مقربة منهم، اقترب (وائل) من (حنان)، وقد بدا عليه الضجر من وجود شقيقها الأصغر معها الذي أصبح متفرغًا مؤخرًا، يصطحب شقيقته في كل مكان ..


غمز (وائل) بعينه ل(حازم)، الذي فهم الإشارة فورًا، فتوجه نحو (فادي) ليشغله بالحديث، انتهز (وائل) الفرصة واقترب من (حنان)

- عاملة إيه يا (حنان)؟


ابتسمت حين رأته

- الحمد لله، بخير .. إنت أخبارك إيه؟


- الحمد لله


صمت لحظة ثم أضاف بتلميح

- مش ملاحظة إن الفترة الأخيرة دي كل اللي حوالينا ارتبطوا؟


قطبت حاجبها، وهزّت كتفيها بلا مبالاة

- وإيه يعني؟ ما يرتبطوا


زفر بضيق من ذهنها الصدأ الذي لا يفهم تلميحاته، فقال موضحًا

- فتحوا نفسي على الخطوبة والارتباط يعني


نظرت له ببراءة وقالت

- بتدور على عروسة يعني؟ ممكن تخلي مامتك أو بنت خالتك تشوفلك حد من أصحابها .. بيعملوا كده على فكرة


تجهم وجه (وائل)، وشعر أن قلبه سيتوقف، هي لا تراه، لا تهتم بوجوده من الأساس، قال أخيرًا بوضوح ولكن في تلك الأحوال عندما لا تجدي التلميحات نفعًا فخبطة في الرأس اقوى من اي سلاح

- (حنان) .. ممكن رقم والدتك عشان أتقدملك؟ لو سمحتي يعني


اتسعت عيناها في ذهول

- إيه؟!


- إيه المشكلة؟ مش عاجبك؟ مرفوض؟


زفرت، وأشاحت بوجهها وقالت بصوت منخفض

- إنت عارف إني بتعالج نفسيًا .. والجواز!! .. حاجة زي دي مينفعش أخبيها عليك وبصراحة، أنا دلوقتي غير صالحة للارتباط، كنت مستنية أخلص علاجي وبعدين أفكر


قال بخجل

- للدرجة دي أنا مرفوض؟ وبتتحججي بأي حاجة؟


هزّت رأسها بسرعة نافية

- مش كده يا (وائل) .. بس مكنتش حابة أرتبط وأنا بتعالج، لأني هبقى ملزمة أحكيلك كل حاجة


نظر في عينيها وقال بهدوء

- أنا مسألتش، ولو مش عاوزة تحكي متحكيش .. أنا بس حابب أكون جنبك


ارتجف قلبها لأول مرة تشعر بحنان رجل عليها منذ وفاة والدها غير شقيقها الأصغر، قالت بصوت مبحوح

- أنا كنت مخطوبة قبل كده


هز كتفيه بلا مبالاة

- فين المشكلة؟!


زفرت (حنان) بضيق، وأخفضت بصرها إلى الأرض، كأن الكلمات تثقل صدرها قبل أن تخرج، صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت يحمل بقايا وجعها القديم

- كان رجل أعمال .. ابن صاحب بابا وشريكه، دايمًا كان بيحاول يقرب مني .. في الأول كنت فاكرة إنه بيحبني، وكنت بصده وخلاص


ابتلعت ريقها، وتابعت وعيناها تلمعان بدموع حاولت حبسها

- لحد ما خدني حفلة .. حفلة مكنتش كويسة، ناس بتشرب، وهو نفسه كان بيشرب، استغربت جدًا، كانت أول مرة أشوفه بالحالة دي


ترقرغت عيناها بالدموع، ورفعت يدها تمسحها سريعًا تخجل من ضعفها، ثم قالت بصوت متكسر

- حاول يعتدي عليا وهو بيوصلني ومكنش راضي يسيبني بس أنا هربت


توقفت لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول أن تجمع شجاعتها

- ركبت تاكسي وروحت، وأنا منهارة ومش مصدقة اللي حصل، ولما حكيت لبابا ..


سكتت، ثم استأنفت بصوت أهدأ لكنه أكثر ألمًا

- لغى كل شغله مع أبوه، وفسخنا الخطوبة، بس هو فضل يضايقني ويتعرضلي .. أنا كنت بخاف منه لدرجة إني اتحبست في البيت، وبطلت أخرج أو أروح أي حتة بسببه


رفعت رأسها قليلًا، لتنظر كيف يتقبل ما تقصه، لكنها لم تفهم ملامح وجهه الجامدة، فتابعت

- بابا خسر شغل كتير، وفلس، والظروف بقت صعبة، بابا مستحملش كل ده واتوفى


صمتت، ثم أضافت بصوت مبحوح

- وماما باعت كل حاجة عشان تسد الديون، واشتغلت، واشترت لينا الشقة الصغيرة اللي عايشين فيها دلوقتي


شعر (وائل) بوخزٍ حاد في صدره، كان يتمنى لو امتلك الحق ليضمها، ليخفف عنها هذا الحمل الثقيل الذي يجثم فوق قلبها، لكنه آثر الصمت، احترامًا لوجعها،

فأكملت هي

- نفسيتي تعبت وكرهت كل الرجالة بسبب (جلال) .. الحمد لله هو سافر واتجوز وبطل يضايقني، عشان أنا أصلًا بطلت أنزل من البيت


تنهدت، ثم قالت

- بس ماما ودّتني لدكتور لما لقت إن الموضوع زاد عن حده، وبقيت بخاف من أي راجل، مكنتش قادرة أنسى اللي حصل الليلة دي


رفع (وائل) رأسه إليها، وقال بصدقٍ 

- أنا فخور بيكي يا (حنان) فخور إنك عدّيتي بكل ده ولسه واقفة


نظرت إليه بطرف عينها، وقالت بصراحة موجعة

- أنا لسه يا (وائل) .. مش هقدر أدي إنسان مشاعر حب وارتباط دلوقتي، الموضوع ده مش في حساباتي


ابتسم بهدوء، رغم ما يشعر به داخله

- وأنا معاكِ وهستناكِ، مش همل من الانتظار


في تلك اللحظة، اقترب (فادي)، وألقى نظرة جامدة على (وائل) الذي تحدث أكثر من اللازم مع شقيقته وكان يرى رجفة يد شقيقته وعلم أنها تتحدث بأمر خطيبها السابق، لا يفهم لما تقص عليه شئ كهذا ولكن هذا ليس مكانًا للنقاش، فقال

- إيه يا (حنان)؟ مش كفاية كده عشان متتأخريش؟


هزّت رأسها

- أيوة يلا تعبانة شوية


ثم التفتت إلى (وائل)

- أشوفك على خير يا (وائل)


لوّح لها بيده، وظل واقفًا يراقبها حتى اختفت عن أنظاره، اقترب منه (حازم) وهو يقول بنبرة فضولية

- ها بقى؟ طمّني .. حصل إيه؟ وافقت


مطّ (وائل) شفتيه بانزعاج

- إنت عارف .. أنا خلاص تعبت من حظي ده


نظر إليه باستغراب

- في إيه يا بني؟ مالك؟


قال (وائل) بسخرية مريرة

- ابدًا صاحب عمري مريض نفسي، واللي إن شاء الله هتبقى شريكة عمري معقدة نفسيًا، بسيطة، بسيطة خاالص


ثم تركه وغادر، ضحك (حازم) بخفة، وفي تلك اللحظة اقتربت (نغم)، التي كانت قد سمعت الحديث، وقالت بتعاطف

- صعب عليّا أوي، هو أصلًا مستحملك كل السنين دي .. بحس إنه جبل بجد


رفع (حازم) حاجبه متهكمًا

- والله؟


ابتسمت وقالت بثقة

- بس مادام (حنان)؛حكتله، يبقى هي بتفكر فيه .. أنا أكتر واحدة عارفاها، مش هتحكي من فراغ .. يصبر عليها، هتقبل بيه ونفرح بيهم


فقال بنبرة ضاحكة

- طب ما تحكيلي بدل ما أنا واقف زي الطرش في الزفّة كده؟


نظرت له بضيق

- عاوزني أحكي أسرار صاحبتي بعينك؟


ابتسم لها وقال بمكر لطيف

- مش مهم .. كفاية عليّا أسرارك إنتِ

❈-❈-❈


بينما كانت في المطبخ، منشغلة بتحضير الطعام، كانت رائحة الأكل تنتشر في أرجاء المنزل بدفء، دلف (حازم) إلى الداخل، توقف قليلًا يستنشق الرائحة بمتعة، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة

- أنا لو متجوز (نجلاء الشرشابي) شخصيًا، مش هاكل كمية الأكل اللي باكلها من إيدك دي


ضحكت (نغم) دون أن تلتفت إليه

- حبيبي يا ميزو


فربّت على بطنها بحنان

- أخبار بنوتي الحلوة اللي في بطنك إيه؟


رفعت حاجبها

- إنت مصمم إنها بنت ليه؟


- عاوزها بنت، وتطلع شبهك


ابتسمت بخجل ولم تعلق، فتغيّرت ملامحه قليلًا وهو يقول

- صحيح .. نسيت أقولك على موضوع كده


- موضوع إيه؟


- في برديات جديدة اتلاقت، وهعمل عليها بحث إن شاء الله


نظرت إليه باهتمام

- والبرديات دي بتتكلم عن إيه؟


تحدث بجدية

- عن ملك لمصر في العصر الإغريقي، وفي آخر البردية خريطة بتدل على مكان معيّن .. وفي بعثة هتروح هناك وانا معاهم


سكن صوت (نغم)، وجلست على المقعد القريب، وراحت الأفكار تتزاحم في رأسها، تخيلته وهو يصل إلى المكان، يكتشف تمثالًا جديدًا، ملكًا آخر، تسللت الفكرة إلى خيالها ككابوس ربما يدعى (بارميس) أو شئ كهذا؟!


حادثة أخرى، تقمص آخر زوجها لا يحب عمله فقط بل يعشقه ويتلبّس تلك الشخصيات، كل تلك الأفكار الصامتة تعبث برأسها لتصرخ بأعلى صوتها

- لااااااا!


تجمّد (حازم) في مكانه، ينظر إليها بذهول، لا يفهم ما يجري لها ..


(تمت)


إلى حين نشر الرواية الجديدة للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة