-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 4 - الأربعاء 14/1/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 

الفصل الرابع

تم النشر الأربعاء 

14/1/2026



دخلت سميرة الصالة بخطوات ثقيلة، ملامحها كانت تحمل مزيجاً من الإرهاق والحذر. رآها تامر فنهض تلقائياً؛ وبالرغم من أن العلاقة بينهما كانت دائماً مشوبة بالتوتر بسبب حدة طباع سميرة وتدخلاتها السابقة، إلا أن رؤيته لها وهي مكسورة الجناح هكذا أيقظت في قلبه شفقة لم يتوقعها.

هز تامر رأسه محيياً بصوت منخفض:

ـ أهلاً يا سميرة.. إزيك وإزي الولاد؟

ردت سميرة باقتضاب وهي تجلس بعيداً قليلاً عن جيهان:

ـ الحمد لله يا تامر.. كويسين.

ساد صمت ثقيل في المكان، كان تامر ينظر لجيهان ثم لسميرة، ويشعر بغصة في حلقه؛ فهاتان المرأتان اللتان لم تتفقا يوماً، يجمعهما الآن وجع واحد وخصم واحد هو شقيقه. تامر كان يعلم أن يوسف يرى نفسه قوياً بقراراته، لكنه هنا، في هذه الصالة، كان يرى ضحايا تلك القوة المزعومة.

كسرت جيهان الصمت وهي تنظر لسميرة بنظرة هادئة، وكأنها تدعوها للانضمام للحوار:

ـ تامر كان لسه بيطمنا يا سميرة.. بس الظاهر إن يوسف مصمم يكمل اللي في دماغه للآخر.

نظرت سميرة لتامر وسألته بنبرة فيها حدة يائسة:

ـ هو أخوك ناوي على إيه تاني يا تامر؟ العفش اللي قال عليه ده هيوصل إمتى؟ والهانم الجديدة هتشرفنا إمتى عشان تكمل اللمة؟

ارتبك تامر، فهو لم يرد أن يكون هو مرسال الأخبار السيئة، لكنه قال بصدق:

ـ يا سميرة، يوسف دلوقتي مش في وعيه، الضغط عليه من كل ناحية.. حتى بابا هددوا النهاردة في الشغل بسببي، وده خلاه أعند وأصعب. أنا مش جاي أدافع عنه، أنا جاي أقولكم إنكم لازم تكونوا أقوى من كدة عشان خاطر الولاد.

اشتعلت عينا سميرة ببريق من الغضب المكتوم، والتفتت إلى تامر ملوحةً بيدها بانفعال لم تستطع كبته أكثر من ذلك، وقالت بنبرة حادة:

ـ عاوزنا نسكت يعني على جنان أخوك يا تامر؟ نسقف له وهو بيـهـ.ـد.م كل طوبة بنيناها معاه؟ إنت جاي تقولنا خليكم أقوى.. القوة دي نعمل بيها إيه وهو جايب واحدة تانية تقعد على قلبنا وتشاركنا في رزق عيالنا وفي بيتنا؟

ثم التفتت لجيهان وكأنها تستنجد بصمتها:

ـ السكوت مبقاش ينفع يا جيهان.. السكوت هو اللي خلاه يفتكر إننا ملناش ضهر، وإنه يقدر يدوس علينا وقت ما يحب.

تامر شعر بالحرج والضيق، فهو يعلم أن كلام سميرة، برغم حدته، يحمل حقيقة موجعة. حاول تهدئتها قائلاً:

ـ يا سميرة، أنا مقولتش اسكتوا.. أنا بقول بلاش القرارات اللي بتيجي وقت الغضب. يوسف دلوقتي عامل زي اللي غرقان وبيخبط في الكل، وأنا خايف لو وقفتوا قدامه في اللحظة دي، يخسركم ويخسر نفسه.

ردت سميرة بسخرية مريرة:

ـ هو فعلاً خسرنا يا تامر.. خسرنا من اللحظة اللي فكر فيها يكسـ.ـرنا. ولو هو غر.قان، إحنا مش هنكون القشة اللي هتنقذه، إحنا كمان لينا حق، والحق مبيجيش بالسكوت.

جيهان كانت تتابع الحوار بهدوء غريب، وكأنها ترسم خطة بعيدة المدى في خيالها، ثم قالت بصوت منخفض جعل الجميع ينتبه إليها:

ـ السكوت أنواع يا سميرة.. فيه سكوت عجز، وفيه سكوت انتظار. وأنا مش عاجزة، أنا بس مستنية أشوف يوسف هيوصل لحد فين.. عشان لما الضربة تيجي مني، تكون هي الأخيرة.

ساد صمت مهيب في الصالة بعد كلمات جيهان الأخيرة، صمتٌ كان أثقل من أي صر.اخ. نظر تامر إليها بوجل، وكأنه يكتشف وجهاً جديداً للمرأة التي عاشت بينهم سنوات كالنسمة الرقيقة. أما سميرة، فبرغم نيران غضبها، إلا أنها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها؛ فهدوء جيهان لم يكن استسلاماً، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

لقد ظن يوسف أن طيبة جيهان ضعف، وأن صبرها على وجود سميرة قلة حيلة، لكنه تناسى أن أعظم النيران تبدأ من شرارة صغيرة تُلقى في الظلام. جيهان الآن لا تدافع عن كرامتها كزوجة فحسب، بل تدافع عن كيانها الذي استهان به الجميع.

قامت جيهان من مقعدها ببطء، ونظرت نحو النافذة المطلة على بوابة الفيلا، وقالت بنبرة جليدية:

ـ يوسف فاكر إنه هو اللي بيوزع الأدوار في الرواية دي.. ميعرفش إن البطل ممكن ينسحب في نص المشهد ويسيب المسرح يتهـ.ـد على اللي فيه. سميرة، إنتي كنتي وجعي الأول وقبلت بيكي عشان كنت فاكرة إن قلبه لسه فيه مكان ليا.. لكن دلوقتي، الأبواب اللي اتفتحت مش هتتقفل غير لما الكل يعرف قيمة اللي كان في إيده وضيعها.

التفتت لتامر الذي كان يراقبها بذهول وتابعت:

ـ تامر.. روح لبيتك يا حبيبي. مش عايزة حد من عيلة القاضي يشيل ذنب اللي جاي. يوسف بدأ اللعبة، وأنا اللي هحط كلمة النهاية.

في تلك اللحظة، سُمع صوت محرك سيارة نقل ثقيلة تتوقف أمام باب الفيلا، تلاها صوت جرس الباب الذي رنّ بعنف.. لقد وصل أثاث الزوجة الجديدة، ووصلت معه اللحظة التي ستفتح فيها جيهان أبواب الجحـ.ـيم بطريقتها الخاصة.

أومأ تامر برأسه بالموافقة على مضض، وقد تملكه شعور غريب بالرهبة من نبرة جيهان. لم يكن طلبها مجرد حرص على الأصول بوجود رجل في المنزل أثناء دخول العمال، بل بدا وكأنها تأمره بأن يشهد على اللحظة التي يُهـ.د.م فيها مسمى البيت الواحد ليُبنى مكانه كيان جديد مشوه.

وقف تامر عند مدخل الصالة يوجه العمال بضيق، بينما ظلت جيهان واقفة في مكانها، شامخة كتمثال من رخام، تراقب قطع الأثاث المغلفة وهي تمر من أمامها؛ سرير ضخم، مرايا كبيرة، وخزائن.. كل قطعة كانت تمر، كانت بمثابة مسمار جديد يُدق في نعش علاقتها بيوسف، لكنها لم ترفّ لها عين.

أما سميرة، فكانت تراقب جيهان أكثر مما تراقب الأثاث. سميرة التي طالما كانت هي مصدر الضجيج والمشاكل، شعرت فجأة بأنها صغيرة أمام هذا الهدوء المخيف. أدركت سميرة أن قوتها كانت مجرد رد فعل وصر.اخ، أما قوة جيهان فهي قوة فعل وتخطيط. همست سميرة لنفسها بوجل:

ـ إنتي ناوية على إيه يا جيهان؟ ده أنا اللي طول عمري بيقولوا عليا القوية، خايفة من نظرة عينيكي دلوقتي.

استمر العمال في الصعود والهبوط، وأصوات المطارق وهي تركب قطع الأثاث في الغرفة المخصصة للعروس الجديدة كانت تطرق في رؤوس الجميع كطبول الحرب. جيهان لم تنبس ببنت شفة، بل كانت تتابع المشهد وكأنها تشاهد فيلماً سينمائياً لا يخصها، وفي داخلها كانت ترتب أوراقها النهائية.

انتهى العمال، ووقع تامر على أوراق الاستلام وانصرفوا. خيم سكون ثقيل على الفيلا، سكون لم يقطعه إلا صوت جيهان وهي تلتفت لسميرة وتامر قائلة بكل برود:

ـ دلوقتي العفش ركب، والأوضة بقت جاهزة.. تفتكروا يوسف لما يرجع هيقدر ينام مرتاح في الأوضة دي وهو عارف إن كل ركن فيها اتبنى على قهرنا؟

ثم نظرت لتامر وقالت:

ـ تقدر تمشي يا تامر.. كتر خيرك. الليلة دي، مفيش حد هينام في البيت ده وهو حاسس بالأمان.

غادر تامر الفيلا وهو يشعر بضيق تنفس في صدره، أخرج هاتفه وأرسل رسالة مقتضبة ليوسف: 

ـ العفش وصل وركب يا يوسف.. جيهان هي اللي استلمته بنفسها. البيت هادي زيادة عن اللزوم، وده اللي قلقني.

في الداخل، صعدت جيهان الدرج بهدوء لا تشوبه شائبة، لم تلتفت خلفها ولم تظهر أي انفعال، وكأنها تؤدي طقساً يومياً روتينياً. ظلت سميرة واقفة في ركن الصالة، تلاحق طيف جيهان بعينيها؛ كانت تشعر بداخلها بانهيار تام، فغرورها وصراخها لم ينفعاها أمام جبروت يوسف، لكنها رأت في هدوء جيهان قوة لم تملكها يوماً.

حسمت سميرة أمرها؛ هي تعلم أن يوسف إذا كـ.ـسر جيهان اليوم، فسيأتي الدور عليها غداً، وأن وجود نور في البيت يعني تهميشهما معاً. تحركت سميرة وصعدت خلفها، طرقت باب غرفة جيهان بتردد لم تعهده من قبل، ثم دخلت لتجد جيهان تقف أمام مرآتها، تخلع قرطها ببطء شديد.

تحدثت سميرة بنبرة مهزوزة ولكن صادقة:

ـ جيهان.. أنا عارفة إن اللي بينا مكنش سهل، وعارفة إني تعبتك كتير السنين اللي فاتت.. بس يوسف النهاردة داس علينا إحنا الاتنين. أنا جاية أقولك إني معاكي، إيدي في إيدك يا بنت الأصول.. قوليلي هنعمل إيه في المصيبة دي؟

نظرت جيهان لسميرة عبر المرآة، لم تبتسم ولم تغضب، بل كان في عينيها نظرة عميقة جعلت سميرة تصمت بانتظار الرد.

مر شريط ذكريات مرير أمام عيني جيهان كأنه فيلم محر.وق؛ تذكرت سميرة وهي تدخل هذا البيت لأول مرة، تذكرت نظرات الانتصار في عينيها حينها، وكيف كانت تحاول دائماً استعراض مكانتها الجديدة لتهميش جيهان. تذكرت النكد الذي كانت تختلقه سميرة لتنفرد بيوسف، وكيف صمدت هي أمام كل ذلك بمرارة مكتومة.

اقتربت جيهان من سميرة بخطوات وئيدة، ووقفت أمامها مباشرة. ساد صمت طويل، كانت جيهان تتأمل وجه سميرة بدقة، تبحث في عينيها عن صدق الندم أو ملامح خديعة جديدة. هل تريد سميرة حقاً تحالفاً؟ أم أنها تخشى الضرة الجديدة وتريد استخدام جيهان كـ درع تصد به العاصفة، لتبقى هي في النهاية الزوجة المفضلة؟

ابتسمت جيهان ابتسامة غامضة، ولمست كتف سميرة برقة جعلت الأخيرة ترتجف، ثم قالت بصوت هادئ ومنخفض:

ـ الزمن دوار يا سميرة.. اللي كنتي بتعمليه فيا زمان، خايفة دلوقتي يتعمل فيكي؟ وإيه اللي يضمن لي إنك مش عايزة تستخدميني عشان تخلصي من نور وبعدين ترجعي تحا.ربي فيا أنا تاني عشان تتسيدي البيت؟

ارتبكت سميرة وحاولت الكلام، لكن جيهان وضعت سبابتها على شفاهها لتسكتها وتابعت:

ـ أنا مش محتاجة أصدقك أو أكذبك يا سميرة.. لأن اللعبة اللي بدأت النهاردة أكبر مني ومنك. إنتي عايزة تحالف؟ تمام.. بس خليكي عارفة، اللي بيمشي في طريقي مبيرجعش لورا. والبيت ده، إدارته مبقتش فارقة معايا.. أنا فارق معايا حاجة واحدة بس، إن يوسف يعرف إن الله حق.

ثم نظرت لها نظرة نافذة وقالت:

ـ دلوقتي انزلي، وجهزي نفسك.. يوسف زمانه على وصول، وعايزة الاستقبال يكون يليق بـ الانتصار اللي فاكر إنه حققه.

نظرت سميرة إلى جيهان بذهول، واتسعت عيناها وهي لا تصدق ما تسمعه. هل تطلب منها جيهان حقاً أن ترسم ابتسامة وتستقبل الرجل الذي أهان كرامتهما منذ ساعات؟ الرجل الذي صفعها أمام الجميع وكسر قلب جيهان بدم بارد؟

هتفت سميرة بنبرة يملؤها الاعتراض والتعجب:

ـ استقبال؟ إنتي بتقولي إيه يا جيهان؟ بعد ما ضر.بني وهانك وكسـ.ـرنا قدام الكل، عايزاني أنزل أستقبله كأنه راجع بفتح مبين؟ أنا كنت فاكرة إنك هتقوليلي نو.لع في العفش ده أو نسيب له البيت ونمشي.. مش تقوليلي استقبليه!

تتبدل ملامح جيهان، بل ظلت محتفظة ببرودها الأسطوري، واقتربت من سميرة خطوة إضافية وقالت بهدوء مخيف:

ـ يا سميرة، اللي بيحا.رب بسيف مكـ.ـسور لازم يحارب بالعقل. يوسف دلوقتي مستني يشوفنا منهارين، أو بنعيط، أو بنلم هدومنا وبنمشي.. هو عايز يحس بضعفنا علشان يحس بقوته. لو نزلتي واستقبلتيه بهدوء، كأن العفش اللي دخل ده مجرد كراسي زيادة في البيت، إنتي كدة بتسحبي منه لذة الانتصار.

ثم تابعت وهي تضع يدها على مقبض الباب لتنهي النقاش:

ـ لما يحس إن حركته دي مهزتش فينا شعرة، هيبدأ يشك في نفسه، وفينا. انزلي يا سميرة.. خليه يدخل يلاقي البيت هادي، والبنات نايمين، وإحنا قاعدين بنشرب قهوتنا كأن مفيش حاجة حصلت. ده هو الوجع الحقيقي لراجل زي يوسف.. إنه يحس إنه بقى عادي ومبقاش يقدر يحرك مشاعرنا.

بدأت سميرة تستوعب مكر جيهان؛ فالمسألة ليست خضوعاً، بل هي عملية كيّ بارد لأعصاب يوسف. أومأت برأسها ببطء، وكأنها تكتشف أبعاداً جديدة في شخصية ضرتها لم تكن تتخيلها.

❈-❈-❈

دخل يوسف الفيلا بخطوات واثقة، مرتدياً قناع المنتصر الذي لا يبالي، لكن هدوء المنزل القا.تل بدأ يتسرب إلى أعصابه. كان يتوقع صراخاً من سميرة أو عتاباً صامتاً من جيهان، لكنه وجدهما جالستين في الصالة كأن شيئاً لم يكن. لم تنهض جيهان لتقابله كما اعتادت، ولم تهرع سميرة لتشكو له ضيقها؛ مجرد نظرة باردة عابرة ثم عادتا لحديثهما الهادئ.

صعد يوسف إلى جناحه، وشعور بـ التجاهل ينهش كبرياءه. جلس على طرف الفراش ببدلته، يحدق في الفراغ، محاولاً فهم هذا التحول. دخلت جيهان الغرفة بخطوات وقورة، لم تنظر في عينيه مباشرة، بل اتجهت للخزانة وأخرجت ملابسه المنزلية ووضعتها بجانبه بآلية شديدة، وكأنها تؤدي واجباً تجاه غريب يسكن في منزلها.

بدل يوسف ملابسه في صمت ثقيل، يراقب حركاتها الرزينة. وقفت جيهان عند باب الغرفة، وقالت بنبرة خالية من الروح، نبرة السكرتيرة التي تسأل مديرها في العمل:

ـ تحب أحضر لك عشا، ولا اتعشيت بره؟

لم يكن في صوتها حنّية الزوجة التي تشتاق، ولا حتى نكد الزوجة التي تغار. كانت تسأل فقط لتتم مهامها المنزلية وتغلق اليوم.

نظر إليها يوسف بحدة، وكأنه يستفزها لتتكلم أو تنفجر، ورد بجفاء:

ـ لا مش عايز زفت.. أنا عايز أعرف إيه الهدوء اللي في البيت ده؟ والعفش اللي وصل، مشوفتش حد منكم فتح بقه ولا اعترض يعني؟

وقف يوسف أمامها يحاول قراءة تعابير وجهها الجامدة، وسألها بنبرة مستفزة عن صمتها تجاه العفش الجديد، لتفاجئه جيهان بردها الهادئ والقا.تل:

ـ عاوزنا نعمل إيه يا يوسف؟ اعتراضنا مش هيغير قرارك، ولو واحدة فينا اتكلمت هتضـ.ـربها تاني.. إحنا سكوتنا علشان ولادنا مش أكتر لكن الحب مات.

ساد صمت مرعب في الغرفة، تجمد يوسف في مكانه وكأن الكلمات شلّت حركته. نظر إليها بذهول وهو غير مصدق أن جيهان الرقيقة، حبيبته وزوجته الأولى، هي من تنطق بهذا الكلام. حاول أن يداري صدمته بغضب مصطنع وقال:

ـ بالسهولة دي يا جيهان؟ بتمحي كل اللي كان بينا عشان قرار شرعي خدته؟ الحب بيموت علشان خاطر جوازة؟

نظرت إليه جيهان بنظرة فارغة، لم يكن فيها عتاب ولا دمع، بل كان فيها عدم مبالاة مخيف، وردت عليه ببرود:

ـ الحب مماتش علشان الجواز يا يوسف.. الحب مات لما استهونت بينا، ولما مديت إيدك، ولما بقيت بتدوس على كرامتنا عشان ترضي غرورك. إحنا هنا عشان الأولاد، وعلشان شكلنا قدام الناس.. غير كدة، مفيش حاجة تانية بينا.

ثم سألته بنفس النبرة الجليدية، متجاهلة تماماً نظرات الغضب والذهول في عينيه:

ـ أنا سألتك.. تحب أحضر لك العشا، ولا اتعشيت بره؟

شعر يوسف وكأن الأرض تهتز تحت قدميه؛ هذه التي تقف أمامه ليست جيهان ابنة عمه، ولا هي تلك الفتاة الرقيقة التي كانت تذوب خجلاً من نظراته منذ طفولتهما. لقد تبدلت ملامحها، واستبدلت نظرات الحب بدروع من الجليد لا يمكن اختراقها. أحس يوسف بالعجز لأول مرة، فكل أسلـ.ـحته من غضب وجبر.وت تكـ.ـسرت أمام برودها، فآثر الانسحاب وغادر الغرفة سريعاً كي لا يرتكب حماقة جديدة أو يحدث صدام يكشف مدى انكساره أمامها.

بمجرد أن أُغلق الباب خلفه، تنفست جيهان الصعداء، لكن لم تكن هناك دموع، بل كان هناك تصميم غريب. أخرجت هاتفها واتصلت بـ عدنان القاضي.

رد عدنان بصوته الرزين:

ـ أهلاً يا جيهان يا بنتي.. خير، في حاجة حصلت؟

قالت جيهان بنبرة واثقة وهادئة:

ـ عمي.. أنا كنت عايزة حضرتك في موضوع مهم جداً، ومحتاجة أقعد مع حضرتك بكرة الصبح ضروري قبل ما تروح الشركة.

تنهد عدنان بعمق، وظن في نفسه أنها ستشكو له من وصول الأثاث أو تطلب منه التدخل لمنع زواج يوسف من نور، فقال بمواساة:

ـ عارف يا بنتي إن الحمل تقيل، وبكرة نتكلم ونشوف حل يرضيكي.. اهدي يا جيهان.

ردت جيهان بجملة واحدة جعلت عدنان يعقد حاجبيه بتعجب:

ـ الموضوع مش عن جواز يوسف يا عمي.. الموضوع يخصني أنا، وبكرة هتعرف كل حاجة. تصبح على خير.

أغلق عدنان الهاتف وهو يشعر بالقلق؛ فنبرة جيهان لم تكن نبرة زوجة مكــسورة تستنجد بوالد زوجها، بل كانت نبرة امرأة اتخذت قراراً سيغير مجرى الأمور تماماً. لم يكن أحد يعلم أن جيهان قررت أن تضـ.ـرب ضربتها الكبرى، ضربة لن تنهي علاقتها بيوسف فحسب، بل ستفاجئ الجميع، بمن فيهم عدنان نفسه،

مرت تلك الليلة على فيلا القاضي كأنها دهر من القلق؛ فالبيوت التي يسكنها الصمت المتعمد تكون أكثر ضجيجاً من تلك التي يملؤها الصراخ.

سميرة ظلت تتقلب في فراشها، تنظر إلى السقف وتتساءل: هل كانت قوتها وصوتها العالي مجرد سلا.ح فارغ؟ لأول مرة تشعر بالخوف الحقيقي، ليس من نور القادمة، بل من نفسها؛ كيف ستستمر في هذه اللعبة؟ وهل سيكون تحالفها مع جيهان حبل نجاة أم غر.قاً في دوامة أكبر؟

أما يوسف، فكان غارقاً في دوامة من التشتت. كلمات جيهان الحب مات كانت تتردد في أذنيه كوقع الطبول. حاول أن يقنع نفسه بأنه الرجل وأنه فعل الصواب، لكن صورة جيهان الجديدة ببرودها القا.تل كانت تكـ.ـسر كبرياءه. لأول مرة يشعر أن امتلاكه للبيت والعفش والمال لا يعني امتلاكه لمن فيه.

وفي جناحها الهادئ، كانت جيهان هي الوحيدة التي لم يزر النوم جفنها، ليس حزناً، بل ترتيباً. كانت تراجع في ذهنها كل كلمة ستقولها لعدنان القاضي. كانت تعلم أن ما تنوي فعله سيُسقط الأقنعة عن الجميع، وسيجعل يوسف يدرك أن ابنة الأصول التي صمتت طويلاً، كانت تبني جيشاً من الصبر لتطلقه في اللحظة المناسبة.

❈-❈-❈

بدأ صباح يوم جديد، لكنه لم يكن كأي صباح مضى في تلك الفيلا. استيقظت جيهان بهدوئها المعتاد الذي يخفي خلفه عاصفة، أعدت بناتها، راقبت تفاصيل يومهن وهي تهيئهن للذهاب إلى المدرسة، ثم اتجهت للمطبخ لتعد الإفطار بآلية ودقة.

نزلت سميرة الدرج، والشرر يتطاير من عينيها، ورغم الغـ.ـضب العارم الذي يسكنها بسبب كل ما حدث، إلا أنها عندما رأت ثبات جيهان، قررت أن تبتلع كلماتها مؤقتاً. كانت تراقبها بصمت، وقررت في نفسها أن تتحدث معها لاحقاً لتفهم ما الذي يدور في ذلك العقل الهادئ وما هي خطتها القادمة.

هبط يوسف من الأعلى، ملامحه كانت متجهمة، وجلسوا جميعاً على الطاولة. ساد هدوء ثقيل لم يقطعه إلا صوت الأطباق، حتى كـ.ـسر هذا السكون وصول عدنان القاضي.

رحب به الجميع، لكن يوسف لم يستطع إخفاء تعجبه، فسأل والده بدهشة:

ـ خير يا بابا؟ في حاجة حصلت علشان تيجي في وقت زي ده؟

لم يجبه عدنان، بل جلس وتناول معهم الإفطار في صمت زاد من توتر الموقف. وبعد الانتهاء، اتجهوا جميعاً إلى الصالة. هناك، لم يعد يوسف قادراً على الصبر، فكرر سؤاله لوالده عن سبب الزيارة المفاجئة، ليرد عدنان بهدوء وهو ينظر لجيهان:

ـ جيهان هي اللي طلبت تقابلني يا يوسف.

في تلك اللحظة، انضمت سميرة وجيهان إليهم بعد أن أحضروا القهوة. تعجبت سميرة بشدة؛ فقد كانت تظن أن زيارة عدنان عادية أو بمبادرة منه لإصلاح ما أفسده ابنه، ولم تتخيل أن جيهان هي من استدعته.

نظر عدنان لزوجة ابنه وسألها بوقار:

ـ ها يا جيهان يا بنتي.. طلبتيني وقولتي في موضوع مهم، أنا سامعك.

هنا، حسمت جيهان أمرها، ونظرت إليهم جميعاً بعينين لا تعرفان التردد، وقالت كلمتها التي وقعت كالصاعقة:

ـ قررت إني أنزل الشغل يا عمي.. أنا عايزة أبدأ أشتغل معاكم في الشركة.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة