رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 5 - الأحد 18/1/2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الخامس
تم النشر الأحد
18/1/2026
ساد صمت مطبق في أرجاء الصالة، وكأن الكلمات التي نطقت بها جيهان قد جمدت الزمن. نظر لها الجميع بصدمة لم يتوقعوا أبداً أن تطلب طلباً كهذا؛ فجيهان طالما كانت هي الوتد التي تعطي عائلتها وبناتها كل الأهمية، وهي التي رفضت العمل بكل إصرار بعد الزواج لتتفرغ لبيتها وأسرتها، مضحيةً بشهادتها وطموحها كمهندسة.
كان الجميع يعلم أنها خريجة هندسة متفوقة، ولكنها اختارت أن تكون "
مهندسة حياتهم داخل جدران الفيلا، والآن، وهي تقف أمامهم بهذا الثبات، كان لسان حالها يقول:
ماذا جنيتُ من كل هذا التفاني؟
لم تجنِ سوى الألم، والحزن، والخيبة التي خلفها قرار يوسف وتصرفه العنيف مع سميرة.
كسر يوسف الصمت بضحكة ساخرة، محاولاً إخفاء ارتباكه:
ـ تشتغلي؟ إنتي يا جيهان؟ إنتي اللي بقالك سنين ممسكتيش مسطرة ولا دخلتي موقع؟ الهندسة دي مجال صعب ومحتاج ممارسة، مش مجرد شهادة في الدرج. إيه اللي فكرك بيها دلوقتي؟
نظرت جيهان إليه بهدوء قاتل، وردت بنبرة واثقة:
ـ الهندسة في دمي يا يوسف، والشهادة اللي في الدرج دي هي اللي هتخليني أعيد بناء كرامتي اللي إنت استهونت بيها. أنا ضحيت بشغلي وطموحي عشان أعمل منك ومن البيت ده أهم حاجة في حياتي، لكن النهاردة اكتشفت إن مفيش حد بيقدر. أنا مهندسة، ومن حقي أكون موجودة في شركة القاضي، وأشرف على المشاريع اللي والدي كان شريك فيها قبل ما يموت.
ثم التفتت لعدنان القاضي الذي كان يراقبها بتقدير خفي، وقالت:
ـ يا عمي.. أنا مش بطلب إذن من يوسف، أنا بطلب حقي منك. أنا مش هسمح لروحي إنها تتهد أكتر من كدة، والشركة هي المكان اللي هرجع فيه جيهان اللي ضاعت في السنين اللي فاتت.
سميرة كانت تراقب المشهد بذهول، وهي تشعر لأول مرة أن جيهان لا تحا.رب من أجل زوج، بل تحا.رب من أجل كيان كانت قد دفنته بيدها وأخرجته الآن للحياة.
اشتعلت ملامح يوسف بالارتباك الذي حاول إخفاءه خلف قناع من الغضب، نهض من مقعده وبدأ يسير في ردهة الصالة بخطوات متوترة. هو لا يخشى كيد النساء ولا يراه في جيهان، بل هو يخشى جيهان المهندسة؛ تلك الطالبة التي كانت الأولى على دفعتها، والتي كان يرى ذكاءها الحاد في كل ركن من أركان بيته. كان يعلم يقيناً أنها لو وضعت قدمها في الشركة، فستكشف ثغراته، وربما تتفوق عليه في الإدارة والتخطيط.
توقف يوسف أمامها، وحاول أن يجعل صوته حاسماً ليخفي اهتزازه الداخلي:
ـ هندسة إيه يا جيهان اللي جاية تتكلمي فيها بعد السنين دي كلها؟ السوق اتغير، والتكنولوجيا والبرامج اللي بنشتغل بيها غير اللي درستيها زمان بكتير. إنتي بقالك سنين بعيدة عن المواقع والحسابات، الشركة مش مكان للتجارب، دي مسؤولية ومشاريع بملايين.
ثم التفت إلى والده محاولاً إيجاد مبرر منطقي يمنعها:
ـ يا بابا، جيهان طول عمرها متفوقة أنا منكرش، بس الانقطاع الطويل ده يخلي رجوعها صعب جداً. وجودها في الشركة هيسبب حساسية كبيرة بين الموظفين، وهيخلي عيوننا على بعض بدل ما نركز في الشغل.. أنا خايف على مصلحة الشركة مش أكتر.
عاد بنظره إلى جيهان، وضيق عينيه وهو يقول بنبرة فيها محاولة أخيرة للسيطرة:
ـ يا جيهان، إنتي مكانتك في البيت محفوظة، والشركة لها ناسها اللي شغالين فيها ليل نهار. ليه دلوقتي؟ ليه عايزة تفتحي باب وجع دماغ لينا وليكي؟ إنتي كدة بتصعبي الأمور على الكل، والمهندسة الشاطرة هي اللي تعرف إن لكل وقت قرار، وده مش وقت رجوعك للمجال.
كان يوسف يدرك في قرارة نفسه أن جيهان قادرة على العودة وبسرعة، وأن تفوقها القديم لم يمت بل كان مؤجلاً، وهذا تحديداً ما كان يرعبه؛ أن يرى زوجته التي كانت تحت طوعه، وهي تنافسه في مكتبه وتشارك والده في اتخاذ القرارات المصيرية.
جيهان كانت تتابعه بابتسامة هادئة جداً، وكأنها تقرأ أفكاره بوضوح، ولم تنطق بكلمة واحدة، بل تركت نظراتها لعدنان القاضي هي التي تسأل:
هل ستسمح له بمنع حقها؟
لم تترك جيهان ليوسف فرصة ليُكمل محاولاته في تهميشها، بل قاطعته بنبرة هادئة ولكنها حادة كالسكين، وقفت وواجهته قائلة:
ـ البرامج بتتطور يا يوسف، لكن العقل الهندسي والأساسيات مش بتتغير. وبعدين إنت ليه خايف؟ لو أنا فعلاً
بعيدة عن السوق زي ما بتقول، يبقى وجودي مش هيشكل أي فرق أو خطر عليك. لكن الحقيقة إنك عارف كويس جيهان لما بتمسك مشروع بتعمل فيه إيه، وعارف إن السنين اللي قضيتها في البيت مخادتش عقلي، بالعكس، خلتني أشوف الأمور بتركيز أكبر.
التفتت إلى عدنان القاضي وقالت بوضوح:
ـ يا عمي، أنا مش داخلة الشركة علشان أثبت ليوسف إني أشطر منه، أنا داخلة عشان أثبت لنفسي إني لسه موجودة. والشركة اللي شايلة اسم القاضي أنا ليا فيها حق زي ما هو ليه حق، وميراث والدي وتفوقي يدوني الأولوية إني أكون موجودة.
هنا، تدخل عدنان القاضي بصوته الرزين الذي أجبر الجميع على الصمت. نظر إلى ابنه يوسف الذي كان يغلي من الداخل، ثم نظر إلى جيهان وتقدير عقلها في عينيه، وقال:
ـ خلاص.. اسمعوني أنتم الاتنين. يوسف عنده وجهة نظر في حتة الانقطاع عن الشغل، وجيهان عندها حق في طموحها وحقها في مال والدها. وعشان نقطع الشك باليقين، أنا عندي حل وسط.
صمت عدنان للحظة ليشد انتباههم ثم تابع:
ـ جيهان هتنزل الشركة من بكرة، وهتمسك ملفات هندسية محددة تحت إشرافي أنا شخصياً. قدامك يا جيهان ٣ شهور فترة اختبار. لو قدرتي تثبتي نفسك وتواكبي الشغل وتطلعي نتائج حقيقية، هتفضلي في مكانك وبصلاحيات كاملة. لكن.. لو حسيتي إنك مش قادرة أو فشلتي في إثبات كفاءتك، يبقى ترجعي لبيتك ولبناتك وتسيبي الإدارة ليوسف ولأهل الاختصاص.. ها، قولتوا إيه؟
اتسعت عينا يوسف بضيق؛ فثلاثة أشهر بالنسبة لجيهان هي وقت أكثر من كافٍ لتقلب الموازين، بينما لمعت عينا جيهان بتحدٍ واثق وقالت فوراً:
ـ أنا موافقة يا عمي.. والتحدي ده أنا اللي هكسبه.
أما سميرة، فكانت تراقب الاتفاق بذهول، وهي تدرك أن جيهان الآن فتحت لنفسها باباً لن يغلق أبداً، وأن يوسف سيقضي الشهور القادمة في محاولة لعرقلتها، لكنه لا يعرف أن جيهان لم تعد تخسر.
نهض عدنان القاضي من مقعده، وقام بتعديل هندام سترته وهو ينظر إلى ساعة يده، ثم وجه نظره إليهم قائلاً بنبرة حسمت النقاش:
ـ خلاص، الموضوع انتهى والقرار اتأخد. أنا هتأخر على مواعيدي في الشركة، لازم أمشي دلوقتي. جيهان.. هستناكي بكرة الصبح في مكتبي علشان نستلم الملفات اللي هتبدأي بيها. يا ريت تكوني جاهزة.
لم ينتظر رداً، بل تحرك بخطواته الوقورة وغادر المنزل، تاركاً خلفه جواً مشحوناً بالكهرباء. كان يوسف يقف مشدوهاً، ينظر إلى الباب الذي أغلقه والده ثم يلتفت نحو جيهان. اقترب منها بضع خطوات، وعيناه تشتعلان بمزيج من الغضب والتحدي، وقال بصوت منخفض وحاد:
ـ إنتي فاكرة إنك كسبتي الجولة يا جيهان؟ إنتي بس حطيتي نفسك في موقف صعب قدام والدي وقدامي. عموماً، أنا مش هتكلم دلوقتي عشان ورايا شغل.. بس لما أرجع بالليل، هيكون لنا كلام تاني خالص، ومفتكرش إنه هيعجبك.
أخذ يوسف مفاتيحه وهاتفه، وغادر الفيلا بسرعة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، تاركاً جيهان وسميرة وحدهما في الصالة.
ساد الصمت للحظات، حتى اقتربت سميرة من جيهان، وكانت ملامحها تعكس حيرة شديدة وتساؤلات لا تنتهي. نظرت إلى جيهان طويلاً، ثم سألتها بنبرة خافتة مشوبة بالتعجب:
ـ إيه يا جيهان؟ إيه اللي بتعمليه ده؟ أنا كنت فاكرة إنك هتقومي الدنيا عشان اللي يوسف عمله، أو تطلبي الطلاق، أو حتى تمنعي العروسة الجديدة تدخل هنا.. تروحي تطلبي تشتغلي في الشركة؟ ليه يا بنتي قررتي القرار ده دلوقتي؟ وإيه اللي في دماغك بالظبط؟
جلست جيهان بهدوء، وأخذت رشفة من قهوتها التي كانت قد بردت تماماً، ثم نظرت لسميرة بابتسامة غامضة وقالت:
ـ الطلاق يا سميرة هو اللي يوسف ونور عايزينه، عشان يفضالهم الجو. لكن أنا مش هسيب ليهم الساحة فاضية. أنا قررت أرجع جيهان المهندسة علشان هي دي الوحيدة اللي هتقدر تقف قدام يوسف وتجبره يحترمني، مش كزوجة وبس، لكن كشريكة وندية ليه. اللي في دماغي أكبر بكتير من مجرد غيرة يا سميرة.. بكرة هتعرفي كل حاجة.
نظرت سميرة إلى جيهان والقلق ينهش ملامحها، وقالت بصوت خافت يعبر عن مخاوفها الحقيقية:
ـ يا جيهان، إنتي في الآخر من عيلة القاضي، واسمك من اسمهم.. طبيعي إنهم مهما حصل يقفوا معاكي ويحموكي لأنك واحدة منهم. لكن أنا؟ أنا هنا الغريبة عنهم، وأي عاصفة هتحصل بينك وبين يوسف في الشركة، أنا اللي هخاف منها.. خايفة يوسف يفرغ غضبه فيا وفي ولادي لو حس إنه مخنوق منك.
أمسكت جيهان يد سميرة، ونظرت في عينيها بنظرة تحمل صدقاً وقوة، وقالت لتطمئنها:
ـ اطمني يا سميرة، كوني من العيلة ده سلا.ح هستخدمه علشان أحمينا كلنا مش علشان أقف ضدك. جولتي دلوقتي مع يوسف ومراته اللي جاية، وأنا لازم أثبت نفسي قدام الكل عشان كلمتي تكون مسموعة. ثقي فيا.. أنا مش بس بحا.رب عشان جيهان، أنا بحا.رب عشان أقدر أقف على رجلي وأساعدك إنتي كمان عشان خاطر ولادك اللي مالهمش ذنب. وجودي في الشركة هيخلي ليا سلطة تخليني أحميكي وأحمي حقوقنا.
بدأت كلمات جيهان تتسلل لقلب سميرة لتهدئ من روعها قليلاً. وبعد لحظات من الصمت، صعدت كل منهما إلى غرفتها، والكل يفكر في الغد الذي لن يشبه ما قبله.
في غرفتها، كانت سميرة تستلقي على فراشها وعيناها تجوبان الفراغ، تفكر في شكل الحياة القادمة وكيف ستتغير موازين القوى بدخول جيهان معترك العمل.
أما جيهان، فقد شعرت بنشاط غريب يسري في جسدها، وكأنها نفضت عنها غبار سنوات من الاستسلام. اتجهت إلى خزانة ملابسها وبدأت تجهز ملابس العمل الرسمية، وتراجع أوراقها الهندسية القديمة بتركيز حادقنا كلنا.
بدأت كلمات جيهان تتسلل لقلب سميرة لتهدئ من روعها قليلاً. وبعد لحظات من الصمت، صعدت كل منهما إلى غرفتها، والكل يفكر في الغد الذي لن يشبه ما قبله.
في غرفتها، كانت سميرة تستلقي على فراشها وعيناها تجوبان الفراغ، تفكر في شكل الحياة القادمة وكيف ستتغير موازين القوى بدخول جيهان معترك العمل.
أما جيهان، فقد شعرت بنشاط غريب يسري في جسدها، وكأنها نفضت عنها غبار سنوات من الاستسلام. اتجهت إلى خزانة ملابسها وبدأت تجهز ملابس العمل الرسمية، وتراجع أوراقها الهندسية القديمة بتركيز حاد. كانت تعد العدة ليس لمجرد وظيفة، بل لمهمة مقدسة لاستعادة كيانها الذي أوشك على الضياع.
❈-❈-❈
اتجه يوسف إلى الشركة والضيق ينهش صدره، فكرة وجود جيهان معه في نفس الممرات والمكاتب كانت تشعره بأن حصونه بدأت تتهاون. دخل مكتب والده مسرعاً، محاولاً إجراء محاولة أخيرة لثنيه عن هذا القرار.
وقف يوسف أمام مكتب والده وقال بنبرة ملحة:
ـ يا بابا، أرجوك فكر تاني. وجود جيهان في الشركة هيعمل حساسية ملهاش لازمة، وهيأثر على تركيز المهندسين والعمال. بلاش نخلط بين مشاكل البيت والشغل، أنا مستعد أراضيها بأي طريقة تانية غير دي.
لم يرفع عدنان عينيه عن الأوراق التي كانت أمامه، ورد بصوت هادئ ومحمل بالخبرة:
ـ الموضوع منتهي يا يوسف. أنا مادتهاش تعيين دائم، أنا اديتها فترة اختبار. ٣ شهور لو أثبتت فيهم كفاءتها الهندسية اللي أنا عارفها، يبقى هي أولى بحقها وحق ولادها. ولو فشلت.. هترجع بيتها معززة مكرمة وتبقى هي اللي اقتنعت من جواها إن مكانها البيت. سيب الأمور تمشي وورينا شطارتك إنت كمان.
في تلك اللحظة، دخل تامر المكتب، ولاحظ على الفور علامات التوتر والارتباك على وجه شقيقه يوسف. نظر إليهما بتعجب وسأل بابتسامته المعتادة التي تحاول تلطيف الأجواء:
ـ إيه يا جماعة؟ مالك يا يوسف وشك قالب ألوان كدة ليه؟ هو فيه مشروع جديد طار مننا ولا إيه؟
التفت عدنان نحو ابنه الأصغر وقال بلهجة جادة:
ـ لا يا تامر، مفيش مشاريع طارت.. فيه مهندسة جديدة هتنضم لينا. جيهان هتنزل تستلم ملفات في الشركة من بكرة الصبح.
اتسعت عينا تامر بصدمة، ونظر إلى يوسف ثم عاد بنظره لوالده وقال بعدم تصديق:
ـ جيهان؟! جيهان مرات يوسف هتنزل تشتغل معانا هنا في الشركة؟ بجد يا بابا؟
أومأ عدنان برأسه إيجاباً، بينما كان يوسف يزفر في ضيق وهو يرى ملامح الدهشة على وجه تامر، مدركاً أن الخبر سينتشر في الشركة كالنا.ر في الهشيم، وأن الجميع سيكون بانتظار رؤية المهندسة جيهان القاضي وهي تخطو أولى خطواتها في مملكتهم.
التفت عدنان نحو ابنه الأصغر تامر، وقال له بنبرة تحمل تكليفاً واضحاً:
ـ تامر، عايزك تجهز مكتب لجيهان يكون قريب من مكتبي هنا.. جهزه بكل الإمكانيات اللي تحتاجها مهندسة في مكانتها.
لم يحتمل يوسف سماع المزيد، فشعر وكأن الجدران تضيق عليه، وزفر بضيق شديد ثم استأذن وغادر المكتب بخطوات سريعة وغاضبة، تاركاً خلفه دوامة من التساؤلات.
بمجرد خروج يوسف، أشار عدنان لتامر بالجلوس، وانحنى نحوه قليلاً وقال بصوت خفيض يحمل الكثير من القلق والحكمة:
ـ تامر.. أنا عايزك تفضل مع جيهان وتدعمها بكل قوتك. أنت عارف أخوك كويس، يوسف مش هيقبل بالوضع ده بسهولة، وأكيد هيحاول يعرقل قدامها المهام ويصعب عليها الشغل علشان يثبت فشلها ويرجعها البيت. خليك عينها اللي بتشوف بيها وسندها في الشركة.
تأثر تامر بكلام والده، فهو يعلم مدى ذكاء جيهان ومدى قسوة يوسف حينما يتعلق الأمر بسلطته، فهز رأسه بالموافقة وقال بجدية:
ـ متشيلش هم يا بابا، جيهان أختي وده حقها، وأنا هكون موجود جنبها ومش هسمح لأي حد يعطلها. هقوم دلوقتي أشرف بنفسي على تجهيز المكتب عشان يكون جاهز لاستقبالها الصبح.
خرج تامر من مكتب والده متوجهاً لتنفيذ المهمة، بينما ظل عدنان القاضي مكانه، ينظر إلى الفراغ ويفكر في شركة القاضي التي أصبحت الآن ساحة لمواجهة من نوع جديد، مواجهة لن تحسمها العقود فقط، بل ستحسمها قوة الإرادة.
ساد التوتر في مكاتب الشركة طوال ذلك اليوم، فقد كان يوسف كالقـ.ـنبلة الموقوتة التي تنـ.ـفجر في وجه كل من يقترب منها. لم يسلم أحد من غضبه؛ صرخ في وجه السكرتارية، وانتقد المهندسين بقسوة غير مبررة، ورفض تقارير كانت مقبولة بالأمس. كان الجميع يتهامس في الممرات عن سر هذه العاصفة اليوسفية، بينما كان هو يحاول تفريغ شعوره بالتهديد وفقدان السيطرة في كل من حوله.
أنهى يوسف لقاءاته المتوترة، وأغلق مكتبه بعنف، ثم غادر الشركة متوجهاً إلى المنزل وهو يغلي من الداخل.
عندما وصل إلى الفيلا مساءً، استقبله صمت غريب لم يعتده. لم يجد أحداً في استقباله عند الباب كالعادة؛ لا جيهان بابتسامتها الهادئة التي كانت تمتص غضبه، ولا حتى سميرة التي كانت تحرص دائماً على الوجود في الجوار. كان المنزل هادئاً بشكل موحش، وكأن الجميع قد انسحبوا إلى عوالمهم الخاصة استعداداً لمعركة الغد.
صعد الدرج بخطوات ثقيلة، ودخل غرفته ليبدل ملابسه. كان يخلع رابطة عنقه بعصبية وهو ينظر إلى المرآة، وصورة جيهان المهندسة لا تفارق خياله. كان يريد أن ينهي هذا التمرد قبل أن يبدأ، فقرر أنه بمجرد أن ينتهي، سيتوجه لغرفة جيهان ليضع النقاط على الحروف في ذلك الكلام الذي وعدها به في الصباح.
كان يشعر أن هذا الهدوء الذي يلف المنزل هو مجرد هدوء ما قبل العاصفة، وأن مواجهته القادمة مع جيهان لن تكون كسابقاتها.
خرج يوسف من غرفته بعد أن بدل ملابسه، محاولاً تهدئة أنفاسه ورسم قناع من الرزانة على وجهه. سار بخطوات مدروسة نحو غرفة جيهان، طرق الباب ودخل ليجدها جالسة بهدوء يحسد عليه، محاطة ببعض الأوراق والكتب الهندسية التي بدأت في مراجعتها.
جلس يوسف في المقابل لها، وخفض نبرة صوته محاولاً أن يبدو ناصحاً ومشفقاً، لا غاضباً، حتى لا يدفعها للعناد أكثر:
ـ جيهان.. أنا جيت أتكلم معاكي بهدوء بعيداً عن نرفزة الصبح. فكري تاني يا جيهان، إنتي طول عمرك برنسيسة في بيتك، الشغل في الشركة ووسط المقاولين والمواقع بهدلة وتعب ميرضنيش ليكي. أنا مش عايزك تفقدي راحتك عشان مجرد إثبات وجهة نظر.. لو عايزة تزودي مصروفك أو تشتري أي حاجة، أنا تحت أمرك، بس بلاش موضوع الشركة ده.
نظرت إليه جيهان بعينين لم يعد يلمح فيهما ذلك الضعف القديم، وقالت بصوت رخيم وثابت:
ـ أنا مش خارجة علشان الفلوس يا يوسف، إنت أكتر واحد عارف إن الفلوس عمرها ما كانت همي. أنا خارجة علشان أسترد جيهان اللي ضاعت في خدمة البيت ده. موضوع الشركة مش رفاهية، ده قرار نهائي، وأنا مستعدة للتعب والبهدلة اللي بتقول عليها.
حاول يوسف مرة أخرى، وضيق عينيه وهو يقترب منها قليلاً:
ـ يا جيهان، إنتي بقالك سنين بعيدة، والناس في الشركة لسانها طويل، مش عايزك تحطي نفسك في مواقف تضايقك أو تحسي إنك أقل من المهندسين اللي هناك. ارجعي عن القرار ده عشان خاطري وعشان خاطر استقرار البيت.
ابتسمت جيهان ابتسامة خفيفة، لكنها كانت كفيلة بإشعال القلق في قلبه مجدداً، وردت بكلمات قاطعة:
ـ لو خايف على استقرار البيت، كنت فكرت في ده قبل ما تاخد قرارات تانية يا يوسف. أما بخصوص كفاءتي، فالثلاث شهور اللي عمي عدنان وافق عليهم هما اللي هيحكموا. أنا مش هتراجع.. وبكرة الصبح هكون في الشركة في ميعادي.
أدرك يوسف في تلك اللحظة أن كل محاولات الاحتواء الزائفة قد فشلت أمام جدار إصرارها الصلب. نهض من مكانه، وقد بدأ الغضب يتسرب لملامحه من جديد، لكنه لم ينطق بكلمة أخرى، وغادر الغرفة وهو يشعر أن جيهان التي كانت تحت طوعه قد اختفت للأبد، وحلت محلها المهندسة جيهان القاضي التي لا تقبل المساومة.
يتبع...
