-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 8 - الأربعاء 28/1/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 

الفصل الثامن 

تم النشر الأربعاء 

28/1/2026



في اليوم التالي، ذهبت جيهان للشركة أولاً برفقة تامر الذي مرّ عليها أثناء ذهابه أيضاً؛ فعليهم أولاً إيجاد حل سريعاً قبل فقدانهم كل شيء. طلبت اجتماعاً مع رؤساء الأقسام للعثور على طريقة قبل انتشار الخبر للسوق، وأيضاً حذرهم تامر من معرفة أحد من منافسيهم.

كانت جيهان تجلس على رأس طاولة الاجتماعات، وفي تلك اللحظة لم تكن ترى الحاضرين بقدر ما كانت ترى شريط ذكرياتها مع يوسف يمر أمام عينيها؛ تذكرت كيف كانا يضيعان في البداية، وكيف كانت هي من تمسك بيده ليتخطيا أولى خطواتهما في هذا العالم. تلك البدايات التي بُنيت على الثقة المطلقة، هي نفسها التي تُهدم الآن بسبب طيشه.

قاطع حبل أفكارها صوت تامر الحازم وهو يوجه الحديث لرؤساء الأقسام:

ـ يا جماعة، الوضع مش محتمل أي تسريب. أي معلومة تخرج للمنافسين عن حالة والدي أو عن الأزمة المالية اللي بنمر بيها، معناها رصا.صة الرحمة على الشركة. إحنا هنا علشان نلم الدور قبل ما الفاس تقع في الراس.

أكملت جيهان بنبرة هادئة ولكنها تحمل قوة لا تُناقش:

ـ أنا راجعت العقود اللي اتمضت الأسبوع اللي فات.. فيه كار.ثة قانونية. لازم نلاقي مخرج قبل ما الموردين يوقفوا الشغل. عاوزة من كل قسم تقرير مفصل عن الالتزامات المتأخرة خلال ساعة. مش عاوزة أي غلطة، مفهوم؟

هز الجميع رؤوسهم بالموافقة والرهبة تملؤهم، فجيهان التي أمامهم الآن هي جيهان الحديدية التي يعرفونها، وليست الزوجة المنكـ.ـسرة. وبينما كان الاجتماع في ذروته، انفتح باب القاعة فجأة ليدخل يوسف ومعه نور، ليتوقف الجميع عن الكلام وتتجه الأنظار نحو يوسف الذي صُدم برؤية جيهان وهي تدير الدفة في غيابه.

رغم تعجبه مما يحدث في غيابه ورؤيته لجيهان وهي تقود الاجتماع بكل حزم، إلا أن يوسف حاول أن يبدو هادئاً؛ فهو لا يريد أن يعرض جيهان للإحراج أمام الغرباء، فالأمر بينه وبينها فقط. وبنبرة حاول جعلها متزنة، طلب من الجميع مغادرة الغرفة فوراً، ليظل تامر وجيهان معه فقط، فهم وحدهم من يستطيعون إيجاد حل لهذه الهاوية.

نظر يوسف إلى جيهان، وفي تلك اللحظة تذكر كيف كانا يضيعان في البداية.. تذكر تخبطهما معاً في أولى خطواتهما العملية وكيف كانت هي من تمسك بيده لترشده. والآن، يجد نفسه يحتاج لتلك اليد لإنقاذه من هذا التخبط.

قال يوسف وهو يحاول استيعاب الموقف:

ـ أنا سمعت تحذير تامر لرؤساء الأقسام من تسريب أي معلومة للمنافسين.. بس إيه اللي حصل؟ العملاء منتظمين وبيدفعوا في مواعيدهم، ليه إحنا اللي مش عارفين نسلم المشروع؟

ردت جيهان بصرامة وهي تضع يدها على الأوراق:

ـ المشكلة عندنا إحنا في الشركة يا يوسف. العملاء مالهمش ذنب، هما بيدفعوا في الميعاد ومستنيين يستلموا، لكن فيه غلطة حصلت هنا هي اللي معطلة التسليم. لو مالحقناش نصلح الغلط ده قبل ما حد من المنافسين يشم خبر، هيستغلوا الموقف ويسحبوا العملاء مننا والشركة هتنـ.ـهار.

أكد تامر على كلامها موجهاً حديثه ليوسف:

ـ فعلاً، أنا نبهت رؤساء الأقسام إن مفيش مخلوق بره الشركة يعرف باللي حصل. الغلط جوه بيتنا ولازم يتصلح قبل ما المنافسين يستغلوا ثغرة تأخيرنا في التسليم.

ساد الصمت الغرفة، وبدأ يوسف يدرك حجم الكا.رثة التي تهد.د اسم القاضي من الداخل بسبب خطأ في الإدارة أو التنفيذ، بينما كانت جيهان وتامر ينتظران منه أي تحرك جاد لإصلاح هذا الخلل فوراً.

بدأوا يفكرون في حل للخروج من هذا المأزق، وبينما كان القلق يسيطر على ملامح يوسف وتامر، هتفت جيهان بهدوء وثبات، رغم إدراكها أن ما ستقوله سيكون صادماً وصعباً ولن يتقبله أحد بسهولة، لكنها كانت تعلم يقيناً أنه الحل الأمثل والوحيد لإنقاذ سمعة الشركة، خاصة وأن المشروع لا يزال في بدايته.

تحدثت جيهان بمهنية شديدة، واضعةً مصلحة العمل فوق أي اعتبار مادي مؤقت:

ـ إحنا هنهـ.ـد الجزء اللي العمال بدأوا ببناءه، وهنعيد التأسيس من الأول وجديد.

ساد صمت ذهول في الغرفة، لكنها أكملت بصرامة:

ـ والسلع والمواد اللي موجودة حالياً هنغيرها كلها ونستبدلها بمواصفات مطابقة. إحنا اللي هنتكفل بالخسارة كاملة.. العملاء مالهمش ذنب يتحملوا نتيجة خطأنا، وسمعتنا في السوق أهم بكتير من شوية مصاريف زيادة دلوقتي.

نظر إليها يوسف بذهول، فتلك الجرأة في اتخاذ القرار أعادت إليه صورة جيهان التي تضع الأمانة المهنية فوق كل شيء. ورغم فداحة الخسارة المادية، إلا أن كلامها كان المنطق الوحيد الذي سيمنع المنافسين من إيجاد ثغرة واحدة ضد الشركة.

التفتت جيهان ليوسف وتامر بانتظار رد فعليهما، وهي تعلم أن هذا الهد هو البداية الوحيدة الصحيحة لترميم ما أفسده الإهمال، ولضمان عدم خسارة العملاء الملتزمين.

تعجب يوسف وتامر بشدة من طلبها؛ فهذه خطوة جريئة ومكلفة لم تتخذ من قبل في تاريخ الشركة، ولو حدث هذا الموقف في أي شركة أخرى لاختاروا الحل الأسهل وأكملوا البناء بالمعدات المتاحة معهم للتغطية على الخطأ. لكن جيهان أثبتت في تلك اللحظة مهارة فائقة، وكأنها متمرسة قضت عمرها كله في هذا المجال، تضع سمعة القاضي فوق أي اعتبار مادي.

تأملها يوسف بذهول، وفي أعماقه تعالت أصوات الندم، ليهتف بصمت ومرارة دون أن يسمعه أحد: هل سأستطيع بناء علاقتي بها مرة أخرى.. أم أنني هد.متها بيدي كما هدمنا هذا البناء الآن؟

حسم يوسف أمره وقرر الموافقة على اقتراحها فوراً، فجلسوا ثلاثتهم يبحثون معاً عن الشركات الموثوقة التي تبيع المعدات السليمة والمطابقة للمواصفات. وبعد بحث دقيق، استطاع تامر الوصول لبعض الشركات الكبرى، وقام بالتحدث معهم وأخذ موعداً عاجلاً لإتمام عملية الشراء لضمان البدء في العمل سريعاً وتعويض الوقت الضائع.

أما يوسف، فقد تولى الجانب الميداني؛ حيث قام بالتحدث مع المهندسين والعمال في الموقع، وأصدر أوامره بوقف العمل لفترة قصيرة حتى وصول المعدات الجديدة، مشدداً على أن الجودة هي الأولوية القصوى من الآن فصاعداً.

مر اليوم بهدوء مشوب بالحذر والعمل الجاد، وأنهت جيهان مهامها التي أعادت بها الشركة إلى الطريق الصحيح. كانت رغبتها الأولى هي الذهاب لرؤية عمها عدنان والاطمئنان عليه، لكنها وجدت نفسها في حيرة؛ فـ تامر خارج الشركة الآن لإنهاء صفقات المعدات، وهي لا تريد الاحتكاك بـ يوسف أو فتح أي أحاديث شخصية معه.

أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة قصيرة لـ سميرة تخبرها فيها: 

ـ أنا هروح المستشفى الأول أشوف عمي، وهرجع البيت على بليل، متقلقوش عليا.

وبينما كانت تهم بجمع أغراضها للمغادرة، وجدته يطرق باب مكتبها بهدوء، ثم دخل والتردد يسبق خطواته. نظر إليها يوسف وقال بصوت هادئ:

ـ جيهان.. أنا رايح للمستشفى دلوقتي، لو تحبي تيجي معايا.. ولا حابة ترجعي البيت؟

نظرت إليه بجمودها المعتاد، وحاولت جاهدة ألا تظهر أي انفعال وهي تجيب:

ـ أنا فعلاً كنت ناوية أروح أشوف عمي الأول.

لم تزد حرفاً واحداً، ليغادرا الشركة معاً نحو المستشفى. وطوال الطريق، كان يوسف يتابعها بنظرات خاطفة يملؤها الندم والوجع؛ فقد تأكد يقيناً الآن بعد رؤية قوتها ومهنيتها وصمودها، أنه فقدها حقاً، وأن استعادة قلب جيهان أو حتى ثقتها لم تعد بالأمر السهل كما كان يتوهم. لقد أدرك أن المسافة التي تفصل بينه وبينها أصبحت أبعد بكثير من مقعد سيارة واحد.

دخلا معاً إلى ردهة المستشفى، والهدوء يلف علاقتهما المشـ.ـتعلة بالصمت. توجها مباشرة إلى قسم العناية المركزة بحثاً عن عدنان، والقلوب تخفق قلقاً من رؤيته خلف تلك الأجهزة مرة أخرى. سأل يوسف إحدى الممرضات بلهفة عن حالته، لتجيبهم بابتسامة مطمئنة:

ـ الحمد لله، عدنان بيه حالته استقرت جداً واتنقل لغرفة عادية في الدور الرابع.

تنفس كلاهما الصعداء، وصعدا إلى الغرفة ليجدا ندى ونور تجلسان معه. بمجرد أن وقعت عينا جيهان على عمها، رسمت ابتسامة دافئة على وجهها رغم كل شيء، واقتربت منه تمسك يده بحنان قائلة:

ـ حمد الله على سلامتك يا عمي.. نورت الدنيا كلها.

ابتسم عدنان بضعف، ونظر إليها بنظرة فخر لم يفهمها سواهما. ثم التفت إلى الجميع، وبنبرة جادة ومقتضبة طلب من ندى ونور مغادرة الغرفة فوراً، قائلاً:

ـ ندى.. نور.. معلش سيبونا لوحدنا شوية، عاوز أتكلم مع يوسف وجيهان في موضوع مهم يخص الشغل.

ساد الصمت الغرفة، ووقفت ندى متعجبة من طلب والدها؛ فما الذي يربط جيهان "زوجة أخيها السابقة" بأمور الشركة الحساسة؟ فهي حتى هذه اللحظة لا تعلم شيئاً عن عودة جيهان للعمل ولا عن دورها البطولي في إنقاذ المشروع.

بعد أن أُغلق الباب وانصرف الجميع، ساد هدوء مهيب داخل الغرفة. نظر عدنان إليهما بعينين يملؤهما القلق على تعب العمر، وسأل بصوت متهدج لكنه حازم:

ـ قولولي.. إيه اللي حصل في الشركة؟ لقيتوا حل للكا.رثة اللي إحنا فيها، ولا السوق عرف باللي حصل؟

أخذ يوسف نَفساً عميقاً، وبدأ يسرد لوالده تفاصيل ما حدث منذ الصباح، وكيف كانت الشركة على شفا حفرة من الانهـ.يار لولا تدخل جيهان. أخبره عن "الخطأ الفني" الداخلي، وعن قرار جيهان الجريء والمفاجئ بهدّ ما تم بناؤه وإعادة التأسيس من جديد على نفقة الشركة لضمان الجودة وحماية سمعتهم.

حينها، ارتسمت ابتسامة عريضة يملؤها الفخر والامتنان على وجه عدنان، والتفت نحو جيهان قائلاً بنبرة مؤثرة:

ـ كنت عارف إنك إنتي اللي هتحمي اسم القاضي يا جيهان.. لولا اقتراحك ده، كانت سمعة الشركة اللي بنيتها في سنين ضاعت في يوم وليلة.

وظل الثلاثة يتحدثون معاً، يضعون الخطوط العريضة لخطتهم القادمة وكيفية تأمين موقف الشركة أمام المنافسين، وفي وسط نقاشهم، انفتح الباب ودخل تامر وملامحه تبشر بالخير.

تحدث تامر بحماس:

ـ الخبر السعيد يا جماعة.. أنا لسه مخلص كل الإجراءات، اشتريت المعدات الجديدة والمطابقة للمواصفات، وكل حاجة هتكون في الموقع الصبح.. إحنا هنبدأ الشغل من بكرة فوراً.

تهللت أسارير عدنان، وشعر يوسف وتامر بقوة الفريق حين يجتمع على هدف واحد، بينما كانت جيهان تتابع الموقف بمهنية عالية، رغم الوجع الذي تداريه، مدركة أن العمل هو الحصن الوحيد الذي تبقى لها.

بينما كان الحماس يأخذهم للحديث عن الخطط القادمة، قا.طعتهم جيهان بنبرة هادئة وحازمة وهي تنظر لعمها:

ـ كفاية كلام في الشغل دلوقتي يا جماعة.. حالة عمي لسه مستقرة بالعافية ومحتاج يرتاح، الكلام ده كله يتأجل لبكرة في الشركة.

وافقها الجميع الرأي، وسمح تامر بدخول نور وندى اللتين كانتا تنتظران في الخارج على أحر من الجمر. أراد يوسف أن يظل بجوار والده تلك الليلة، لكن تامر وضع يده على كتفه قائلاً:

ـ روح أنت يا يوسف، أنت منمتش من امبارح.. أنا هفضل مع بابا الليلة دي، والصبح نتبادل.

وأثناء استعداد يوسف وجيهان للمغادرة، اقتربت نور منهما بسرعة وبنبرة مصطنعة قالت:

ـ يوسف حبيبي.. ممكن تاخدني معاك في طريقك؟ الوقت تأخر أوي وصعب أرجع لوحدي.

وافق يوسف بهدوء، وهنا أرادت نور أن توجه رسالة تحدي واضحة لجيهان؛ فقبل أن تتحرك جيهان نحو السيارة، سبقتها نور بخطوات متعمدة وفتحت الباب الأمامي وجلست بجوار يوسف، تاركةً المقعد الخلفي لجيهان.

نظرت جيهان للموقف ببرود تام ولم تعقب، فركبت في الخلف بصمت مهيب، بينما كان يوسف يشعر بتوتر شديد وهو يراقب رد فعل جيهان في المرآة، مدركاً أن حركات نور الطفولية لن تزيد جيهان إلا ترفّعاً، ولن تزيده هو إلا شعوراً بالذنب والندم.

أوصل يوسف نور إلى وجهتها والجو داخل السيارة مشحون بتوتر يكاد يُلمس، حاولت نور خلال الطريق لفت انتباهه بشتى الطرق لكنه كان غائباً تماماً عن الواقع. طلب يوسف من جيهان أن تنتقل للمقعد الأمامي بعد نزول نور، لكنها رفضت بجمود ينم عن كبرياء جريح، مفضلةً البقاء في الخلف حتى وصلا إلى المنزل.

❈-❈-❈

دخل كلاهما والارهاق قد نال منهما جسدياً ونفسياً. اتجهت جيهان لغرفتها وبدلت ملابسها، ورغم نير.ان الغضب المشتعلة في صدرها تجاهه، إلا أن أصلها الطيب غلبها؛ فقد أشفق قلبها عليه وهي تدرك أنه لم يذق طعاماً منذ الأمس من فرط الضغط.

ذهبت أولاً للاطمئنان على بناتها وقبلتهما وهما نائمتان، ثم توجهت إلى المطبخ لتعد وجبة خفيفة. هناك وجدت سميرة التي بدأت تتذمر بغضب قائلة:

ـ إنتي لسه برضه هتعملي له أكل بعد كل اللي عمله؟ يا جيهان يا بنتي حرام عليكي نفسك!

ردت جيهان بهدوء وهي تضع اللمسات الأخيرة على الطعام:

ـ يا سميرة أنا بقوم بواجبي وبس.. مش أكتر من كدة. هو في الآخر أبو بناتي وإنسان تعبان، مش هقدر أشوفه كدة ومعملش حاجة.

تركتها سميرة وهي تتمتم بضيق من طيبة قلب جيهان التي لا تنتهي. حملت جيهان صينية الطعام ودلفت إلى الغرفة، لتجده قد بدل ملابسه واستلقى على الفراش وعيناه مغمضتان من فرط التعب، يبدو عليه الانكـ.سار والجهد الذي بذله طوال اليوم في الشركة والمستشفى.

وضعت الصينية بهدوء على الطاولة المجاورة له، وبينما كانت تهم بالانصراف، شعر بوجودها وفتح عينيه ببطء.

فتح يوسف عينيه ببطء، ونظر إلى صينية الطعام ثم إليها بذهول، وكأنه لم يتوقع أن يلقى منها هذا الحنان بعد كل ما حدث. اعتدل في جلسته بصعوبة وقال بصوت مبحوح يملؤه الندم:

ـ تعبتي نفسك ليه يا جيهان؟ أنا فعلاً ماليش نفس لأي حاجة.

ردت جيهان بجمود وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة:

ـ أنت ما أكلتش حاجة من الصبح، وده واجب وبعمله علشان تقدر تقف على رجلك وتكمل شغلك.. مش أكتر.

حاول يوسف استغلال اللحظة، فمد يده وكأنه يريد استبقاءها وقال بنبرة مرتجفة:

ـ جيهان.. أنا عارف إن اللي عملته كبير، وعارف إن وجود نور وتصرفاتها النهاردة ضايقتك، بس أنا كنت تايه.. أنا لولا وجودك جنبي في الشركة وفي المستشفى كان زماني ضعت.

قا.طعته جيهان بهدوء يقطر قسوة، وقالت وهي تتراجع خطوة للخلف:

ـ يوسف.. اللي حصل في الشركة ده شغلي ومستقبل بناتي، واللي عملته مع عمي ده واجبي تجاه الراجل اللي اعتبرني بنته. مالوش علاقة بأي حاجة تانية بينا.

نظر إليها يوسف بكسرة وقال:

ـ يعني مفيش فرصة نصلح اللي انكـ.ـسر؟

نظرت إليه نظرة أخيرة، نظرة طويلة حملت كل معاني الخيبة، ثم قالت باختصار:

ـ كل وجبتك وارتاح، ورانا شغل كتير الصبح.

وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، استدارت وغادرت الغرفة بهدوء، تاركة إياه وحيداً مع طعامه وندمه الذي أصبح ينهش قلبه أكثر من أي وقت مضى، مدركاً أن إطعامها له كان بدافع الأصل لا بدافع "السماح".

مر شهر كامل، كانت فيه جيهان بمثابة الروح التي عادت لجسد شركة القاضي. استعاد عدنان جزءاً كبيراً من صحته وعاد للشركة، لكنه كان يحضر على فترات متباعدة بناءً على نصيحة الأطباء، تاركاً الدفة في يد الثلاثي الذي أثبت كفاءة منقطعة النظير. نجحوا بالفعل في هدم ما كان خطأً وإعادة تأسيس الموقع من جديد بأفضل المعدات، وعادت الثقة بين الشركة وعملائها أقوى مما كانت.

لكن، خلف هذا النجاح المهني، كان هناك جرح ينزف في صمت؛ فقد أتى اليوم الأسوأ في حياة جيهان وسميرة.. يوم زواج يوسف ونور.

كانت سميرة تدور في المنزل كالنحلة الهائجة، تشعر بغضب شديد لا تستطيع كبته، تضرب كفاً بكف وهي تنظر لجيهان التي كانت تجلس أمام المرآة بجمود غريب. حاولت جيهان التظاهر بالقوة، وضعت مساحيق التجميل بدقة لتخفي شحوب وجهها وآثار السهر، لكن عينها كانت تفضح ما في قلبها؛ فخلف هذا القناع القوي، كانت تصرخ وتبكي من داخلها على سنين عمرها التي تُهدر أمام عينيها.

قالت سميرة بحر.قة:

ـ بنتي بلاش تروحي.. بلاش تعذبي نفسك وتقطعي في قلبنا معاكي، خليه يتجوز بعيد عننا!

ردت جيهان بصوت حاولت جاهدة أن يكون ثابتاً:

ـ لازم أروح يا سميرة.. لازم العالم كله يشوف إن جيهان القاضي مبيكـ.سرهاش حد، وإني موجودة علشان عمي وعشان بناتي.. يوسف بقى صفحة وانطوت.

في تلك اللحظة، وصل تامر الذي أصر على اصطحابهم بنفسه، ربما ليكون سنداً لجيهان في هذه اللحظات القاسية. دخل تامر المنزل ونظر لجيهان نظرة إعجاب بقوتها ممزوجة بالأسى، وقال بصوت منخفض خفض:

ـ إنتي جاهزة يا جيهان؟ العربية تحت.. وتأكدي إن وجودك النهاردة هو أكبر عقاب ليوسف، لأنه هيشوف بعينه هو خسر إيه.

نزلت جيهان برفقة سميرة وتامر، وركبت السيارة وهي تشعر أن كل خطوة تخطوها نحو قاعة الزفاف هي طعـ.نة في كبريائها، لكنها قررت أن تكمل المشهد حتى النهاية.

وصلوا إلى قاعة الحفل، حيث كانت الأضواء ساطعة ونور تتألق بفستان زفافها وهي تشعر بالانتصار، بينما يوسف كان يقف وعيناه تزوغان في المكان بحثاً عن واحدة فقط..


يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة