رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 7 - الإثنين 19/1/2026
قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر
رواية أحفاد إلياس
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل السابع
تم النشر الإثنين
19/1/2025
الحقيقة هي الدرب الأقوم الذي يجدر بنا اتباعه، أما المكر والخداع فطريقهما لا يقود إلا إلى الهلاك، فبالصدق تستقيم النفوس، وتصفو القلوب، ويأمن الإنسان عواقب أفعاله. والحقيقة، وإن بدت ثقيلة في بعض الأحيان، إلا أنها تحمل في طياتها الطمأنينة والنجاة، وتمنح صاحبها احترامًا لا يزول.
أما الخداع، فمهما تزيّن بثوب الذكاء والحيلة، يظل طريقًا مظلمًا، قصير الأمد، سريع الانكشاف. قد يمنح صاحبه مكسبًا عابرًا، لكنه يزرع في دربه الشك، ويترك خلفه خسائر لا تُجبر. فالحق يبقى ثابتًا لا تهزه الأيام، بينما يسقط الباطل عند أول امتحان.
ولذلك، فإن اختيار الحقيقة ليس ضعفًا، بل شجاعة، وليس خسارة، بل فوز مؤجل. فمن جعل الصدق رفيقًا له، جعل السلام طريقًا، والكرامة مقصدًا، والعاقبة خيرًا.
ظل واقفًا على عقبيه لا يجدر على أن يلتفت لها، يستعيد توازنه قبل أن يجاوب عليها، لا ينكر أن سؤالها جمده، لم يحسب نفسه لسؤال كهذا من قبل، وليس لديه إجابة عليه من الأساس فمنذ رؤيته لها أقسم داخل أن تكون امرأته غير عابئ بما حدث منها، أو من فعل بها هذا.
التفت إليها راسمًا على ثغره ابتسامة صغيرة، وتحدث بنبرة هادئة:
-ما اللي أعرفه إني هتجوزك إنتِ.
قطبت جبينها بحيرة عقلها لم يستوعب حديثه، واجابته المقتضبة لم ترق عقلها، فتسألت مستفهمة:
-مش فاهمة ؟! دي مش إجابة.
وضع يديه في كلتا جايبيه، وتحدث بثقة وغرور:
-لا دي إجابة المهم أتجوزك إنتِ، أنا مش هتجوزك عشان اللي حصل من عمي بس لا أنا هتجوزك عشان أنا عايز أتجوزك.
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل، واشتعلت وجنتيها حرارة من رده الجرئ الذي لم تحسبه منه.
أستغل هو خجلها، وأكمل حديثه مغيرًا مجرى الحديث الذي يؤرق قلبها:
-إيه احمرتي كده ليه؟! ده أنا إلياس خطيبك وكلها أيام وأبقى زوجك مش عايزك تتكسفي مني، ومش عايزك تحطي قيود في التعامل بيني وبينك عايزك تتعاملي على طبيعتك يا عروسة، عايز أشوف دلالك عليّ وإنتِ بتكلميني زينا زي أي أتنين مخطوبين.
تبسمت بمرارة، وهتفت قائلة بصوت منهك:
-بس أنا مش زي زي أي عروسة ولا زي زي البنات أنا مستهلكة.
استفزه حديثها الأهوج، فطالعها بحدة، ونظرة متحدية قبل أن يسترسل حديثه بجدية:
-إنتِ صح مش زيك زي كل عروسة، ولا زيك زي كل البنات عارفة إنتِ إيه؟!
طالعته بترقب، تنظر حديثه وهي على يقين أن ما سيقوله سيكون مؤلم لها، ولكن خاب أملها وأثلج قلبها وشعرت أنها تحلق في أعالي السماء وهي تستمع إلى حديثه.
لاحظ هو صمتها واندماجها معه، فاستطرد حديثه بإبانة:
-عشان إنتِ ست البنات وزينة العرائس كلها، ومفيش مجال للمقارنة بين وبين حد عشان إنتِ مميزة في كل حاجة.
على الرغم من راحتها وسعادتها بحديثه هذا إلا أنها قالت بتسرع:
-وهتواجه الناس إزاي والمجتمع اللي زي ملهمش ولا زواج، غير إنك هتظلم نفسك بزواجك مني.
تبسم باتساع، وتدراك مستفهمًا:
-يعني إنتِ شايفة إن زواجي منك ظلم؟!
أومأت بايجاب وهي تنظر رده يترقب:
-أيوه.
أجابها بنبرة مرحة:
-يبقى ده أحسن ظلم أنا شوفته في حياته، وأفضل تعويض ليا من الدنيا دي.
أتسعت مقلتيها مرددة بعد استيعاب:
-إنتَ إزاي كده ؟! بجد إزاي كده؟
تسأل بمرح:
-إزاي كده إيه من فل الفل أهو؟! أوعي يكون فيا عيب ولا حاجة وأنا مش واخد بالي.
ابتسمت رغمًا عنها، وأجابت بخجل:
-لا مفيش عيب فيك بس إنتَ مختلف.
شهق بصدم مصطنعة وهو يضرب على صدره بمرح:
-يا لهوي يا مستهوي بقى أنا متخلف اخص عليكِ يا شريرة مكنش العشم.
أغمضت عينيها بألم، وتسألت بهمس:
-ليه مظهرتش في حياتي من زمان يمكن اللي حصل مكنش حصل وحياتي كانت تبقى أفضل.
أخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه قبل أن يسترسل حديثه بجدية، وهو يشملها بنظراته الحانية:
-المهم إننا اتقابلنا وحياتك هتبقى أفضل فعلاً أنسي الماضي بحلوه ومره الماضي بنتعلم منه وبس، ولازم نمسحه من دماغنا عشان نقدر نكمل ونعيش حياه أفضل أنا همشي الوقتِ وياريت تفكري في كلامي كويس أوي، وكمان عايزك تخلي بالك من نفسك عشان طول ما إنتِ بخير أنا بخير سلام.
أنهى حديثه وتركها ورحل تتخبط في أفكارها لا تدري ما الصواب هل تستمع إليه وتتحرر من ماضيها؟! ولكن كيف ولا يزال الماضي يطاردها في كل لحظة تمر عليها.
❈-❈-❈
داخل صرح عملاق وشركة كبيرة من كبرى الشركات في مصر والشرق الأوسط، توقف أسطول السيارات، هبط الحرس سريعًا والتفو حول السيارة كما لو كانوا خلية من النحل تلتف حول ملكتها.
تحرك إحدى الحرس سريعًا إلى باب السيارة وقام بفتح الباب الخلفي باحترام.
هبط من السيارة بعنجهية وغرور وتحرك إلى داخل الصرح بغرور والحرس من حوله يتسابقون لخدمته ورهن إشارته، ما أن وصلوا إلى داخل الصرح ركض إحدى الحرس سريعًا وفتح له باب الأسانسير.
دلف إثنين معه إلى الداخل بينما البقية ظلوا بالأسفل، وصل المصعد إلى الطابق المنشود وفتح تلقائًيا، خرج هو أولًا واتبعه الحارسين.
كانت تجلس على مكتبها منهمكة في عملها بتركيز شديد، قاطعها ظل واقفًا أمامها، رفعت رأسها على الفور وجدته هو ربُ عملها وجحيمها الأبدي يقف أمامها متربصًا لها ويتابعها بنظرات تخطف الأنفاس.
انقبض قلبها، وارتعدت أوصالها انتفضت من مكانها على الفور ووقفت أمامه منكسة الرأس.
بينما كان يقف يتابعها باستمتاع شديد يروقه خوفها منه، وليس هي فقط بل يشعر بلذة وانتصار عندما يرى الخوف في عين من يعرفهُ.
طال صمته، مما زاد خوفها وهلعها منه، فتسألت بنبرة تكاد تكون أشبه الهمس:
-حضرتك محتاج حاجة يا فندم؟!
كتف ذراعيه فوق صدره، وتسأل باهتمام:
-أخبار الصفقة إيه؟
أجابت على الفور بهدوء وإتزان:
-رسيت علينا.
تبسم بارتياح، وتحدث بنبرة حادة:
-كويس أوي يا رؤى بيعجبني فيكِ إنك واخدة بالك من شغلك.
نطق جملته بنبرة ذات معنى، وتحرك صوب مكتبه الذي كان فُتح سابقًا بواسطة حارسين الذان يقفان أمام الباب باحترام.
دلف مكتبه بهدوء ورزانة تحرك بخفة واتجه إلى مقعده الوثير وجلس فوقه واضعًا ساق فوق ساق بثقة، وعلى ثغره ابتسامة عريضة.
فتح درج مكتبه وأخرج السيجار الخاص به وأشعله وبدأ يدخن باستمتاع شديد، يأخذ نفس عميق يعبأ به رئتيه، ويخرجه زفيرًا ببطء مميت مستمع بالدخان الذي أصبح منتشر حوله.
دار بنظراته في أرجاء الغرفة، حيث ابتلعت العتمة جدرانها السوداء، ومع تصاعد دخان السيجار تشكّلت لوحة خانقة، تبث في قلب من يراها ذعرًا وارتباكًا. ازدادت قسوة المشهد حين تردّد في عقله صدى حديثه الأخير، ذاك الذي همس به «أزاد» لنفسه كقسمٍ لا رجعة فيه:
«سواد الحيطان هيبقى سواد حياتكم يا أحفاد إلياس، والرماد هو كل اللي هيتبقى منكم… هدفعكم التمن غالي، طول ما الروح لسه فيّا.»
تسلّل ضوء النهار الخافت من خلف الستائر الثقيلة، لكنه لم ينجح في كسر سواد الغرفة ولا في تبديد الكآبة التي تخيّم عليها. الجدران السوداء ابتلعت الضوء كما لو أنّها ترفض الاعتراف بوجود نهار من الأساس. دار بنظراته في المكان ببطء، وعيناه تتحركان بثبات رجلٍ اعتاد مراقبة الخراب قبل صناعته. ومع كل نفسٍ يسحبه من السيجار، كان الدخان يتصاعد كثيفًا، يرسم في الهواء أشكالًا مشوّهة تزيد المشهد اختناقًا.
اقترب من الطاولة الخشبية، وأسند كفه عليها، فاهتز الرماد المتراكم في المنفضة، نهارٌ كامل مضى وهو في هذا المكان، لا صوت سوى احتكاك النار بالتبغ، ولا حركة سوى أفكاره التي لم تهدأ. كانت كلماته الأخيرة ما تزال تتردد في رأسه، حديث «أزاد» مع نفسه، حديث لم يكن مجرّد تهديد، بل حكمًا مؤجل التنفيذ.
«سواد الحيطان هيبقى سواد حياتكم يا أحفاد إلياس…»
ضغط على فكيه بقوة، وكأن الاسم وحده كفيل بإشعال شيءٍ بداخله. لم يكونوا مجرد أشخاص، كانوا امتدادًا لخطيئة قديمة، حسابًا لم يُغلق، ودمًا لم يجف،تحرك نحو النافذة، أزاح الستارة قليلًا، فانسكب ضوء الشمس على وجهه، كاشفًا ملامح قاسية وخطوطًا حفرها الزمن والمعارك. في الخارج، المدينة مستيقظة، تعيش نهارها الطبيعي، بينما هو يقف على الهامش، يخطّ خرابًا سيصلها عاجلًا أم آجلًا.
على الطاولة، استقر ملف جلدي أسود، فتحه ببطء، وكأنّه يستمتع بثقل اللحظة، صور، أسماء، تواريخ، وعلاقات متشابكة، كل ورقة تحكي قصة ضعف، وكل صورة تمثل مدخلًا، لم يعد الغضب وحده ما يحركه، بل يقين بارد بأن اللعبة أصبحت في يده، مرر أصابعه على إحدى الصفحات، ثم أغلق الملف بهدوء قاتل.
❈-❈-❈
انتفض الجميع، واقشعرت الأبدان إثر الصوت الذي شق حديثهم على حين غرة، ساد صمتٌ ثقيل للحظات، صمتٌ كأن الهواء نفسه تجمد فيه، تبادلت العيون النظرات المرتبكة، وكل واحدٍ منهم يحاول أن يستوعب ما سمعه، أو بالأحرى من يقف خلفه، كان الصوت حادًا، قويًا، لا يشبه أصوات المكان المعتادة، يحمل نبرة لا تخطئها الأذن نبرة تهديد.
تراجعت سيرين لا إراديًا خطوة إلى الخلف، وارتطمت قدمه بالكرسي، فزاد الصوت ارتباكًا فوق ارتباكهم، لم يكن الخوف جديدًا عليهم، لكن هذه المرة كان مختلفًا، أعمق، كأنه إنذار بشيءٍ قادم لا مهرب منه.
انفتح الباب بعنف، واندفع الضوء إلى الداخل، قاسيًا، فاضحًا وجوههم الشاحبة، وقف الرجل عند المدخل، ثابتًا كأن الأرض نبتت تحت قدميه، ملامحه جامدة، عيناه تجولان في المكان ببرود قاتل، وكأنّه يحصيهم واحدًا واحدًا، لم يتكلم في البداية، واكتفى بنظرة طويلة جعلت الأنفاس تختنق في الصدور.
تقدم خطوة إلى الداخل، فأغلق الباب خلفه ببطء متعمّد. دوّى صوت الإغلاق في الغرفة كطلقة، فازداد التوتر، وكأن الجدران نفسها ضاقت بهم. قال أخيرًا، بصوتٍ منخفض لكنه نافذ:
-سمعتي قُلت إيه يا سيرين؟!
حاولت الدفاع عن نفسها لكنه لم يعطيها فرصة من الأساس حيث صاح بحدة أكبر:
-سمعتي قُلت إيه؟! أعتذري فورًا من مرام.
نظرت أرضًا بتوتر وقالت:
-أنا مغلطش يا جدو.
تجاهلها لتنفيذ أمره زاد من غضبه وهتف بنبرة تحذيرية:
-من امتى وأنا يقرر كلامي مرتين؟!
ألجمها حديثه مما جعلها ترضخ في النهاية مرغمة على أمرها، وهتفت بكبرياء:
-أنا بعتذر منك.
ألقت جملتها على مسامع الجميع وفرت هاربه من أمامهم تحفظ ما تبقى من ماء وجهها..
التفت الجد «إلياس» إلى مرام، وتحدث بنبرة هادئة:
-حصليني على المكتب يا بنتي.
توجه بنظراته تجاه آصف بحدة:
-وإنتَ أطلع ارتاح يلا.
أومأ بايجاب:
-حاضر يا جدو.
اتجه بخطوات واثقة إلى مكتبه، بينما كانت مرام تسير خلفه، تراقب ظهره بصمتٍ مشوب بالحذر.
وقف يتابعهم بصمت، قطعه دلوف «عمر» و «غنى» من الخارج، اقترب «عمر» منه وتسأل بحيرة:
-واقف كده ليه؟! وصوت جدو عالي ليه؟
أجاب بهدوء:
-مشكلة بين مرام وسيرين.
ابتسم رغمًا عنه وقال:
-هما لحقوا يتخانقوا لسه مبقوش ضراير.
تسألت غنى بعد فهم:
-ضراير إزاي أنا مش فاهمة ؟
اقترب عمر من شقيقته وطوق كتفها بحنان وهتف بإبانة:
-بعيد عنك يا حبيبتي أوس هيتجوز مرام.
صفقت بحماس وهللت بفرحة:
-بجد دي أحسن حاجة والله طيب هيطلق سيرين إمتى؟!
تبسم آصف ساخرًا وعقب متهكمًا:
-آه لو سمعتك هتعمل منك شاورما.
تسألت بفضول:
-خير فين صحيح؟!
رفع رأسه إلى أعلى وقال:
-جوه جدو قفشها متلبسة وهي بتضرب مرام غير إنها كانت بتطردها كمان لسه بقى لما أوس يجي ويعرف.
تدخل عمر في الحوار واستطرد بإيضاح:
-والله أخوك دم ليه الجنة إنه مستحمل الإنسانة دي.
استطرد مستفهمًا وهو ينظر إلى ذراعه بقلق:
-دراعك كويس ولا لسه تعبك ؟!
رد باختصار:
-أه أحسن الحمد لله.
استأذنت غنى منهم:
-طيب بعد إذنكم هطلع أنا أوضتي.
ما كادت أن تتحرك إلا وجذبها شقيقها من يدها بعنف:
-لا لا أستني يا حبيبتي عايزك شوية لسه مكملناش كلامنا.
ابتلعت ريقها بتوجس بعد أن استوعبت مغزى شقيقها فهتفت بتهرب:
-أنا عندي مذاكرة بعد إذنكم.
أفلتت يدها من شقيقها وفرت هاربة في لمح البصر، تبسم آصف، وألتفت إليه وتسأل باهتمام:
-مالك ماسكها زي المخبرين كده ليه؟!
رد بثبات:
-كنت عايز أتكلم معاها شوية يلا هطلع أريح شوية.
تحرك هو الآخر إلى غرفته بينما حرك آصف رأسه بيأس، متمتمًا بقلة حيلة:
-واالله عيلة مجانين.
❈-❈-❈
كانت تجلس خديجة في غرفتها باسترخاء تام تحتسي فنجان القهوة خاصتها، قاطعها اقتحام باب الغرفة ودلوف سيرين دون استئذان، ووجها لا يبشر بالخير.
انتفضت من مكانها وصاحت بانفعال:
-إنتِ اتجننتِ يا سيرين؟! إيه الهبل ده إزاي تفتحي الباب بالطريقة دي؟!
أجابتها بغل:
-اتجننت من اللي البيه ابنك عايز يعمله فيا عايز يتجوز عليّ العقربة مرات عمه لا والمصيبة إنتِ عارفة وموافقة وأنا طيشة؟!
جلست خديجة باسترخاء مرة أخرى، وأجابت بنبرة حادة:
-وأنا مالي.
بهت وجه الأخرى وتسألت بحدة:
-نعم هو إيه اللي مالك؟
بحدة أجابتها:
-يعني أنا مالي عندك جوزك روحي اتكلمي معاه وحلي مشاكلك إنتِ وهو بعيد عني أظن لو الهانم مهتميه ببيتها وزوجها وابنها مكنش فكر يتجوز عليكِ.
أتسعت مقلتيها، وهتفت متهكمة:
-لا فراغة عين ابنك عينه زايغة بيبص لمرات عمه ويا عالم في بينهم إيه ما هو اللي يفكر يتجوز واحدة وهي لسه في العدة يبقى مش من فراغ ومش بعيد في بينهم حاجة من زمان.
تصلبت ملامح خديجة فجأة، ولم تعد تلك المرأة الهادئة التي ترتشف قهوتها منذ لحظات، وضعت الفنجان على الطاولة ببطء، ثم نهضت واقفة، واقتربت من سيرين بخطوات ثابتة، ونظرتها تحمل تحذيرًا صريحًا.
قالت بصوت منخفض لكنه حاد كالسكين:
-إنتِ اتجننتِ رسمي الكلام ده لو طلع من بُقك تاني هقطع لسانك.
ضحكت سيرين بمرارة، وعيناها تلمعان بالدموع والغضب: -آه بقى! بقيتي بتدافعي عنها كمان؟ ما هو واضح واضح قوي من ساعة ما دخلت بيتكم وهي عاملة فيها المكسورة، وإنتِ حضنك مفتوح، وابنك بقى عامل فيها فارس الأحلام.
اقتربت خديجة أكثر حتى صارت وجهًا لوجه معها:
-إسمعي يا سيرين، أنا صبري ليه حدود، والغلط في ست أرملة لسه خارجة من مصيبة وراجلها في التراب ده عيب وقلة أصل. وبعدين جواز في العِدّة؟ إنتِ فاكرة نفسك فاهمة فقه ولا قانون؟ روحي اهتمي بابنك وسيبك من أوس.
قاطعتها سيرين صارخة:
- ده جوزي! جوزي اللي بنيت معاه بيت ووقفت جنبه سنين، وفي الآخر يبيعني علشان واحدة قعدت معانا كام شهر في البيت!
ضحكت خديجة بسخرية باردة:
-بيت؟! بيت إيه اللي بنيتيه؟! إنتِ طول عمرك شايفة نفسك وبس لا راعيتي زوج ولا احتويتي ابنك كل اللي يهمك اللبس والخروج والصحاب والشكوى فاكرة الرجالة تمشي بالعافية؟
تراجعت سيرين خطوة وكأن الكلمات أصابتها في مقتل، لكنها تماسكت سريعًا:
-يعني هو ملاك وأنا شيطان؟! ما هو لو محترم مكنش بص لمرات عمه، ومكنش فكر يتجوزها في التوقيت ده ده مش حب، ده قلة دين!
رفعت خديجة حاجبها بازدراء:
-قلة دين؟! لما إنتِ كنتِ سايبة ابنك مع ناني ورايحة الكوافير والسهرات، مكنش قلة دين؟! لما جوزك يرجع يلاقي البيت فاضي أو الهانم نايمة على الموبايل، مكنش قلة دين؟
صرخت سيرين وقد فاض بها الكيل:
-يعني أنا السبب في خيانته؟!
وبختها خديجة بحدة:
-خيانة إيه؟! هو قالك خانك؟! ولا هو مجرد فكر يتجوز؟!
صمتت لحظة ثم أضافت بقسوة:
-وبعدين ما تمثليش دور الضحية، إنتِ عارفة كويس إن الجواز مش لعب عيال.
جلست سيرين على طرف السرير فجأة، وكأن قوتها خانتها، وانهمرت دموعها:
-أنا مش قادرة أصدق هو كده بكل بساطة يرمي عشرة سنين؟! علشان واحدة كانت مرات عمه؟!
تحدثت خديجة بصوت لين قليلًا، لكن نظرتها ظلت صارمة: -العِشرة مش ورق بيتقطع، بس برضه مش حديد ما يصدش. العشرة عايزة شغل، وإنتِ سِبتيها تصدي واحدة واحدة.
رفعت سيرين رأسها، وعيناها محمرتان:
-يعني إنتِ موافقة؟! موافقة إن ابنك يكسرني ويتجوز عليّ؟!
تنهدت خديجة بعمق:
-أنا مش موافقة ولا رافضة أنا أم، ودوري أنصح، مش أتحكم هو راجل، وليه قراره ولو شايف إن ده الحل…
ت
وقفت ثم أكملت بصرامة:
-يبقى إنتِ لازم تسألي نفسك إيه اللي وصّل الأمور لكده.
وقفت سيرين مرة أخرى، وصوتها يرتجف:
-والست دي؟! تهد بيتي وتبقى ضرتي وأنا أتفرج؟
-بيت مين؟
قالتها خديجة ببرود، وأكملت بسخرية:
-البيت اللي مش حافظاه، غيرك أولى بيه.
سادت لحظة صمت ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى شهقات سيرين المكتومة ثم قالت بصوت مكسور:
-أنا مش هسكت مش هسيبه يعمل كده.
اقتربت خديجة منها، وقالت بنبرة تحذير أخير:
-اعملي اللي إنتِ شايفاه، بس من غير فضايح ولا افترى اللي يغلط في حق الناس ربنا ما بيسيبوش.
مسحت سيرين دموعها بعنف، وحدقت في خديجة:
-وأنا كمان ربنا مش هيسيبني ومش هسيب حقي.
استدارت وخرجت من الغرفة وهي تغلق الباب خلفها بعنف، بينما جلست خديجة مرة أخرى، أمسكت بفنجان القهوة البارد، وحدّثت نفسها بصوت خافت:
-اللي جاي مش سهل ربنا يستر.
❈-❈-❈
كانت تجلس أمامه منكسة الرأس، أصابعها متشابكة في حجرها، وعيناها معلّقتان بنقطة وهمية في الأرض، كأنها تخشى أن ترفع نظرها فتنهار، كلماته كانت تتساقط على مسامعها واحدة تلو الأخرى، ثقيلة، صادمة، لا تشبه أي حديث تخيلته يومًا، لم تستوعب بعد أن أوس، بكل بساطة، طلبها للزواج دون أن يسألها، دون أن يمنحها حتى فرصة لإبداء رأيها أو التعبير عن موقفها.
توقفت أنفاسها لثوانٍ، شعرت وكأن الهواء قد سُحب من الغرفة فجأة، كيف يمكن لقرار مصيري كهذا أن يُقال بهذه الخفة؟ رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين زائغتين، وكأنها تبحث في ملامحه عن مزحة متأخرة، عن إشارة تدل أن ما تسمعه ليس حقيقيًا.
-حضرتك بتقول إيه؟
خرج صوتها هامسًا، مكسورًا، بالكاد سمعته أذناها.
تنهد إلياس وأكمل حديثه وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الاضطراب:
-بقول اللي لازم يتقال.الجوازة دي في مصلحتنا كلنا.
ارتجف قلبها عند كلمته الأخيرة، مصلحتنا؟ منذ متى تحولت إلى بند في قائمة مصالح؟ بلعت ريقها بصعوبة، وعادت تطأطئ رأسها من جديد، تشعر بثقل لم تختبره من قبل يجثم على صدرها.
داخلها كانت الأفكار تتصارع، هي لا تزال في حدادها، جراحها لم تلتئم، ذكريات زوجها الراحل تلاحقها في كل ركن، فكيف يُطلب منها أن تبدأ حياة جديدة دون استعداد، دون حتى سؤال؟ شعرت بإهانة صامتة، كأن رأيها لا وزن له، وكأنها مجرد فراغ يجب ملؤه.
وأنا
قالتها بصوت مرتعش،واسترسلت حديثها مستفهمة:
-حد سألني أنا عايزة إيه؟ وإيه ذنب مراته وابنه؟! وليه أكون زوجة تانية؟!
أجابها بصدق:
-هو اللي طلب يتجوزك يا بنتي لو إنتِ رافضة يبقى هتختاري ما بين أوس، وآصف، وعمر.
نظرت إليه قليلًا قبل أن تحسم أمرها وتقول……..
يُتبع..
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
