-->

رواية جديدة بيت الضراير لفاطمة الزهراء - الفصل 3 - الأحد 11/1/2026

 

قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 

الفصل الثالث

تم النشر الأحد

11/1/2026



ألقى يوسف بهاتفه على المكتب بزفرة ضيق، وكأن الرنين المستمر والرسائل التي تظهر على الشاشة قيد جديد يُلتف حول عنقه. كان اسم نور يلمع بوضوح، تلك الفتاة التي اختارها لتكون الهروب من واقعه، أصبحت الآن عبئاً إضافياً فوق كاهله.

أغمض عينيه بقوة، محاولاً طرد صور جيهان وهي تبتعد عنه بهدوء، وصوت تامر وهو يشكك في رجولته. في هذه اللحظة، لم يشعر يوسف بالحب تجاه نور، بل شعر بالنفور من كل شيء ومن الجميع.

تمتم بضيق وهو يدلك جبينه:

ـ مش وقتك خالص يا نور.. مش وقته خالص.

كان يعلم أنها تنتظر منه كلمات الحب أو ترتيبات الزفاف، لكنه في تلك اللحظة كان يشعر بالهزيمة؛ كيف له أن يفتح بيتاً جديداً وهو يرى بيته الأول والأقدم ينهار كالرمال بين أصابعه؟ غضبه من نفسه ومن غيرته على جيهان جعله لا يطيق حتى سماع صوت نور الرقيق، الذي كان يراه سابقاً ملاذاً، والآن يراه مجرد ضجيج في يوم أسود.

دخل والد يوسف المكتب كالعاصفة، لم يطرق الباب ولم ينتظر ترحيباً، بل ألقى بملفات الميزانية على المكتب بخشونة جعلت يوسف ينتفض من مكانه. كان وجه الرجل العجوز محتقناً، وعيناه تقدحان شرراً، فهو الرجل الذي أفنى عمره في بناء هذه الإمبراطورية ولا يقبل أن يراها تهتز بسبب نزوات ابنه.

نظر إليه والده بنظرة حادة، وقال بصوت جهوري هز أركان المكتب:

ـ إيه اللي أنا شايفه في التقارير ده يا يوسف؟ الخساير عمالة تزيد، والصفقات اللي كانت مضمونة بتضيع من إيدينا.. إنت فين؟ عقلك فين؟

حاول يوسف أن يبرر قائلاً بصوت مخنوق:

ـ يا بابا أنا.. أنا بس كنت مضغوط الفترة اللي فاتت والمشاكل في البيت..

قاطعه والده بصرامة وهو يضرب بعصاه على الأرض:

ـ مشاكل البيت دي تترمي بره باب الشركة! أنا مابنيتش الصرح ده عشان إنت تهده بقلة تركيزك وانشغالك بالنسوان والجواز. الشركة دي محتاجة راجل عينه في وسط راسه، مش راجل شارد وناسي شغله.

صمت الوالد لحظة، ثم ألقى بالقـ.ـنبلة التي لم يتوقعها يوسف أبداً:

ـ اسمع يا يوسف، أنا معنديش عزيز ولا غالي لما يتعلق الأمر بشقايا. لو حال الشركة ماتصلحش في خلال أسبوع، أنا هصدر قرار بتعيين تامر مكانك وهسحب منك كل الصلاحيات. تامر لسه صغير بس عقله أنضج منك، وعلى الأقل عارف مصلحته فين.

وقع الكلمات على يوسف كان كالصاعقة؛ فالتهديد لم يكن مادياً فقط، بل كان طعنة في كبريائه أمام شقيقه الأصغر الذي غادر المكتب منذ قليل وهو يشكك في رجولته، والآن والده يهدده به في عمله.

شعر يوسف وكأن الأرض تهتز تحت قدميه؛ صدمته لم تكن من مجرد تهديد، بل من نكران والده لكل السنوات التي حفر فيها يوسف في الصخر ليجعل من اسم شركة القاضي رقماً صعباً في عالم المقاولات. هو من سهر، وهو من فاوض، وهو من بنى هذا المجد طوبة فوق طوبة.

لكن، وبقدر ما شعر بالظلم، كان يوسف صادقاً مع نفسه للحظة؛ نظر إلى الأوراق المبعثرة على مكتبه وأدرك أن والده لم يظلمه في الحقيقة. لقد سمح لمشاكله الشخصية، وتخبطه بين جيهان وسميرة ونور، أن يسحب البساط من تحت قدميه في المكان الذي كان يظن أنه ملكه الأوحد.

أخذ نفساً عميقاً، وحاول ابتلاع غضبه وكبريائه الجريح، ثم قال بصوت هادئ ومحمل بالثقة التي يحاول استعادتها:

ـ حقك عليا يا بابا.. أنا فعلاً انشغلت الفترة اللي فاتت، بس ده مش معناه إن يوسف القاضي كبر أو مابقاش قادر يدير مكانه. شركة القاضي دي اسمي قبل ما تكون اسمك، ومش أنا اللي هسمح لاسمنا إنه يتهز في السوق.

اقترب من والده بخطوات واثقة، وتابع بجدية:

ـ أوعدك إن من النهاردة مش هسمعك غير أخبار الصفقات اللي كسبناها. الأسبوع اللي طلبت فيه تعديل المسار، هيكون كفاية وزيادة عشان أرجع الشركة لمكانها الطبيعي في المقدمة.. المقاولات محتاجة يوسف، وأنا رجعت.

نظر إليه والده بنظرة فاحصة، وكأنه يبحث في عينيه عن ذاك الرجل القوي الذي لا تكسره العواصف، ثم هز رأسه ببطء وقال:

ـ أتمنى يا يوسف.. لأن المرة الجاية مفيش وعود، فيه قرارات. وريني يوسف القاضي اللي أعرفه.

خرج والده من المكتب، ليجد يوسف نفسه وحيداً أمام تحدٍ جديد؛ عليه الآن أن يفصل قلبه عن عقله، وأن يثبت للجميع ولنفسه أولاً أنه لا يزال القائد، حتى وإن كان بيته ينهار من الداخل.

بمجرد خروج والده، تحول يوسف إلى آلة عمل لا تهدأ؛ ضغط على زر الإنتركوم وطلب اجتماعاً طارئاً لكل رؤساء الأقسام فوراً. دخلوا القاعة ليجدوا يوسف القاضي الذي عرفوه في بداياته؛ حاد النظرات، دقيق الملاحظات، ومنغمساً في الأرقام والمخططات وكأنه لم يمر بأي أزمة شخصية منذ ساعات.

تحدث بلهجة احترافية صارمة، وضع النقاط على الحروف في كل الصفقات المتعثرة، وأعطى تعليمات واضحة لا تقبل النقاش، مما أعاد الروح والرهبة إلى نفوس الموظفين. كان يريد أن يثبت لنفسه قبل الجميع أنه لا يزال القائد الذي لا يُهزم في ميدان العمل.

بعد انتهاء الاجتماع الذي استمر لساعات، لملم أوراقه بجمود، والتفت لسكرتيرته قائلاً بنبرة جافة:

ـ أنا همشي دلوقتي.. لو حصل أي حاجة ضرورية بلغيني فوراً على الموبايل، غير كدة مش عايز أي إزعاج.

خرج يوسف من الشركة وهو يشعر بنوع من الانتصار المهني، لكن قلبه كان لا يزال ثقيلاً؛ فهو يعلم أن الهروب للعمل هو مجرد مسكن مؤقت، وأن المواجهة الحقيقية تنتظره خلف باب الفيلا.

❈-❈-❈

اتصل يوسف بنور، وبمجرد أن أجابت وصوتها يملؤه الفرح بمهاتفته، أخبرها بنبرة حاول أن تبدو طبيعية ومتحمسة: 

ـ جهزي نفسك يا نور، أنا في الطريق ليكي.. هنخرج النهاردة نختار عفش أوضتنا سوا.

هذا القرار من يوسف لم يكن مجرد رغبة في شراء الأثاث، بل كان محاولة منه للهروب للأمام، وكأنه يثبت لنفسه وللجميع أن قراره بالزواج الثالث لا رجعة فيه، مهما كانت الضغوط من والده أو شقيقه أو حتى وجعه الشخصي تجاه جيهان وسميرة.

وافقت نور على الفور وصوتها يملؤه الحماس، لكن في عقلها كانت تتردد كلمات والدها وتحذيراته المستمرة؛ فهو يرفض تماماً فكرة أن تعيش ابنته في بيت عيلة أو تحت سقف واحد مع زوجات يوسف السابقات، خاصة بعد ما سمعته عن قوة شخصية جيهان واندفاع سميرة.

بينما كانت تستعد للقائه، قررت نور أنها لن تترك هذه الفرصة تمر؛ ستستغل مشوار شراء الأثاث لفتح موضوع السكن المستقل. فهي تريد أن تبدأ حياتها مع يوسف كـ "ملكة" في مملكتها الخاصة، بعيداً عن نظرات العتاب أو المشاكل التي لا تنتهي في الفيلا.

وصل يوسف بسيارته، وركبت نور بجانبه، وبعد كلمات الغزل المعتادة التي حاول يوسف رسمها على وجهه المجهد، بدأت نور تمهد للموضوع بدلال:

ـ يوسف حبيبي.. أنا كنت بفكر في حاجة مهمة بخصوص أوضتنا اللي هنختار عفشها النهاردة.. تفتكر فعلاً هنكون مرتاحين في الفيلا وسط الدوشة والمشاكل؟ بابا قلقان عليا جداً، وبيقولي إن الأفضل لينا نبدأ حياتنا في مكان هادي.. مكان لينا لوحدنا يا يوسف.

نظرت إليه بترقب لترى رد فعله، في حين أن يوسف، الذي كان يهرب من مشاكل الفيلا بالعمل وبالخروج معها، وجد نفسه أمام مواجهة جديدة لم يحسب لها حساباً.

ابتسم يوسف بهدوء، لكنها كانت ابتسامة تحمل في طياتها حزماً لا يلين. نظر إليها وهو يمسك بعجلة القيادة، واستحضر في ذهنه حديثه السابق مع والدها، حيث وضع النقاط على الحروف منذ البداية.

رد عليها بنبرة هادئة ولكن قاطعة:

ـ يا نور، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كدة، وأنا وضحت لوالدك وجهة نظري. عيلة القاضي بتعيش تحت سقف واحد، ده نظامي ومش هغيره. جيهان وسميرة ليهم مكانتهم، وإنتي كمان ليكي نفس المكانة، وأنا موجود ومش هسمح لأي واحدة فيكم تتجاوز حدودها مع التانية.

ثم تابع وهو ينظر للطريق أمامه بجمود:

ـ أنا مش هتراجع عن قراري ده يا نور.. السكن في الفيلا هو اللي هيحفظ كيان البيت، وأنا عايزك تكوني جزء من العيلة دي مش معزولة عنها. خلينا نختار العفش اللي يليق بمكانك الجديد وسطنا.

حاولت نور جاهدة أن تخفي خيبة أملها خلف ابتسامة رقيقة مصطنعة، فهي أدركت الآن أن يوسف "القاضي" لا ينحني بسهولة أمام الرغبات، حتى وإن كانت رغباتها هي. قررت بذكاء أن تُغلق الموضوع مؤقتاً كي لا تُفسد اللحظة، فالمعركة لا تزال في بدايتها.

انطلقا إلى معرض الأثاث، وكان يوسف يتحرك كعادته بهيبة واضحة؛ اختار أفخم القطع التي تليق بمكانته، وأعطى تعليماته لصاحب المصنع بلهجة آمرة:

ـ العفش ده يتغلف كويس، ويوصل الفيلا في الميعاد اللي اتفقنا عليه.. مش عايز أي تأخير.

بعد انتهاء المهمة، توجه بها إلى أحد المطاعم الفاخرة المطلة على النيل. جلس يوسف أمامها يحاول أن يبتعد بذهنه عن صراعات الصباح، لكن شبح "الفيلا" كان يلاحقه حتى وهو يرى نظرات الإعجاب في عيني نور.

بينما كان النادل يقدم الطعام، نظرت إليه نور وقالت بنعومة وهي تحاول جس نبضه من جديد:

ـ ذوقك في العفش يجنن يا يوسف.. بس بجد، إنت متخيل رد فعلهم لما العفش يدخل البيت؟ أنا مش عايزة مشاكل من أول يوم، خصوصاً إن سميرة شكلها صعب، وجيهان.. جيهان غامضة أوي بالنسبة ليا.

يوسف، الذي كان يحاول الاستمتاع بلقمته، توقف للحظة. فالسؤال لمس جرحاً لم يندمل بعد، وذكرته نور دون أن تدري بصورة جيهان وهي تبتعد عنه بهدوء، وصورة سميرة وهي تضُم أطفالها.

توقف يوسف عن الطعام تماماً، ووضع الشوكة من يده ببطء وهو ينظر لنور بنظرة فاحصة اخترقت ارتباكها المحبب. عقد حاجبيه بدهشة، فكيف لـ نور التي لم تعتب باب الفيلا يوماً أن تصف جيهان بـ الغموض وسميرة بـ الصعوبة؟

قال يوسف بصوت منخفض ولكنه يحمل نبرة استجواب:

ـ جيهان وسميرة؟ وإنتي عرفتي طبعهم منين يا نور؟ إنتي لا شوفتيهم ولا قعدتي معاهم قبل كدة عشان تحكمي عليهم بالشكل ده!

ارتبكت نور قليلاً، وحاولت تدارك الموقف وهي تعبث بطبقها، ثم قالت بصوت خفيض:

ـ أنا.. أنا مسألتش يا يوسف، بس ندى هي اللي حكت ليا.. إحنا بنتكلم كتير مع بعض، وهي كانت بتفضفض لي عن الجو في البيت، وقالت لي إن جيهان ست مبيعرفش حد هي بتفكر في إيه، وسميرة عصبية وممكن تعمل مشاكل.

نزل اسم ندى كالصاعقة على يوسف. ندى، شقيقته الصغرى التي كان يظنها بعيدة عن كل هذه الصراعات، تبين أنها كانت تنقل أخبار البيت لخطيبته، بل وترسم لها صوراً ذهنية عن زوجاته. شعر يوسف بغضب مكتوم يغلي داخله؛ فبيته الذي كان يحاول إبقاء أسراره بداخله، أصبح "كتاباً مفتوحاً" لنور عن طريق شقيقته.

تمتم يوسف بضيق وهو يشعر أن الدائرة تضيق عليه من كل جانب:

ـ ندى؟ وندى تعرف منين إنك مهتمة تعرفي تفاصيل زي دي؟ وبعدين إزاي تطلع أسرار بيتنا ليكي قبل ما تدخلي البيت أصلاً؟

اشتعل الغضب في صدر يوسف، ليس فقط لأن خصوصية بيته استُبيحت، بل لأن ندى تحديداً هي من فعلت ذلك. ندى التي طالما كانت جيهان لها الأم والأخت الكبرى، التي ساندتها في دراستها وأسرارها الصغيرة، كيف لها أن تبيع كل هذا الود من أجل صداقتها بنور؟

أنهى يوسف الغداء بجمود، وصمتُه كان أبلغ من أي كلام. أوصل نور إلى منزلها، ورغم محاولاتها لتلطيف الجو، إلا أنه اكتفى بتوديعها باقتضاب. انطلق بسيارته نحو المنزل، وعقله لا يتوقف عن التفكير في "الخيانة" الصغيرة التي ارتكبتها شقيقته.

تجلس في الحديقة. اقترب منها بوجه عابس ونبرة حادة:

ـ ممكن أفهم يا ندى، من إمتى وإحنا بنطلع أسرار بيتنا بره؟ ومن إمتى وبقينا بنحكم على جيهان وسميرة وننقل صورتهم لنور وكأننا قاعدين في مجلس غيبة؟

ارتبكت ندى وحاولت الإنكار، لكن يوسف قاطعها بمرارة:

ـ جيهان يا ندى؟ جيهان اللي كانت بتداري عليكي وتدلعك وتعتبرك أختها الصغيرة؟ تهون عليكي كدة عشان ترضي صاحبتك؟ للدرجة دي بقيتي بتبيعي اللي صانك عشان خاطر كلام ملوش لازمة؟

ظلت ندى صامتة، تطرق برأسها نحو الأرض بآسى، فكلمات يوسف أصابت الحقيقة التي حاولت التغافل عنها؛ لقد باعت "سكنها وأمانها" المتمثل في جيهان من أجل بريق صداقة جديدة مع نور. دموعها كادت أن تفر من عينيها، لكن صوت وقع أقدام ثقيلة قطع هذه المواجهة.

اقترب عدنان القاضي، الوالد الذي تملأ هيبته المكان، متوكئاً على عصاه. نظر بساعة يده ثم نظر ليوسف بتعجب، فهو لم يعتد رؤيته في المنزل في هذا الوقت بعد أن وعده بالتركيز في الشركة، ثم التفت لندى التي كادت أن تنـ.ـفجر باكية.

قال عدنان بنبرة رخيمة ولكنها حازمة:

ـ إيه اللي مرجعك في وقت زي ده يا يوسف؟ وإيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ صوتك واصل لآخر الجنينة، والبت وشها جايب ألوان.. في إيه؟

نظر يوسف لوالده، وكان في صراع داخلي؛ هل يخبر والده أن ندى تنقل أسرار البيت لخطيبته، أم يصمت احتراماً لوالده وكي لا يزيد الفجوة في العائلة؟

أما ندى، فقد رفعت عينيها لوالدها برجاء، وكأنها تستنجد به من نظرات أخيها التي تذبحها باللوم.

رغم غضبه العارم، إلا أن غريزة الأخ الأكبر وحمايته لشقيقته تغلبت عليه؛ فهو يعلم أن والده "عدنان القاضي" لا يتهاون أبداً في قضايا "أسرار البيت"، ولو علم بما فعلته ندى لربما طردها من البيت أو عاقبها عقاباً شديداً.

نظر يوسف لوالده بهدوء مصطنع، وقال بنبرة حاولت أن تكون طبيعية:

ـ مفيش حاجة يا حج.. ندى غلطت في حاجة بخصوص الشركة وكنت بعرفها غلطها بس. الموضوع انتهى خلاص.

التفتت ندى إليه بعينين دامعتين، كانت نظراتها تقول ألف كلمة "آسفة"؛ فهي لم تتوقع أن يستر عليها بعد أن جرحته في أعز ما يملك. أرادت أن تقترب لتقبل رأسه أو تعتذر، لكنيوسف أشاح بنظره عنها ببرود جاف، وقال لوالده:

ـ أنا همشي دلوقتي يا بابا وراجع الشركة تاني.. كان ورايا أوراق نسيتها هنا وجيت أخدها.

انسحب يوسف تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً. أما ندى، فلم تحتمل نظرات والدها المتسائلة، فجرت نحو غرفتها والدموع تنهمر على وجنتيها. أغلقت بابها وارتمت على سريرها، تشعر بخجل يمزق أحشاءها؛ لقد صانها شقيقها أمام والدهما في اللحظة التي كانت هي تهدم فيها صورته أمام الغرباء. أدركت في تلك اللحظة أن "صداقتها" مع نور جعلتها تفقد بوصلة الأصول، وأن غفران يوسف لن يكون سهلاً، وربما خسرت ثقة جيهان—التي لم تعرف بعد—للأبد.

❈-❈-❈

تحاملت جيهان على أوجاعها، وارتدت قناع الأمومة الصامد وهي تنزل الدرج لاستقبال بناتها. كان ضجيج ضحكاتهن البريئة هو الشئ الوحيد الذي يعيد لها توازنها في هذا البيت المتزلزل. وعندما خرجت للحديقة، وجدتهن يلتففن حول عمهن تامر، الذي كان يداعبهن ويحاول إخفاء حزنه خلف ابتسامة حنونة.

تبادلت جيهان مع تامر نظرة سريعة، نظرة محملة بآلاف الكلمات التي لا تقال أمام الصغار. رحبت به بهدوء:

ـ منور يا تامر.. كتر خيرك إنك جيت.

دخلوا جميعاً للمنزل، وبمجرد أن صعدت الفتيات لغرفهن، استوقفتهن جيهان عند باب الغرفة، وقبلت رؤوسهن بحنان بالغ وقالت بنبرة حازمة ومطمئنة:

ـ حبايبي، غيروا هدومكم وخليكم هنا العبوا سوا أو ذاكروا.. أنا هنزل أقعد مع عمكم تامر شوية ولما الغدا يجهز هناديكم. مش عايزاكم تنزلوا خالص دلوقتي، ماشي؟

أغلقت الباب خلفهن وهي تتنفس الصعداء، فهي تخشى عليهن من أن يلمحن أثر صفعة يوسف على وجه سميرة، أو يسمعن نبرة الانكسار في صوتها، أو حتى يشهدن وصول "أثاث" المرأة التي ستقتحم حياتهن.

نزلت جيهان لتجد تامر بانتظارها في الصالون، كان يجلس واضعاً رأسه بين يديه، وبمجرد أن رآها وقفت أمامه، نهض سريعاً وقال بصوت يملؤه الأسى:

ـ جيهان.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنا لسه سايب يوسف في الشركة، والحقيقة إن اللي بيعمله ده جنان رسمي. أنا حاولت أتكلم معاه بس...

قاطعته جيهان بابتسامة باهتة وهي تجلس:

ـ متحاولش يا تامر. يوسف مبيسمعش غير صوت نفسه دلوقتي. المهم عندي البنات، مش عايزاهم يحسوا بحاجة.. والبيت ده يفضل واقف على رجله لحد ما أشوف أخرتها إيه.


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة  فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة