-->

رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل 9 - الأربعاء 28/1/2026

 

 قراءة رواية ندوب مضيئة

 كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية ندوب مضيئة 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة يارا علاء الدين 


الفصل التاسع 


تم النشر يوم الأربعاء 

28/1/2026


في مدرج الكلية العريض، كان يحيى يجلس في الصف الثاني، يفتح جهازه المحمول ببطء، ويقلب فيه.

مُحاضِر المادة لم يكن قد دخل بعد، والطلاب يتحركون بتململ داخل القاعة.

كان يتابع شيئًا على الشاشة حين سمع صوتًا خلفه:

-معذرة... هل هذه محاضرة الدكتور فؤاد؟

التفت فوجد فتاة ترتدي بنطال جينز داكن، وقميص بلون نبيذي، تحمل كتبًا ووجهها يبدو مشغولًا أكثر من اللازم.

لم تكن لافتة من النظرة الأولى، لكن شيئًا ما فيها أجبره على التحديق بها.

كانت ذات قامة متوسطة وجسدٍ أنثوي مرسوم بعناية، تتحرّك بثقة ناعمة لا تخلو من إغواءٍ هادئ. عيناها سوداوان، واسعتان، يتقاطع فيهما الذكاء مع دلالٍ خفي.

قال بهدوء:

- نعم، هي, لكنه لم يصل بعد.

ابتسمت بارتباك، ثم قالت:

- شكرًا، صحيح, هل معك نسخة من جدول المحاضرات؟

أنا انتقلت من شعبة أخرى... وضعتني الإدارة هنا، ولا أعرف شيئًا.

نظر إليها ثانية، بدا عليه الحذر في البداية، ثم قال وهو يمدّ لها هاتفه:

- تفضّلي، هذه الصورة من الموقع.

أخذت الهاتف، ونظرت إلى الشاشة، ثم أومأت بإعجاب خفيف:

- واضح أنك منظّم.

قال دون أن يبتسم:

- أحاول.

ابتسمت هي، ثم جلست على المقعد إلى جواره، دون أن تطلب الإذن، وقالت وهي تفتح دفترها:

- أنا فرح، بالمناسبة.

سكت لحظة، ثم قال:

- يحيى.

سكتت فرح لثوانٍ، وهي تضع هاتف يحيى على الطاولة بينهما بعد أن نقلت المواعيد، ثم مالت برأسها قليلاً وقالت بنبرة فيها لمحة من المزاح:

 - يحيى.. اسم هادئ، يليق بشخص يختار الجلوس في الصف الثاني تحديداً. لا هو في المقدمة تماماً تحت مجهر الدكتور، ولا هو في الخلف حيث الضجيج. مسافة أمان، صحيح؟

نظر إليها يحيى بطرف عينه، شعر بأنها تحاول اختراقه، فردّ ببرود مصطنع: 

- بل هو مجرد مقعد مريح للرؤية. لا داعي لتحويل كل شيء إلى تحليل نفسي.

ضحكت فرح ضحكة قصيرة، خافتة لكنها رنانة، وقالت: 

- لا بأس، اعتبرها مهارة جانبية، والآن اخبرني, هل صحيح أن الدكتور فؤاد صعب في هذه المادة؟ أم أن الطلاب يبالغون كالعادة؟

أغلق يحيى جهازه المحمول نصف إغلاقة، وكأنه يمنحها جزءاً من اهتمامه:

 - ليس صعباً لكنه يكره التلقين، ويحب من يناقشه بعقلانية.. وهذا تحديداً ما يجعل القاعة في حالة تململ دائماً؛ لأن الأغلبية تبحث عن إجابات جاهزة.

لمعت عينا فرح، وبدا وكأن كلامه لمس وتراً عندها:

-أعجبني التعبير. أنا أيضاً لا أحب الإجابات الجاهزة، فهي تجعل العقل يتكاسل. لهذا السبب انتقلت إلى هذه الشعبة.

ساد صمت قصير، نظر فيه يحيى إلى الدفتر الذي فتحته فرح، لاحظ أن خطها منمق وسريع، فباغتها بسؤال: 

- ولماذا اخترتِ سؤالي أنا تحديداً عن الجدول؟ القاعة مليئة بالطلاب؟

عدلت فرح من وضعية جلوسها، واقتربت قليلاً وهي تقول بدلال ذكي:

-لأن ملامحك كانت الأكثر طمأنينة في هذه القاعة الصاخبة. الجميع هنا ينظر إلى الباب بضيق، ويهمسون بتذمر من تأخر الدكتور.. إلا أنت.

هذا الهدوء لا يملكه إلا شخص يعرف تماماً ما الذي يحدث، ولا يتفاجأ به. لذا استنتجتُ أنك لست مجرد طالب عابر، بل شخص يفهم جيداً كيف تُدار الأمور هنا..

رفع يحيى حاجبيه بدهشة خفيفة لم يستطع إخفاءها:

 - استنتاج ذكي.. يا فرح.

قالت وهي تمد يدها لتسحب أدواتها من أمامه:

 - أتمنى ألا أكون قد أفسدت عليك خلوتك مع جهازك.

رد يحيى وهو يفتح جهازه مرة أخرى، لكن هذه المرة بابتسامة تكاد لا تُرى على طرف شفتيه:

  -لا بأس.

في تلك اللحظة، دخل الدكتور فؤاد، فعمّ الصمت فجأة، لكن يحيى شعر بأن الهواء في القاعة لم يعد كما كان قبل دخول فرح.

❈-❈-❈

2-

عبر حمزة عتبة الفيلا بخطوات ثقيلة، حاملاً حقيبة ملابسه التي كانت تلخص رحلة تمرده القصيرة. استقبلته لميس بلهفة واضحة، وابتسامة حاولت بها تبديد التوتر الذي يملأ المكان، وقالت:

 - الحمد لله على سلامتك يا حمزة.

أجابها باقتضاب وهو يضع حقيبته أرضاً:

- سلمكِ الله يا لميس.

في تلك اللحظة، دوّى صوت فوزي البدراني القادم من عمق الردهة، بنبرة تقطر سخريّة وقسوة:

 - إذن، قررت العودة أخيراً؟ يبدو أنك تراجعت عن وعودك بالاستقلال!

تصلب جسد حمزة، واشتعلت عيناه بالغضب. انحنى ليمسك حقيبته من جديد وقال بصوت حاد:

 - لقد أخطأتُ حين ظننتُ أن شيئاً قد تغير هنا.. عن إذنكما.

اندفعت لميس نحوه بسرعة، وأمسكت بذراعه محاولةً إيقافه:

انتظر يا حمزة، أرجوك..

 ثم التفتت إلى والدها قائلة برجاء ومحاولة لاستعطافه:

 أبي من فضلك، أنا من توسل إليه ليعود، أنا أحتاجه بجانبي في هذه الظروف الصعبة.

زفر فوزي بضيق، ورمى حمزة بنظرة أخيرة متعالية وهو يقول لابنته:

 - اجعليه يعود لرشده إذن، فقد سئمتُ من تلك التصرفات الصبيانية.

تركهم فوزي وغادر المكان بخطوات غاضبة. التفت حمزة إلى لميس، والشرر يتطاير من عينيه، وسألها بنبرة هجومية:

 - لن يكفّ عن أسلوبه هذا معي أبدًا! ثم أخبريني أيّ ظروف هذه التي تتحدثين عنها؟ 

انكسرت ملامح لميس، وقالت بصوت خفيض :

 - هل نسيت يا حمزة؟ لقد أخبرتك أن ديما، شقيقة آسر شريكي، قد تعرضت لحادث أليم.. ثم فقدت بصرها.

عقد حمزة حاجبيه، وشعر ببرودة تسري في جسده، لكنه حاول الثبات قائلاً بحدة:

- وما شأنكِ أنتِ بكل هذا؟ هل هي صديقتك ؟

ارتبكت لميس، وتوردت وجنتاها بخجلٍ لم تستطع إخفاءه، وقالت وهي تخفض رأسها: 

- هي ليست صديقتي المقربة بعد.. لكن آسر وأنا.. أعني، سيكون بيننا ارتباط رسمي قريباً، نحن على وشك الخطبة.

وقع الخبر عليه كالصاعقة ؛ ليس اعتراضاً على سعادة شقيقته الوحيدة، بل لأن الدائرة بدأت تضيق حوله. صمت لحظة، ثم قال بجمود: 

- حقاً؟ مبارك لكِ.. عن إذنكِ، سأصعد لأستريح قليلاً.

أمسك حقيبته وصعد الدرج بخطوات غائبة.ثم أغلق باب غرفته خلفه، وألقى بنفسه على أول مقعد قابله. وضع رأسه بين كفيه، وصورة الحادث لا تغيب عن مخيلته. ثم همس لنفسه بذهول وقلق:

 - اسمها ديما؟ كيف سأتأكد إن كانت هي الفتاة التي صدمتها بسيارتي في تلك الليلة المشؤومة أم لا؟

❈-❈-❈

3-

كان الوقت يقترب من الخامسة مساءً، والحرارة في الخارج بدأت تلين، لكن داخل المحل كانت الحركة في ذروتها.

عُلب الحلويات تتكدّس على الطاولة، الطلبات تتوالى، والهاتف لا يهدأ.

في وسط كل هذا، كانت ريم تتحرّك بخفة وثبات.

ترتب العلب حسب الألوان، تنسّق الشرائط بعين لا تخطئ التناسق، وتتعامل مع الزبائن بصوتٍ هادئ، وكلماتٍ مهذبة لا تزيد ولا تنقص.

ما لفت الانتباه لم يكن فقط ترتيبها أو نظافتها، بل الراحة التي بدأ الزبائن يشعرون بها في وجودها...

حتى أن كثيرين بدأوا يسألون عنها بالاسم:

هل ريم هنا؟

تغيّر وجه المحل...أصبح أكثر تنظيمًا، والأجواء فيه أقل توترًا.

حتى كريم الذي لا يُشيد بسهولة، صار يلاحظ الفرق.

بدأت الأرباح ترتفع في فترة وجودها، والطلبات الأونلاين تنضبط بلا أخطاء, لكن، ما إن يحلّ يوم إجازتها، حتى يبدأ هذا المنحنى بالهبوط، وكأن المحرك الذي يدير هذه الماكينة قد توقف عن العمل.

دخل ممدوح، عمّها، كعادته ليتفقّد العمل.كان يظن أنه مجرّد يوم عادي، لكنّه وجد كريم واقفًا عند الكونتر، يتحدث مع عميل، ويشير نحو ريم بابتسامة راضية.

وما إن اقترب ممدوح، حتى التفت إليه كريم وقال أمام الجميع:

في الحقيقة، يا أستاذ ممدوح... ريم ابنة أخيك أثبتت أنها إضافة لا تُقدّر بثمن.

الفتاة لا تُكثر الكلام، لكن عملها يتحدّث عنها بوضوح. نظام، ذوق رفيع، وارتياح ملحوظ من الزبائن...أنا ممتنّ حقًا لوجودها معنا.

ابتسم ممدوح ابتسامة متحفّظة، وقال وهو يرمق ريم بنظرة لم يُفسّرها:

- هي تحاول أن تثبت جدارتها.

أما ريم، فكانت تقف على بُعد خطوات، لم تنطق بكلمة.

لكن شيئًا ما في عينيها لمع...

ربما دهشة، وربما امتنان... وربما شعور للمرة الأولى، أنها أصبحت مرئية.

وواصلت عملها بصمت، وكأنها لم تسمع شيئًا...

لكن يدها التي تربط شريطة وردية على العلبة التالية، كانت أكثر ثباتًا من أي وقتٍ مضى.


وفي المساء كان الليل قد أرخى سدوله حين عادت ريم مع عمها ممدوح من المحل. استقر الجميع في غرفة المعيشة الصغيرة بعد انقضاء وقت العشاء، يتبادلون الأحاديث تحت هدير مروحة معلّقة في السقف وكانت ريم تقف إلى جانب الطاولة، تجمع الأطباق بصمتها المعتاد، حين قال ممدوح بنبرة تملؤها السخرية:

 - ريم الحقيقة شرفتنا جميعاً اليوم. كريم لم يكفّ عن الإشادة بها، قال إن وجودها أحدث فرقاً حقيقياً، حتى إن الزبائن باتوا يسألون عنها بالاسم.

رفعت صباح رأسها بسرعة، وكأنّ صوتاً غريباً طرق مسامعها، وقالت باستنكار: 

- ريم؟! أتقصد ريم التي تعيش معنا تحت هذا السقف؟ يا رجل، إنها لا تزال ترتبك إذا رنّ هاتفها، فكيف لها أن تدير محلاً؟

ابتسم ممدوح ابتسامة مقتضبة، وأجاب وهو يجلس متعباً:

 -ريم التي ترينها في البيت ليست هي ذاتها التي تعمل معنا. هناك، تتبدل شخصيتها.. تصبح أكثر تركيزاً ودقة، والزبائن يطمئنّون لوجودها وتعاملها.

ضحكت صباح بسخرية لاذعة هزت أركان الغرفة:

 - سبحان الله! أيعني هذا أنها أصبحت عبقرية ونحن لم ننتبه؟ لعلّنا نُقيم لها حفلة تكريم تليق بهذا الإنجاز العظيم إذن!

في تلك اللحظة، نزع مروان سماعة أذنه بلامبالاة، وقال بنبرة متهكمة:

 - وهل يُعدّ هذا إنجازاً حقاً !

لم ترد ريم.. بقيت واجمة، تمسح سطح الطاولة بقطعة قماش في يدها، متظاهرة بأنها لا تسمع، لكن ارتجاف أصابعها الخفي كان يفضح ألمها.

تابعت صباح سخريتها وهي تقول:

 - عجيبة هذه الدنيا.. فتاة كانت تتوارى عن الأنظار، أصبحت فجأة موضع حديث الجميع!

قال ممدوح وهو يحتسي الشاي، و يرمق ريم بطرف عينه: 

- يبدو أن المحل قد أصابته لعنة غريبة جعلت ريم تصبح فجأة ذراعنا اليمنى! تخيلي أن الأرباح قفزت، والطلبات تسير بدقة لم نعهدها.. وكأنها اكتشفت فجأة أنها تملك عقلاً لم نره هنا طوال سنوات!

أما ريم، فلم تنطق بكلمة واحدة. شدّت طرف وشاحها قليلًا، وكأنها تحتمي به من كلماتهم التي تشبه السهام، ثم انحنت تكمل تنظيف المائدة، وفي صدرها صمتٌ عميق، يقينها فيه أن الزمن وحده كفيل بأن يردّ نيابة عنها.

❈-❈-❈

4-

جلس عادل الهاشمي خلف مكتبه الفخم، يقلب بين أوراق المشروع الجديد بعصبية مكتومة، بينما وقف آسر قبالته، يُخفي توتره خلف صمته الطويل.

رفع عادل نظره فجأة وقال بنبرة حادة:

 - هل ستظل صامتًا هكذا؟ فوزي البدراني ينتظر جوابًا نهائيًا، ولميس مستعدة تماماً.. عائلته تنظر إلى هذه الخطوة كضمانة حقيقية لبداية شراكة رسمية , آن الأوان يا آسرأن نحدّد موعد الخطبة !

تردّد آسر للحظة، ثم قال بنبرة هادئة يحاول بها استعطاف والده: 

- أبي... أظن أن الوقت غير مناسب الآن، ديما ما زالت تتعافى من صدمتها، ووضعها الصحي غير مستقرّ. . لا أريد أن نحتفل بشيء في وقتٍ تحيطه ظروف كهذه.

أغلق عادل الملف بقوة أحدثت دويًا في المكتب، وأسند يديه إلى الطاولة مائلًا بجسده نحو آسر، وقال بلهجة صارمة تكشف المستور:

 -اسمعني جيداً يا آسر.. هذا المشروع ليس مجرد توسعة، إنه طوق النجاة الوحيد. نحن لا نملك السيولة الكافية لإتمامه بمفردنا، وكل ما نملكه الآن مرهون بنجاح هذه الشراكة مع فوزي. السيولة التي سيضخها هي المحرك الوحيد لبقائنا في السوق، وبدون هذا الارتباط العائلي، لن يضع فوزي قرشاً واحداً في المشروع!

حاول آسر كتم ضيقه، وقال بهدوء مُتكلّف:

 - أنا لا أرفض، فقط أطلب تأجيلًا بسيطًا للخطبة.. حتى تستقر الأمور مع ديما.

رد عادل بنبرة قاطعة:

- ديما ديما, أنت تعلم أنه لا جديد في حالتها, وليس بيدنا شيء نفعله أكثر من ذلك, ثم إن فوزي لا يؤمن بالتأجيل، هو يرى في المماطلة تردداً قد يجعله يسحب عرضه في أي لحظة. أنت رجل، وهذا وقت إثبات رجولتك في القرارات الصعبة التي تغلّب مصلحة العائلة والعمل على العواطف المؤقتة.

بقي آسر صامتًا لحظات، ثقل المسؤولية ينهش كتفيه، ثم رفع عينيه نحو والده، وقال بنبرة متعبة يستسلم فيها للأمر الواقع: 

- حسنًا يا أبي... سنُعلن الخطبة.

ارتاح وجه عادل فجأة، وتهللت أساريره وهو يقول بإيجاز:

 - ممتاز.. كنت أعلم أنك تدرك جيداً حجم المخاطرة التي نواجهها.

لم يعلّق آسر، فقط أومأ برأسه استجابةً، ثم استدار خارجًا بخطوات مثقلة بالهم. وما إن أغلق الباب خلفه، حتى توقف في الردهة لحظة، تنفّس بعمق وكأنّه يُقنع نفسه أن ما فعله هو الصواب الوحيد المتاح، أو على الأقل، قدرٌ لا مفرّ منه. ثم همس بصوت بالكاد يُسمع:

 - لا بأس.. فلميس ليست سيئة على كل حال، ربما يكون هذا هو المسار الصحيح.


في المساء, دخل آسر الفيلا بخطوات ثقيلة، وجد يحيى جالساً في الردهة، يحدق في شاشة هاتفه بتركيز وهو يتابع مباراة لكرة القدم، وقد علت وجهه ابتسامة حماسية. لمح يحيى آسر، فرفع صوته مهللاً كعادته:

 — أهلاً ياهندسة لقد فاتك هدف أسطوري، تعالَ لترى هذه المراوغة!

لكن آسر لم يبتسم، بل اقترب منه بملامح جامدة وقال بصوت رخيم:

 — يحيى.. لقد قررتُ تحديد موعد خطبتي على لميس .

سقط الهاتف من يد يحيى على الأريكة، وتلاشت ضحكته فوراً. حدق في آسر بذهول تام قائلاً:

 - هل تمزح؟ لميس؟! كيف ومتى حدث هذا؟ وماذا عن مطروح؟ ماذا عن تلك الفتاة الشبحية التي كنت تبحث عنها كالمجنون؟ هل نسيتها بهذه البساطة؟

اشتعل الغضب في عيني آسر، ورد بنبرة حادة: 

- كفى يا يحيى! إلى متى سأظل أطارد أوهاماً وخيالات؟ يجب أن أنظر لمستقبلي، ولعملي،. تلك القصص الوردية لا مكان لها في عالمنا الحقيقي.

نهض يحيى ببطء، واقترب منه ثم وضع يده على كتفه مربتاً بهدوء، وقال: - ربما تكون محقاً في فكرة التخلي عن الأوهام، ولكن.. أليست لميس بحد ذاتها وهماً آخر؟ أنت تعلم يقيناً أنها لا تريدك لأنها تحبك، بل لأسباب أخرى تماماً. كيف ستمضي في هذا الطريق وأنت تفتقد أدنى مشاعر القبول تجاهها؟

صمت آسر للحظة، وبدا التردد في عينيه قبل أن يحسم أمره ويقول بجمود:

 - لكن هذه الزيجة هي الأصح، ومتوافقة مع العقل والمنطق ومصالح العائلة.

هز يحيى رأسه بأسى وقال:

 - وهل ستكرر مأساة يزن مرة أخرى يا آسر؟ كيف ستتحمل العيش مع إنسانة لا تطيقها، ولا تستلطف حتى الحديث معها؟ لماذا تفعل هذا بنفسك؟

في تلك اللحظة، ظهرت ديما وهي تتحسس طريقها بهدوء، وقالت بصوت خفيض:

 - آسر.. هل ما سمعته من أمي صحيح؟ هل ستحدد موعد خطبتك على لميس فعلاً؟

اندفع آسر نحوها بسرعة، وأمسك بيدها ليساعدها، لكنها ابتسمت برقة وقالت: 

- لا تقلق يا أخي، لقد حفظتُ معالم البيت جيداً، وبدأتُ أتعلم التحرك بمفردي.. يبدو أن هذه هي أطول فترة قضيتها في البيت في حياتي، وهذا منحني وقتاً كافياً لأفهم الكثير.

نظر إليها آسر بحنان وقال:

 - لم أكن أريد هذه الخطبة الآن يا ديما، كنت أريد تأجيل كل شيء حتى أطمئن على تعافيكِ تماماً.

قاطعته ديما بسؤال مباشر لمسه في العمق:

 - وماذا عنك أنت يا آسر؟ هل سألت نفسك إن كنت مرتاحاً لهذا القرار؟ وهل هذا ما يريده قلبك حقًا؟

تنهد آسر تنهيدة طويلة، محاولاً الهروب من نظراتها، وتمتم بصوت متعب:

 - لعله الخير لي يا ديما.

ربتت ديما على كتفه بحب وقالت:

- إذن, ستكون أجمل عريس، أسأل الله أن يسعدك ويمنحك الراحة التي تستحقها.

بينما كانت ديما تتحدث، كان يحيى يراقب آسر بصمت وحزن حقيقي؛ كان يرى في عينيه رجلاً يقرر الانتحار عاطفياً، يرمي بنفسه في هاوية زواج بارد، فقط ليهرب من ذكرى امرأة سكنت روحه ولم يستطع أبدًا إخراجها منها!


❈-❈-❈


5-

خرج حمزة إلى الشرفة حاملاً فنجان قهوته، كانت نسمات الليل الباردة تداعب وجهه، لكن عقله كان يغلي بالأفكار. وجد لميس جالسة هناك، غارقة في ابتسامة عريضة وهي تعبث بهاتفها. شعر أنها الفرصة المثالية ليقطع الشك باليقين، فاقترب منها بهدوء قائلاً:

  كيف حالك يا لميس ؟

التفتت إليه وعيناها تلمعان ببريق غريب، وأجابت بحماس:

 — أنا بخير، بل في أفضل حالاتي يا حمزة! أنا سعيدة جداً.. أخيراً سيحدد والدي مع آسر موعد الخطبة .

تجمّد حمزة في مكانه، وشعر بوخزة في قلبه وهو يسألها بدهشة حقيقية لم يستطع مواراتها:

 - بهذه السرعة؟ ألم تقولي إن شقيقته تعرضت لحادث منذ فترة وجيزة؟

غمزت لميس بعينيها بدلال وهي تعدل خصلات شعرها:

 — نعم، ولكن يبدو أن آسر لم يعد يطيق صبراً أو بُعداً عني، فقرر أن يفعل ذلك رغم كل شيء.

حاول حمزة الحفاظ على نبرة صوته مستقرة وسألها:

 — وماذا عن أخته؟ هل طرأ أي تحسن على حالتها؟

تنهدت لميس بلامبالاة مصطنعة وقالت:

 — لا للأسف، الأطباء أكدوا أن الأمل ضعيف جداً في استعادة بصرها.

قطب حمزة حاجبيه متسائلاً بفضول حذر:

 — يا إلهي! لهذه الدرجة ؟ ما الذي حدث بالضبط حتى تفقد بصرها؟

أجابت لميس وهي تبحث في هاتفها:

 — كانت عائدة من عملها ليلاً، وصدمتها سيارة مسرعة وفرّ السائق هارباً.. الصدمة كانت عنيفة وأثرت على العصب البصري. حتى انظر..

أدارت شاشة هاتفها نحوه وتابعت:

 — انظر كيف كانت فاتنة قبل الحادث، كانت تشبه القمر تماماً، لكن يا للأسف.. هذا هو القدر.

ما إن وقع بصر حمزة على الصورة حتى سرت قشعريرة باردة في جسده، وتجمدت الدماء في عروقه. كانت هي.. نفس الملامح الرقيقة التي انطبعت في ذاكرته تحت أضواء المصابيح الخافتة في تلك الليلة المشؤومة. اهتزت يده قليلاً حتى كاد ينسكب فنجان القهوة عليه، وظهر التوتر جلياً على تقاسيم وجهه.

لاحظت لميس ارتباكه، فسألته باستغراب:

 - ما بك يا حمزة؟ لماذا شحب وجهك فجأة؟

حاول استجماع شتات نفسه، وأخذ نفساً عميقاً وهو يشيح بنظره بعيداً: 

— لا شيء.. فقط شعرت بأسى شديد لأجلها، إنها تبدو صغيرة جداً على ذلك!

هزت لميس كتفيها ببرود قائلة:

 — يا ليتنا نستطيع تغيير القدر، لكن لا أحد يحصل على كل شيء.. المهم الآن، أريدك أن ترتب معي كل تفاصيل الفترة القادمة، أريد حفل خطبة لا يُنسى.

أومأ حمزة برأسه بآلية، وعقله في وادٍ آخر تماماً، وقال بصوت خافت: — لا تقلقي يا حبيبتي.. أنا معكِ في كل خطوة.

سرح حمزة بنظره نحو الأفق المظلم، وشعر بأن الجدران تضيق من حوله. كيف يمكن للدنيا أن تكون بهذا الضيق؟ البنت التي ظن أنه هرب منها للأبد، أصبحت الآن جزءاً من عائلته بطريقة لم يتوقعها؛ فهي شقيقة الرجل الذي سيشاركه مصير أخته الوحيدة. أدرك في تلك اللحظة أن الهروب لم يعد خياراً، وأن ذنب تلك الليلة قد عاد ليحاصره في أدق تفاصيل حياته القادمة. فكل زيارة، وكل مناسبة، وكل تجمع عائلي، سيجبره على الوقوف وجهاً لوجه أمام ضحيته، ليرى أثر فعلته في عينيها المنطفئتين، دون أن يملك القدرة على الاعتراف أو النسيان!

❈-❈-❈

6-


كان البيت هادئاً على غير عادته في صباح ذلك الأربعاء، يوم إجازة ريم الأسبوعي. غاب الضجيج المعتاد مع خروج صباح وهدى إلى السوق، وظنّت ريم أنها أخيراً ستنعم بساعات من السكينة، خاصةً حين سمعت مروان يعلن بصوتٍ عالٍ قبل رحيلهن أنه لن يعود إلا عند موعد الغداء.

تنفست ريم الصعداء، واتجهت إلى المطبخ لتبدأ في تحضير الفطور الخاص بها. كانت تقطع الخضار بآلية منهكة، وعقلها شارد في خططها لمستقبل لا تعلم ملامحه بعد، لكنها لم تدرِ أن مروان لم يرحل فعلياً، بل تظاهر بذلك حتى تأكّد من خلو البيت، ثم تسلل عائداً كالظل حتى بلغ باب المطبخ.

وفجأة، شعرت ريم ببرودة مريبة واضطراب في الهواء خلفها. استدارت بهلع لتجده واقفاً، يسند جسده إلى إطار الباب,وعيناه محتقنتان بالدم تنطقان بشيء غير متزن. قال بصوتٍ ثقيل ومتقطع:

 - البيت أصبح لنا وحدنا يا جميل!

تراجعت ريم خطوة، وأمسكت بطرف الطاولة لتتوازن، وقالت بنفور:

 - مروان! ماذا تفعل هنا؟ وما بالك تتكلم هكذا. هل تعاطيتَ شيئاً؟ رائحتك وحالتك لا توحي بأنك في وعيك!

ضحك مروان ضحكة جوفاء، وتقدم نحوها بخطوات مترنحة: 

- لستُ فاقداً للوعي.. بل أنا في قمة انتشائي. كيف أترك فرصة كهذه تضيع؟

اصطدمت ريم بالرخامة خلفها، وشعرت برعب حقيقي من هيئته، فصرخت بحدة:

 - أخرج فوراً! لن أصمت إن اقتربت خطوة واحدة!


لم يأبه لوعيدها ومدّ يده نحوها، وفي لحظة خاطفة، امتدت يد ريم نحو سكين صغيرة بجانبها، وأمسكت بها بكل ما أوتيت من غريزة النجاة، وصرخت: 

لا تقترب!قلت لك لا تقترب! لكنه تقدم بخطوة متهورة، فرفعت السكين وطعنته في ذراعه لتمنعه من لمسها.

تراجع مروان وهو يطلق صرخة مكتومة، ممسكاً بذراعه التي بدأ الدم يصبغ قميصها، واستغلت ريم ذهوله لتركض بأقصى سرعتها نحو غرفتها، وتغلق الباب بالمزلاج من الداخل. أسندت ظهرها للباب، يداها ترتجفان والسكين ما زالت فيها آثار الدم.

تنفّسها كان متقطّعًا، قلبها يدقّ كطبول حرب، ودموعها تتجمّع في صمت.

أخذ يضرب الباب بقبضته وهو يصرخ بصوتٍ متهدج من أثر المخدر: — افتحي! افتحي يا ريم.. لن يحميكِ هذا الباب مني، سأجعلكِ تندمين على كل قطرة دم سُفكت هنا! قلت لكِ افتحي!

لكنه لم يجرؤ على كسر الباب... فالدم على يده كان كافيًا ليخيفه.

أما ريم، فوضعت السكين على الأرض، وجلست تضمّ ركبتيها إلى صدرها، وقالت لنفسها بصوت خافت:

— هذا البيت لا يصلح لي... هذا البيت يقتلني.

ثم رفعت رأسها نحو السقف، وقالت كأنها تعاهد ذاتها:

— سأرحل... مهما كلّفني الأمر، سأرحل.




لم تمر ساعة حتى دوى صوت مفاتيح صباح في الباب , فقد سبقت زوجة أخيها هدى التي تأخرت قليلاً في طريق العودة من السوق. دخلت صباح الشقة وهي تلهث من التعب، تحمل أكياساً ثقيلة وتصيح بضيقٍ ملأ الأرجاء: 

- ريم! أين أنتِ يا فتاة؟ تعالي وخذي هذه الأكياس، يداي كادتا تنكسران! 

لم يأتها رد، فتوجهت للمطبخ لتصعق بمشهد مروان جالساً يلف ذراعه بقطعة قماش ملطخة بالدماء. صرخت بهلع: 

مروان! يا حبيبي ما الذي أصابك؟!

رد مروان بنبرة خبيثة:

لا تقلقي, أنا بخير, طلبتُ من الآنسة ريم مساعدتي في تحضير الفطور فرفضت، وحين حاولت الاعتماد على نفسي انزلقت السكين فأصابتني بجرح في يدي, وهي لم تكلف نفسها عناء الخروج لرؤيتي وأنا أنزف أو حتى الاطمئنان عليّ!

اشتعلت صباح غضباً، واندفعت نحو غرفة ريم تضرب الباب بعنف: 

— افتحي الباب يا ريم! أهذه هي أخلاقك؟! فوق غطرستكِ بمالكِ وعملكِ الجديد، تصبحين بلا رحمة؟! تظنين أنكِ كبرتِ وأصبحتِ تنفقين على نفسكِ فصرتِ فوق الجميع؟ حتى ابن عمكِ تتركينه يغرق في دمه؟! قبح الله هذه التربية!

في الداخل، كانت ريم تجلس على الأرض، مسندة رأسها إلى ركبتيها في صمتٍ موحش. كانت كلمات صباح تطعنها، لكنها أدركت الآن أن هذا السقف لم يعد يحميها، بل أصبح هو القيد الذي يجب كسرُه لتعيش.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة