-->

رواية جديدة أحفاد إلياس لزينب سعيد القاضي - الفصل 5 - الإثنين 12/1/2026

 

  قراءة رواية أحفاد إلياس كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخر


رواية أحفاد إلياس

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة زينب سعيد القاضي


الفصل الخامس

تم النشر الإثنين

 


دائمًا ما يأتي الغدر من أقرب القلوب إلينا، من أولئك الذين حسبناهم جزءًا من أرواحنا، قريبين منا كقرب الوريد، نظن أننا نعرفهم، نطمئن لهم، بينما تخفى حقيقتهم خلف ألف قناع، نغلق دفاتر الماضي ونقنع أنفسنا أنه انتهى، أنه طُوي إلى الأبد، غير مدركين أن بعض الذكريات لا تموت، وأن بعض الجراح تنتظر لحظة العودة.


يمضي الزمن، وفجأة يُفتح بابٌ حسبناه مغلقًا، فيقتحم الماضي حاضرنا بلا رحمة، يبعثر استقرارنا، ويعيد إلينا خيباتٍ ظننا أننا تجاوزناها، يعود لا طلبًا للصفح، بل ثأرًا لحقٍّ يراه مسلوبًا، غير عابئٍ بعدلٍ أو رحمة، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى،

فالماضي لا يموت بل يتربص لنا، ويعود بعد حين، يطرق أبوابنا بعنف، يقتحم حياتنا بلا رحمة، يعبث بما بنيناه بصمت، وكأنّه جاء لينتقم لحقٍّ يتوهّم أنه سُلب منه، غير عابئٍ بعدلٍ أو شفقة.


اقترب من بخطوات ثابتة ورجولة طاغية، جلس فوق المقعد المجاور لها واضعًا ساق فوق ساق بتعالي، بينما هي تتمدد فوق الفراش والخوف والذعر ينهش قلبها كم تتمنى أن ما تمر به الآن ليس سواء كابوس مزعج تستيقظ منه في التو واللحظة، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يحدث وها هي أسوأ كوابيسها تتجسد أمام عينيها….


ابتسامة ذئب ماكر ارتسمت على ثغر الآخر، وهو يطالع ذعرها منه، تحدث بنبرة يشوبها الوعد:

-حمد الله على السلامة يا مسك كده بردو تفكري تنتحري يا شريرة؟! عايزة تهربي مني؟! إخص عليكِ الشريرة، لو فاكرة إن الموت هينجدك مني تبقي بتحلمي أنا قدرك وإنتِ قدري.


التفتت له بحدة، وجاهدت حتى تنظر في عينيه الحادة معينين الصقر، وبها وميض غريب تجعل من ينظر في عينيه ألا يجرؤ على رفعها فيها، وهتفت بصوتٍ منهك:

-إنتَ عايز مني إيه تاني؟! مش كفاية اللي حصلي بسببك؟!


أشار إلى نفسه، وتحدث بنبرة ذات معنى:

-توء توء توء يا وحشة يا شريرة، ده كلام بقى أنا بردو اللي السبب في اللي حصل ليكِ ولا طمعك وجشعك؟! أنا اللي قلت ليكِ تروحي فريد إلياس؟! ولا إنتِ اللي روحتي معاه؟! كنتِ فاكرة إنه هيتجوزك وينجدك مني؟! توء توء غبية وغباءك طلعك من جحيمي لجحيم إلياس الصغير اللي لدغته والقبور.


نهض من مكانه وأغلق أزرار حلته، وتحدث بنبرة حادة:

-أنا همشي ولو فكرتي تعملي أي حاجة تانية من ورايا متلوميش غير نفسك.


تجاهلت حديثه، وتسألت بلهفة:

-أختي عاملة إيه هي بخير؟!


أجابها ببرود:

-أختك هتبقى بخير طول ما إنتِ بتسمعي الكلام وتنفذيه أما لو ركبتي دماغك ومشيتي من نفسك إنتِ اللي هتدفعي التمن وتحاسبي على المشاريب يلا سلام يا موكا.


تحرّك بخفّةٍ وغادر الغرفة. في الخارج كان رجاله بانتظاره، فأشار إليهم بإيماءةٍ مقتضبة أن يتبعوه، انطلق يسير وهم خلفه، كأنّه وزيرٌ تلتف حوله حاشيته، تحيط به هالةٌ من الهيبة والفخامة، تبثّ الرعب في قلب كل من تقع عليه عينه.


بينما هي ظلت تحدق في آثره بتحسُر وهي تردد بأسى:

-يارب مليش غيرك….



خرج من بوابة المستشفى الواسعة ببطء، محاطًا بحاشيته كأنهم جدارٌ بشري يفصل بينه وبين العالم، خطواته كانت ثابتة، ورأسه مرفوع بعنادٍ لا يليق إلا بمن اعتاد أن يُطاع، الهواء البارد لامس وجهه، فزاده تيقظًا، وكأن الخارج ساحة معركة جديدة لا تقل خطرًا عمّا تركه خلف الجدران البيضاء.


فتح أحدهم باب السيارة الخلفي بانحناءة سريعة، فاستقر في مقعده الجلدي الفاخر، بينما انتشر الحرس في سياراتهم السوداء المصطفة بإحكام، كل شيء كان يسير كما خُطط له حتى انكسر الإيقاع فجأة.


قبل أن تصدر الإشارة بالتحرك، انزلقت سيارة أخرى إلى المكان بثقة مستفزة، توقفت بزاوية متعمدة، كأنها تعلن وجودها لا تطلب الإذن به، فُتح بابها ببطء محسوب، وهبط منها "إلياس" بكامل حلته، بدلته الداكنة مفصلة على جسده بدقة، أزرارها مغلقة بإحكام يوحي بالسيطرة، ووقفته مستقيمة، وعيناه تجولان في المكان بغرورٍ لا يحتاج إلى كلمات، بدا كمن جاء ليضع توقيعه على مشهدٍ يعرف جيدًا أنه سيشعل نارًا في صدر غيره.


في تلك اللحظة، اشتعل الغضب داخل صدره كحريقٍ مكتوم طال انتظاره، انقبض فكه، وتصلبت عضلات عنقه، وعيناه لم تفارقا غريمه، رأى فيه كل ما كان يجب أن يكونه هو النفوذ، الهيبة، الظهور المنتصر، إلياس لم يكن مجرد خصم، بل مرآة قاسية تعكس خساراتٍ لم تُنسَ.


امتدت يده بإشارة حادة نحو السائق، وأصابعه ترتجف رغم محاولته إخفاء ذلك. هتف بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بالحدة: 

– سوق بسرعة… يلا.


لم يحتاج السائق إلى تكرار الأمر، على الفور دوى صوت المحرك، وانطلقت السيارة بقوة، كأنها تهرب من المكان قبل أن ينفجر ما بداخله، تحركت خلفهم السيارات تباعًا، أسطول كامل يشق الطريق بعنف، منظمًا بدقة عسكرية، أشبه بموكب رئيس وزراء لا يقبل العرقلة.


من خلف الزجاج الداكن، ظل نظره معلقًا في المرآة للحظات، كأن صورة إلياس ما زالت تطارده، لم يكن هذا لقاءً عابرًا، بل رسالة صريحة الصراع لم ينتهِ، والواجهة المقبلة ستكون أكثر قسوة.


ابتسم ابتسامة جانبية باردة، وبدأ عقله يُخطط بصمت، فالحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.

❈-❈-❈

دق باب غرفتها بخفة، ودلف بعدها، بحذر شديد وعينيه مثبة غليها، اقترب منها وهو يراقب كل إنش بها بتوجس.


طالعها بعينين تفيض حنانًا وعشقًا، وتسأل بنبرة قلقة:

-أخبارك يا مسك إنتِ كويسة؟!


ابتعلت ريقها بتوجس، فلو كان جاء مبكرًا دقائق فقط كان سيجده هنا ومؤكد ما كان يحدث لن يحمد عقباه.


أغمضت عينيها، وتنهدت بارتياح، واسترسل قائلة:

-بخير الحمد لله.


ضيق عينيه كأنه يستشف صدقها، وتسأل باهتمام:

-متأكدة إنك بخير؟! وشك مخطوف كده ليه؟!


أجابت بتبرير كاذب:

-مفيش حاجة أنا كويسة اطمئن.


طالعها بعدم تصديق، وسحب المقعد وجلس عليه، واضعًا ساق فوق ساق بثقة وغرور تعكيدس هيبته، وتحدث بنبرة حادة:

-هو عمك دخل ليكي وقال حاجة زعلتك؟!


لم تنتبه لما يُقال من حولها، بل لم يصلها أي صوت من الأساس، كانت كل حواسها معلقة به وحده، ونظراتها مثبتة فوق ملامحه بثباتٍ لم تعهده من نفسها من قبل، هذه المرة الأولى التي تحدق به بهذا الإمعان، وكأنها تراه للمرة الأولى رغم معرفتها السابقة به، عيناها راحتا تتنقلان بين تفاصيل وجهه، تقارن دون وعي، وتكتشف ببطء ذلك الشبه الذي طالما تجاهلته.


لم يكن الشبه في الملامح فقط؛ لم يكن مجرد خطوط وجه أو انحناءة ابتسامة، بل كان أعمق من ذلك، في طريقته وهو يتكلم، في نبرة صوته، في الحركات العفوية التي تصدر منه دون تفكير، نفس الأسلوب، نفس الخفة المختبئة خلف الكلمات، حتى طريقته في التوقف بين الجمل بدت مألوفة بشكلٍ أربكها.


شردت أكثر، وابتلعها تأملها، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، قبل أن يخترق صوتُه أفكارها فجأة، نغمة مرحة كسرت صمتها الداخلي وأعادتها للواقع عنوة.


«مكنتش أعرف إني حلو أوي كده… عشان تفضلي تتأملي فيا؟!»

قالها وهو يهلل مازحًا، بابتسامة واسعة لا تخلو من الثقة.


اتسعت عيناها قليلًا، وشعرت بسخونة تزحف إلى وجنتيها، وقد أُمسكت متلبسة بشرودها، أبعدت نظرها بسرعة، تحاول استعادة رباطة جأشها، بينما خفق قلبها بخيانة واضحة، أما هو، فاكتفى بابتسامته، وكأنه استمتع بتلك اللحظة أكثر مما يجب، مدركًا تمامًا أنه نجح في إرباكها.


قهقهة هو بخفة، وهتف قائلًا:

-خلاص خلاص بهزر معاكِ احمريتي كده ليه؟!


نهض من مكانه، واسترسل حديثه:

-أنا هروح أسأل الدكتور هتخرجي إمتى محتاجة حاجة؟!


حركت رأسها نافية، وردت بصوتٍ خافتٍ:

-لا شكرًا.


تبسم بهدوء، وقال:

-العفو.


تحرك بخفة تجاه الباب وغادر الغرفة تتبعه بنظراتها، وما أن أغلق الباب، واختفى من أمام عينيها، أغمضت عينيها بألم لا تدري بما يعاقبها القدر بذنب لم ترتكبه، ألا يكفي ما حدث ما بعد أن ذبحت بدم بارد وسلبت منها براءتها دون وجه حق.

❈-❈-❈

على الرغم من وهن جسدها، وآلامها التي أثقلتها، وبهوت ملامحها، وغياب رموشها، وتساقط حاجبيها أثر العلاج الكيماوي، إلا أنها ما زالت جميلة كما هي، جمالٌ هادئ لا تصيبه يد المرض، ولا تطاله قسوته؛ جمالٌ ينبع من صبرها، من نظرة عينيها، ومن روحٍ تأبى الانكسار، فتسر الناظرين إليها دون أن تطلب ذلك.


هذا ما كان يُحدث به نفسه وهو يطالع ملامحها عن قرب، يتأملها بعينٍ مثقلة بالمشاعر، اقترب منها بخطوات بطيئة، كأن بينهما مسافة من الذكريات لا تُقاس بالأقدام، ثم توقف أمامها تمامًا. صوته خرج مثقلًا بالأسى، دافئًا رغم ارتجافه، وهو يقول:

– مكنتش أعرف إن القدر هيلعب بينا بالشكل ده ونتقابل من تاني يا موچ.


جال بنظراته في أرجاء الغرفة بحثًا عن شيءٍ ما، حتى وقعت عيناه على ضالته مقعد صغير موضوع في أحد الجوانب، تحرك نحوه باتزان، وحمله بذراعه السليم بحذرٍ شديد، كأن أبسط حركة قد تُفقده توازنه، ثم أعاده ووضعه بمحاذاة الفراش، جلس عليه بهدوء، واستقر في مكانه، وعينيه مثبته فوقها.


أخذت نفسًا عميقًا، ملأت به رئتيها، كأنها تستجمع ما تبقى من قوتها قبل أن تتحدث قائلة:

-ألف سلامة.


نظر إلى ذراعه، ورد بنبرة هادئة:

-الله يسلمك.


ساد صمتٌ مطبق بينهم مرةً أخرى، صمتٌ لا يجرؤ أي منهم على كسره، حربُ نظراتٍ محتدمة دارت في الخفاء، بينما كانت أنفاسهم العالية وحدها هي ما يقطع ذلك الجو المشحون بالتوتر.


قرر أن يقطع هذا الصمت وتسأل باهتمام:

-عرفتي مرضك إمتى؟!


أجابت باقتضاب:

-من خمس شهور.


أومأ بتفهم، ثم استرسل في حديثه بنبرةٍ متهكمة، وعيناه تستقران على بنصر يدها اليمنى الخالي من محبسها: 

- وحازم فين؟ مش جنبك ليه؟!


أطلقت زفيرًا حادًا، وكأنها بتلك الطريقة تحاول إخماد النيران التي تسري داخل قلبها، ثم أجابت بنبرةٍ منكسرة:

-انفصلنا.


ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغره، واستطرد قائلًا بمغزى:

-انفصلتوا؟! ولا هو اللي سابك بعد ما عرف مرضك؟!


نظرت إلى الجهة الأخرى وهي تجاهد ألا تخونها عينيها وتهبط الدموع من بين مقلتيها، وردت بصوت منهك:

-مش هتفرق كتير النهاية واحدة كل واحد راح لحاله.


نهض من مكانه، وتحدث بنبرة حادة:

-ومع الآسف إنتِ اللي اختارتي لنفسك النهاية دي، ألف سلامة عليكِ.


ألقى جملته، ثم غادر الغرفة سريعًا، يكافح نفسه بشدة حتى لا يقتحمها الآن، يأخذها بين أحضانه بقوة، يخفف عن قلبها المثقل بالحزن، ويخفيها عن العالم أجمع، لكنه تعلم منذ زمن أن ليس كل ما يدركه المرء يمكن تحقيقه، غادر، صافعًا الباب خلفه بعنف، وكأن الصمت خلفه سيحميه من ألم أكبر.


وقف أمام الباب، غير قادر على التحرك، مستندًا بظهره عليه، وما ألم قلبه أكثر من صوت النحيب الذي يتسرب من الداخل، صوتها الذي يخترق روحه ويجرحه، يود لو كان بإمكانه الآن الدخول، يمسح دموعها، يخفف عنها، يخبرها أنه سيظل معها مهما كانت النهاية، لكنه يعلم أن هذه النهاية هي ما اختارتها هي.


ما إن تحرك عن الباب، حتى أطلقت العنان لدموعها الحبيسة، لتنسكب من بين مقلتيها بحرقة وحسرة على حالها، على ما أصبحت عليه الآن، وعلى كل شيء لم تستطع تغييره، كانت دموعها صدى لكل ألم دفين، لكل حلم تلاشى، ولكل حب لم يقدر أن يُحفظ.

❈-❈-❈

ظل واقفًا متربصًا، كل عضلة في جسده مشدودة، وعيناه تراقبان كل حركة من حوله، حتى فوجئ بوجود شخص أمامه، اعتدل في وقفته، مستجمعًا رباطة جأشه، ووقف باتزان، يستمع إلى حديث الآخر بعينين لا تفوّت أي إيماءة أو تغير في نبرة الصوت.


كان يسير بخطوات ثابتة نحو إحدى غرف المرضى، حين توقّف فجأة أمامه آصف، اتسعت مقلتيه بصدمة، كما لو أن العالم توقف لحظة، ثم ارتسم على وجهه مزيج من الغضب والدهشة، رفع يده إلى خصره، وجسده يميل قليلًا للأمام، بينما عيناه تراقبان الآخر بحدة، تشتعل بالغيظ.


الهواء بينهما أصبح مشحونًا، وكأن كل كلمة غير منطوقة تتحرك في الفراغ، كل نفسٍ يتبادلانَه يُثقل الجو أكثر، حاول كل منهما السيطرة على نفسه، لكن التوتر كان واضحًا في أصوات أنفاسهما، وفي حركات أصابعهما المشدودة، لم يكن الأمر مجرد لقاء عابر؛ كان صدامًا بين روحين ممتلئتين بالغضب والخوف والمشاعر المكبوتة، صراعًا صامتًا عنيفًا أكثر من أي كلمة يُمكن أن تُقال.


اقترب من آصف، وجذابه من ياقة قميصه وهتف بانفعال:

-لا بقى أفهم جنابك بتهبب إيه هنا؟! مش إمبارح كان المفروض متخرجش من المستشفى عشان حالتك متسمحش عملت فيها چاكي عشان وخرجت جاي النهاردة تعمل إيه بقى؟! تتفسح في المستشفى ولا أنا وحشتك جاي تشقر عليا أفهم بس؟!


طالع المكان حوله والغرفة التي يقف أمامها تحديدًا، وتسأل بريبة:

-إنتَ كنت جوه عند موج؟!


رد باختصار، وهو يزيل يد الآخر عن ياقته:

-أيوه.


كتف الآخر يده فوق صدره، واستطرد حديثه مستفهمًا:

-نعم يا أخويا؟! وبتعمل إيه عندها ؟! لحقت تعجبك وجاي تتعرف عليها؟! أفهم بس؟!


أجابه بنفاذ صبر:

-مش مهم تفهم.


كرر حديثه بسخرية:

-مش مهم تفهم؟! لا مهم أفهم جاي تعمل إيه عند المريضة ولا تعرفها ولا تعرفك جاي تزورها ليه؟!، غير إن إنتَ شخصيًا وضعك حرج؟!


رفع آصف يده السليمة ومسح على وجهه عدة مرات في محاولة بائسة منه كي يهدأ من غضبه، بسبب حديث هذا الأبله الذي يُثير غضبه وعصبيته دون أن يدري.


ضغط على شفتيه، وتحدث بنبرة حادة:

-وضعي مش محرج على حاجة في معرفة سابقة بينا.


جعد جبينه بحيرة وتسأل باهتمام:

-معرفة سابقة إزاي؟! إنتَ مكنتش تعرف اسمها حتى؟!


أطلق زفيرًا حادٍ، وأجاب عليه بنفاذ صبر:

-كنت بتأكد إنها هي ولا لا.


ام يصمت الآخر عند هذا الحد، بل عاجله بسؤالاً آخر جعله يصيح بانفعال:

-هي مين بقى؟!


-عارف لو سمعت صوتك تاني هعمل فيك إيه؟! هعلقك من البالطو الأبيض بتاعك قدام بوابة المستشفى واخليك عبرة لمن لا يعتبر، وأظن إنتَ عارف كويس إني مش بقول كلمة واحدة غير وأنا قادر على تنفيذها.


نطقها آصف بنبرة تحذيرية وعينيه تطالع الذي أمامه من أعلى إلى أسفل بتوعد، جعلت الآخر يبتلع ريقه بتوجس، ويتراجع إلى الخلف، وهو يرفع يديه لأعلى باستسلام:

-لا لا على إيه أنا آسف محتاج حاجة أنا رايح المشرحة سلام.


ألقى جملته وفر هاربًا من براثن آصف وهو يسب ويلعن له في داخله، فهو يعلم أن وقع بين يديه لن يتركه على ما يرام.


بينما آصف حرك رأسه بيأس، ألقى نظرة خافتة على باب الغرفة المغلق، وتحرك بخفة مغادرًا المكان برمته وداخل ذهنه يدور شيء واحد ينوي فعله..

❈-❈-❈

كانت سيرين جاثية فوق جسد مرام، كأنها وحش انفلت من قيده، تضربها بقبضتيها بلا رحمة، صفعة تلو الأخرى، حتى تداخل الألم مع الصراخ، وحتى فقدت مرام القدرة على التمييز بين الضربات ودموعها التي أغرقت وجهها، كانت تحاول رفع ذراعيها الواهيتين لتحمي وجهها، لكن قوة سيرين وجنونها كانا أكبر من أي مقاومة.


في ركن الغرفة، وقف الصغير زين متسمّرًا مكانه، جسده الصغير يرتجف، وعيناه الواسعتان تفيضان بالخوف، كان يبكي بصوتٍ مبحوح، شهقات متقطعة، بينما يتراجع للخلف خطوة تلو الأخرى، كأنه يخشى أن تطاله يد والدته التي لم يعرفها في تلك اللحظة، لم يرَ سيرين الأم الحنون، بل امرأة فقدت عقلها تمامًا.


صرخت مرام بألم:

 – حرام عليكِ… والله ما عملت حاجة!


لكن سيرين لم تكن تسمع، أو ربما لم تكن تريد أن تسمع. جذبتها من خصلات شعرها بعنف، حتى انحنى رأس مرام للخلف، وصرخت سيرين بصوت أجش مليء بالغِل:

– فاكرة هسيبك تاخدي جوزي مني؟! يا زبالة! يا لمامة!


كانت الكلمات تخرج كالسكاكين، تجرح قبل أن تضرب.

دفعتها بقسوة على الأرض، ثم انحنت فوقها مجددًا، وعيناها تقدحان شررًا:

 – إنتِ تاخدي حاجاتك وتغوري من هنا، سامعة؟! ولا لحظة زيادة ليكِ في البيت ده تاني 


مرام كانت تبكِ بصمت الآن، جسدها يؤلمها، وكرامتها تُسحق تحت أقدام امرأة كانت تعتبرها يومًا صديقة. تمتمت بصوتٍ مكسور: 

– أنا ما قربتش منه أقسم بالله.


قهقهت سيرين بسخرية مرعبة: 

– متحلفيش أنا استحالة أصدقك.


رفعت يدها لأعلى كي تصفعها على وجهها، وهتفت بتحذير بالقرب من أذنها حتى كادت أنفاسهما تختلط: 

– لو قربتي من جوزي تاني، لو شفتك بس بتبصي ناحيته، مش هرحمك… وهخليكي تندمي إنك اتولدتي.


توقفت يد سيرين في الهواء للحظة، التفتت نحوه بعينين محمرتين، وكأنها عادت من عالمٍ مظلم فجأة، رأت طفلها، خائفًا منها، منبطح القلب، يرتجف باسمها ترددت ثانية واحدة لكنها لم تعتذر.


استقامت واقفة، سحبت مرام من ذراعها وألقتها قرب الحائط: – معاكِ ساعة واحدة تكوني جهزتي حاجتك ومشيتي من هنا لو باقية على عمرك.


ثم حملت زين بعنف، ضمّته إلى صدرها وهي لا تزال ترتجف من الغضب، وخرجت من الغرفة، تاركة مرام مكسورة على الأرض، تبكي بصمت، بين كدماتٍ في جسدها وجرحٍ أعمق في روحها جرح لن يلتئم بسهولة.


انتظرت مرام حتى غادرت سيرين الغرفة، واعتدلت بصعوبة وهي تأن من الآلام التي حلت بجسدها أثر ضرب تلك المجنونة لها.


نهضت بتثاقل، كي تحزم أمتعتها وتغادر المنزل خوفًا من بطشها، على الرغم أنها لا تدري إلى أين تذهب، ولا إلا من تلجأ، ولكنها سترحل، حتى لو توصل بها الحال أن تبقى بالشوارع فسيكون أرحم لها مما حل بها الآن، وسيحل بها إن لم تنفذ ما طلبته منها.

❈-❈-❈

استفسر من الطبيب عن وضعها، وأذن بمغادرتها، عاد إليها من جديد، ودلف إلى غرفتها بعد أن استأذن بالخروج، وجد عمها يجلس برفقتها، اقترب منه وصاح بحدة:

-هو أنا مش قلت ليك متدخلش ليها؟!


أجاب بتلعثم:

-غصب عني يا باشا طول ما أنا قاعد في الكافتيريا لازم أشرب حاجة وأنا أشفرت الصراحة، وخوفت أقعد بره يطلبوا مني أدفع فلوس المستشفى فوجئت أقعد معاها، قال بالحق حضرتك دفعت المصاريف بتاع المستشفى؟! أصل أنا مش معايا كاش يكمل.


طالعه إلياس من أعلى إلى أسفل بسخرية، وتهكم بنبرة حادة:

-لا اطمئن دفعت.


توجه بنظراته تجاه مسك، وتسأل باهتمام:

-كويسة الوقتِ؟!


أومأت بايجاب وردت:

-الحمد لله.


تنهد بارتياح وقال:

-الدكتور قال تخليكي النهاردة في المستشفى وتخرجي بكره أفضل.


حركت رأسها نافية وهتفت بإصرار:

-لا لا أنا عايزة أروح لو سمحت.


هتف عمها باستياء:

-ما قال ليكي الدكتور قال بكره هو لازم تجادلي وخلاص؟!


رمقه إلياس شذرًا، واستطرد قائلًا بتوبيخ:

-ملكش دعوة بيها أنا هعمل ليها اللي هي عايزاه أسكت وخليك في حالك هروح أخلص تصريح الخروج وأرجع على الله أرجع تكون مزعلها وقتها متلومش غير نفسك.


لوى شفتيه بامتعاض وقال:

-حاضر هسكت خالص ومش هنطق أنا مش عارف إيه اللي جابني معاكم بس؟! أهو قاعد هنا زي خبيتها.

❈-❈-❈

انتهت المحاضرة أخيرًا، بعدما طال شرح الدكتور وتشعّبت أسئلته، فتنفّس الطلاب الصعداء واحدًا تلو الآخر، وبدأت القاعة تضجّ بالأصوات وحركة الكراسي والضحكات المتعبة. خرجوا سويًا إلى الممر الطويل، تتداخل خطواتهم مع أحاديث جانبية وضحكات خفيفة تحاول كسر إرهاق اليوم.


كانت غنى تسير بجوار نوران، وحين اقتربتا من بوابة الخروج، تشبثت بذراعها فجأة، كأنها تخشى أن تفلت منها، وهتفت بصوتٍ يحمل رجاءً صادقًا: 

-ما تيجي معايا النهاردة؟ بلاش تسافري لوحدك.


توقفت نوران ونظرت إليها بدهشة خفيفة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة تخفي خلفها تعبًا متراكمًا: 

- يا بنتي متعودة، الطريق مش جديد عليّا وهيكون أرحم من اللي حصلي النهاردة.


تنهدت غنى بأسفٍ واضح، ومالت برأسها قليلًا وهي تتأمل ملامح نوران الشاردة، ثم تساءلت بحذر وكأنها تخشى أن تفتح جرحًا لم يلتئم بعد: 

-إنتِ لسه زعلانة من عمر؟!


أغمضت نوران عينيها ببطء، كأن السؤال أثقل جفنيها، وزفرت أنفاسًا محمّلة بالألم قبل أن تهمس بصوتٍ مكسور:

-مع الأسف مقدرش أزعل منه.


تجمدت غنى مكانها لثانية، وحدّقت فيها بعينين ممتلئتين بالشفقة والدهشة معًا، لم تكن الإجابة التي توقعتها، ولا التي تمنتها. اقتربت منها خطوة، وقالت بلهفة لم تستطع إخفاءها: -إنتِ بتحبيه يا نوران صح؟!


فتحت نوران عينيها أخيرًا، وفيهما بريق حزين يشبه دمعة معلّقة على وشك السقوط، ابتلعت ريقها بمرارة، وكأن الكلمات علقت في حلقها قبل أن تخرج: 

-حتى لو بحبه هيفرق في إيه؟


سقط الصمت بينهما ثقيلًا، صمت مليء بأشياء لم تُقل، وبمشاعر أكبر من أن تُشرح، نظرت نوران إلى الأرض، ثم 

تابعت بصوتٍ أكثر خفوتًا: 

-الحب لوحده مش كفاية يا غنى. 


قالت غنى: 

-بس عمر مش وحش هو يمكن مش شايفك مسيره يشوفك ويهتم بيكِ زي ما إنتِ مهتمة به.


ابتسمت نوران ابتسامة باهتة، خالية من أي فرح: 

-الاهتمام لما ييجي متأخر، بيبقى زيه زي الاعتذار اللي ما يداويش أنا تعبت من إني أبرر له، ومن إني أستنى منه خطوة عمرها ما بتيجي.


رفعت رأسها أخيرًا، ونظرت لغنى نظرة صادقة موجعة: 

-أنا بحبه أيوه بس بحب نفسي شوية كمان، ومش عايزة أفضل معلقة على أمل ممكن ما يتحققش.


شعرت غنى بغصة في حلقها، ومدّت يدها تمسك بكف نوران بحنان: 

-أحيانًا أقسى قرار إننا نختار نفسنا.


هزت نوران رأسها ببطء، والدمعة التي قاومتها طويلاً انسلت أخيرًا: 

-والأقسى إنك تختار نفسك وإنت قلبك لسه هناك عند شخص مش قادر يختارك.


«ويطلع مين الشخص اللي الهانم مستنية إنه يختارها؟!»


يُتبع..


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة زينب سعيد القاضي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة