-->

رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 18 - الأربعاء 31/12/2025

 

قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل الثامن عشر 

تم النشر الأربعاء 

31/12/2025



فنظرت إليه بدهشةٍ لا تعرف من ذاك الشاب الذي يدعي معرفة زوجها، وقد انعقد حاجباها لا إراديًا، وسألته بنبرة حذرة كيف يعلم زوجها؟!

ليخبرها انه عامل يعمل بمحطة وقود كان دومًا ما يمر عليها (حازم) وقد ترك له صندوق قبل أن يسافر باريس ولكن مر وقتًا طويلًا وهو لم يأتي لأخذ ذلك الصندوق حتى أنه لا يمر على محطة الوقود التي يعمل بها ورأه بالأسفل بالصدفة وهو بجانبها، ولم يستطع ان يلحق به، ليوقفه بواب العمارة ليسأله ماذا يريد، بعدها طلب من البواب أن يصعد إلى (حازم) بعد أن علم أنها زوجته، في تلك اللحظة، خرج (حازم) من الغرفة المجاورة وهو يعقد جبينه، وقال متسائلًا

- في حاجة يا (نغم)؟


ما إن وقعت عينا الشاب عليه حتى اتسعتا بلهفةٍ، وقال 

- أخيرًا لاقيتك يا أستاذ (حازم)!


تجمّد (حازم) لحظة، ثم نظر إلى (نغم) بدهشةٍ مماثلة، فهزّت كتفيها في حيرةٍ صامتة، ابتلع ريقه، وقال ببطء

- إنت مين؟


اقترب الشاب خطوة، وهو ينظر إليه بتفحّص، فكيف له أن لا يعلمه وسأل بحيرة

- إنت مش فاكرني يا (حازم) بيه؟


تدخّلت (نغم) سريعًا، موضحة ما يحدث

- معلش .. (حازم) عمل حادثة وفقد الذاكرة


اتسعت عينا الشاب بدهشة، وقال 

- لا ألف سلامة على حضرتك!


حدّق (حازم) فيه لحظة، ثم قال 

- دخّليه جوه يا (نغم)


دخل الشاب، بينما ظلّ يرمق (حازم) بنظراتٍ طويلة أربكته، وقال فجأة

- إنت مش فاكر يا باشا قبل ما تسافر باريس؟ جبتلي صندوق كده صغير


قطّب (حازم) ما بين حاجبيه، وكرر بذهول

- صندوق؟!


أومأ الشاب ثم قال بهدوء

- أيوه يا باشا، انا (سمير) شغال في بنزينة (....)، على طول كنت بتمويل منها بس قطعت الفترة اللي فاتت .. عمومًا أنا هجيب لحضرتك الصندوق في المكان اللي تحدده


ثم نظر إلى ساعة يده وقال

- لأن كلها نص ساعة وهيبدء الشيفت بتاعي


تنفّس (حازم) بعمق، وقال محاولًا التماسك

- طب واحدة واحدة عليّ .. إنت قابلت (حازم) إمتى؟


نظر إليه الشاب بحيرة

- هو مش حضرتك (حازم)؟!


شعر (حازم) بتوترٍ يتسلّل إليه، فقال سريعًا

- أيوه .. أيوه، أنا (حازم)


ابتسم الشاب أخيرًا، وقال

- عمومًا حضرتك ادتني الصندوق قبل سفرك على طول


ابتلع (حازم؟ ريقه، وسأله

- في ايه الصندوق ده؟!


هز الشاب كتفها بلا مبالاة وقال

- معرفش بصراحة، دي كانت أمانة واصلًا الصندوق عليه قفل وانا محاولتش افتحه


نهض الشاب من مكانه وأخبرهم أنه سوف يذهب إلى العمل الآن، فأعطته (نغم) العنوان الخاص بعملها كي يرسل إليها ذاك الصندوق بالغد، نظرت (نغم) براحة إلى (حازم) وقالت بحماس

- تفتكر ممكن يكون في حاجة خاصة بالبرديات أو السرداب 


أخذ نفس عميق ثم نظر له وهو لا يعرف حقًا اي شئ وسينتظر حين يأتي ذلك الصندوق ويعرفوا ما بداخله، فنظرت له بحماس وقالت

- عقبال ما يجي بقى، كمل ليا (تي) حصلها ايه؟


بدء أن يروي ..


بعد أن سقطت بين ذراعي، شعرتُ للمرة الأولى بالتيه، بالعجز الكامل، أنا الذي لم أعرف الهزيمة يومًا، وقفت عاجزًا أمام وهن جسدها وذبول روحها، أمرت بإحضار أمهر الأطباء، ظلت راقدة على الفراش يومين كاملين، لا أحد يفهم ما بها، ولا تفسير لما ينهشها ببطء ..


كنت قد تركتُ كل شيء، الحكم، والعرش لأظل بجوارها، لم يعد يهمني شئ سوى أن تكون هي بخير، جلستُ بجانبها، أمسك يدها الباردة، كان الشحوب قد استوطن وجهها، وعيونها فقدت بريقها، لكنها حين فتحتها ونظرت إليّ، قالت بصوتٍ واهن، بالكاد يُسمَع

- أريدك أن تعدني بشيء .. قبل أن أرحل


تلك الكلمة .. أرحل، سقطت عليّ كطعنةٍ في الصدر

مال جسدي نحوها، وقلت بانفعالٍ حاولت كبحه

- لا تقولي ذلك، ستكونين بخير، سأُرسل في طلب الأطباء من كل بقاع الأرض، فقط تمسّكي قليلًا


ابتسمت ابتسامة ضعيفة، كسيرة، لكنها موجعة، ثم قالت بهدوءٍ 

- انتهى الأمر يا (إيمحور) لم يعد لي مكان هنا لكن أرجوك عدني أن تتزوج، أن تعيش، أن تُنجب الوريث الذي لم أستطع أن أمنحك إياه


شعرتُ بأن أنفاسي اختنقت، انحنيتُ، قبّلت يدها، وقلت بصوتٍ مبحوح

- لا أستطيع أن أعدك بشيء كهذا، لم أحب قبلك، ولن أحب بعدك، ولن تكون لي زوجة غيرك


رأيتها تبتسم مرة أخرى، وكأنها استسلمت، ولم تُجادل، ثم أغمضت عينيها وانتظرتُ لبرهة كي تعود إلى وعيها ولكن لا شئ، هززتها بلطف ولم تحرك ساكنًا، صرختُ في الحراس، بصوتٍ لم أعرفه عن نفسي من قبل

- الطبيب! أحضروا الطبيب حالًا!


دخل الطبيب، فحصها، طال صمته ثم نظر إليّ، وفي تلك النظرة، عرفت الحقيقة قبل أن ينطق، قال بصوتٍ منخفض

- مولاي .. لقد فارقت الحياة


سقطت دموعي، لأول مرة في حياتي، بكيت حتى جفّت عيناي، ولم أشعر بضعفي قط كما شعرت به في تلك اللحظة، لم أفهم ما أصابها، ولا كيف رحلت بتلك السرعة، لكنني أمرتُ بأن يُقام لها عزاءٌ ملكي يليق بمقامها، وأن تُحنّط وفق الطقوس المقدسة ..


وأثناء التحنيط

اكتشف الأطباء ما لم يكن في الحسبان حيث وجدوا مادة غريبة في معدتها، مادة تؤدي إلى الموت، شعرتُ بالذهول ثم اعتراني الرعب ثم الغضب فمن يجرؤ على أذيتها؟ من دسّ لها السم؟

أمرتُ فورًا بإحضار وصيفتها الخاصة لأسألها ماذا كانت تأكل الأيام الماضية، أخبرتني بأنها كانت قليلة الطعام، فقدت شهيتها تمامًا لكن الشيء الوحيد الذي كانت تحافظ عليه هو الدواء الذي وصفه لها الكاهن من أجل أن تنجب ..


صمت للحظات وأنا لا افهم ماذا يحدث و أمرت الحراس بإحضار الدواء فورًا، وسلّمته للأطباء ..

لم يستغرق الأمر طويلًا حتى عادوا إليّ وأخبروني بأن هذه الأعشاب، لا تُعين على الحمل بل تُسبّب الإجهاض، وتؤدي إلى الهلاك عند الاستمرار عليها ..


كانت صدمة قوية لدي لما يفعل ذلك الكاهن ذلك ومن المستفيد بذلك الأمر، لماذا سعوا إلى موتها؟

نظرتُ إلى الوصيفة بعينٍ اشتعلت غضبًا، وقلت

- أريد اسم الكاهن .. الآن


ارتعشت وهي تقول

- اسمه .. (سخم)، يا مولاي


توقف عن السرد حين لاحظ بكائها لن ينكر الأمر هو أيضًا فلقد لمعت عيناه بالدموع لكنه تماسك قليلًا، أخرجت من حقيبتها محرمة ورقية ومسحت بها دموعها، لاحظت ترقرق عيناه بالدموع واندهشت فعلى الرغم من أن (حازم) ليس مرهف الحس هكذا ولكنه تأثر، تأثر بحب (ايمحور) ل (تي نا)، اخذت نفس عميق ثم قالت

- ليه ممكن الناس تأذي بعض كده؟!


ابتسم بسخرية ورثاءً على حاله وهو يقول

- الطمع، مش الطمع في الفلوس بس، لا الطمع حتى في اكتساب السعادة اللي مش قادر تحققها وشايف غيرك محققها أو يخيل ليك أن محققها


زفرت (نغم) بضيق وقد اتفقت معه فيما يقول، في تلك اللحظة كانت (نيرة) قد خرجت من غرفتها ومعها على الهاتف خطيبها بعد أن علم أن (حازم) موجود بالمنزل بشخصية (ايمحور)، أمر خطيبته بأن تظل في غرفتها وان لا تخرج وسيظل معها عبر الهاتف حتى لا يضايقها، شعرت حينها (نيرة) بسعادة كبيرة، فقد كانت دومًا تشكو من أنه لا يهتم بها ولا يحدثها خلال ساعات العمل ولكن الآن هو من يهتم صحيح انها تستمع إلى كل ما يحدث معه في المكتب ولكن شعورها بأنه يهتم ويشعر بالغيرة جعلها سعيدة للغاية، شعرت بالجوع وقررت أن تتجه نحو المطبخ دون أن يراها (حازم) ولكن وقعت عيناه عليها وهي تخرج من الغرفة وابتسم لها ورفع حاجبيه وهو يحيها بطريقة خاصة، فعضت على شفتاها بغيظ ولكنها ابتسمت له على مضض وقررت التوجه نحو المطبخ لتسمعه يقول

- مش ناوية تقعدي معايا شوية قبل ما امشي؟!


أغمضت (نيرة) عيناها بآسى على تسرعها فقد ظنت أنهم بغرفة الجلوس ولكن يبدو أنهم انتقلوا ليجلسوا ببهو المنزل ليستمع (حسام) إلى صوت (حازم) وقال بأنفعال

- خرجتي حتى وانتِ معايا على التليفون


زفرت بضيق وعادت مرة أخرى إلى غرفتها وهي تقول

- كنت فاكرة أنهم في الصالون متكبرش الموضوع يا (حسام) .. وبعدين جعت جعت بلاش اكل


ثم أغلقت باب الغرفة بعنف في حين ابتسمت (نغم) على شقيقتها، بينما تجعد جبين (حازم) من الضيق وقال

- خطيبها اللي بتكلمه ده، المفروض يعاملها بطريقة احسن من كده


نظرت له وهي لا تصدق ما تسمعه منه للتو ورددت بذهول

- ياااا شيخ!!!


عقد حاجبيه بدون فهم لتبتسم على ملامحه وتقول

- اعرف واحد كده بيتعفرت لو واحد جاه جنبي، بس بحبه


- جوزك؟!


سأل وكأنه يجيب على نفسه فابتسمت هي على الحالة العبثية التي تشعر بها الآن ثم نظرت للأعلى وهي تقول

- ياااارب

❈-❈-❈

وفي مساء اليوم ..

جلست في غرفتها، متأملة الهدوء الذي يحاوطها وهي تشعر بالملل، منتظرة عودة زوجها، فإذا بهاتفها يرن فجأة، التقطته وهي تبتسم بعد أن رأت اسم المتصل، وقالت بلهجة دافئة وطفولية

- ثومى حبيبي .. انت بتعمل ايه؟


ضحك على حديثها، ثم قال مصححًا 

- اسمها .. انت عامل ايه، مش بتعمل ايه؟


تأففت (نغم) بصوت طفولي، ثم قالت

- جرى ايه يا واد؟ مالك مش طايق مني أي كلمة كده ليه؟


ابتسم (هيثم) وهو يهمس

- لا ازاي ده .. ده أنا عاوزك في خدمة


رفعت (نغم) حاجبها بفضول

- قول واعترف .. خدمة ايه؟


تحدث بجدية

- بصي يا ستي .. بكرة إن شاء الله هنزل كمدرب سباحة للمبتدئين في نادى (·······)


ارتسمت على وجه (نغم) ابتسامة عريضة، وقالت بفرحة

- مبروووك يا ثومى!


رد عليها (هيثم) مبتسمًا

الله يبارك فيكي .. بس أنا عاوز منك خدمة، تجيبي (ساندي) للنادي .. عاوز أشوفها


شعرت بغرابة بأهتمامه الذي بدأت أن تلاحظه مؤخرًا

- ايييه موضوع (ساندي) ده يا واد؟


أخذ نفس عميق ثم اجاب بهدوء

- مش عارف معجب بيها وبفكر فيها، أصل أنا قابلتها قبل ما اعرف إنها أخت (حازم)، ولما عرفت إنها اخته فرحت اووي، حسيت إن المسافة بيني وبينها بتقرب


صمتت للحظات ثم قالت له بنبرة محذرة

- بس (ساندي) غلبانة .. ملهاش في اللف ولا الدوران


أجاب (هيثم) سريعًا

- يعني أنا اللى لافف؟ مانتي عارفة اللي فيها 


 ابتسمت وشعرت بسعادة فهي تتمنى السعادة لشقيقها وأيضًا شعرت بطيبة قلب (ساندي) الأيام الماضية، لذا وعدته بأنها ستحضر (ساندي) له بالغد في النادي ويقضوا بعض الوقت معًا بعد أن تنتهي من عملها، ثم أغلقت الهاتف معه، في تلك اللحظة دخل (حازم) إلى الغرفة، مطأطأ الرأس نحو الأرض، يشعر بالندم فقد وعدها بقضاء عطلة سعيدة معًا ولكنه لم يستطع بسبب حالة التقمص التي تلبسته وقد ضاع اليوم هباءً، زمت (نغم) فمها يطفولية فقد فهمت ما يشعر به، متجنبة النظر إليه، لكنه اقترب وجلس بجانبها ثم قال بنبرة أسف

- مش عاوزك تزعلي مني


اجابت بضيق، فحقيقة الأمر هي كانت تريد قضاء الوقت معه هو وليس مع الشخصية الأخرى

- كان نفسي بصراحة اقضي اليوم معاك خصوصًا أن بكرة في شغل


- يعني مش بمزاجي يا نانا، مانتي عارفة


ابتسمت وقالت مازحة

- اها، عااارفة .. وأنا غلطانة إنّي وافقت على واحد مجنون


نظر لها مطولًا وقال

- أنا .. أنا مجنون يا نانا!!!


فنظرت له (نغم)، وقالت ببرود كي تقوم بإغاظته

- عمومًا مش مهم .. قضيت وقت لطيف مع (ايمحور)


ارتفعت حدة صوت (حازم)

- نعم .. يعني ايه مش فااهم؟!


ضحكت لأنها نجحت في اشتعال غضبه

- يعني (ايمحور) كان معايا طول اليوم .. ومش سابني خااالص


زفر بضيق ثم قال

- اتعدلي يا (نغم) .. وبعدين فهميني ايه علاقتك بيه؟


اتسعت عيناها بدهشة، وهي تكرر السؤال لا تصدق ما يتفوه به 

- علاقتي بمين؟


- بـ(ايمحور) يا حبيبتي


ضحكت (نغم) بشدة، وقالت

- انت عبيط يا (حازم) .. ما (ايمحور) ده انت!


اقترب منها ثم امسك رسغها وهو يقول بانفعال

- لا مش انا هو مش انا .. وياريت تتعاملي معاه بحدود من غير اي تلامس


نظرت له وهي لا تأخذ كلامه على محمل التصديق ثم قالت وهي مبتسمة

- بس انا بحبه، ده اول حب ولولاه مكنتش حبيتك


أتسعت عيناه وهو لا يصدق ما تقوله ثم زفر بضيق

- يوووووووه!


رفعت إحدى حاجبيها وقالت

- أنا مش فاهماك .. انت بتتكلم بجد؟! .. محسسني إنك بتكلم شخص تاني يا حبيبي .. ده انت!


هدأ قليلًا بعد أن استمع إلى كلمة حبيبي ثم ابتلع ريقه وقال 

- بس أنا بغير


ابتسمت وهي مندهشة من ما تسمعه منه

- بتغير من نفسك؟!


نهض عن مكانه وابتعد ولم يتحدث فنهضت من مكانها ووقفت أمامه وقالت بهدوء

- يا حبيبي .. انت هو .. وهو انت


استسلم لما تقوله ولم يتحدث اكتفى بالنظر داخل عينيها التي يعشقها ثم قال

- بس انتي زعلانة مني .. أنا وعدتك نقضي اليوم سوا وكنت ناوي اخرجك


هزت كتفاها بلا مبالاة وقالت بصدق

- خلاص هعمل ايه يعني تتعوض إن شاء الله يوم تاني


ابتلعت (نغم) ريقها وتحدثت بتوتر وهي تفرك يديها بعضهم ببعض، فهي لا تريد أن تخبئ عنه أي شئ

- صحيح .. (رؤوف) كلمني


ارتفع حاجبه

- نعم!!! ليه إن شاء الله؟!!


شعرت بحدته، فزفرت ثم قالت

- في مؤتمر عن أحدث الاكتشافات وأساليب التوثيق، والشركة رشحتني أحضره كمخرجة، و(رؤوف) هيكون هناك كمتحدث، فكلمني عشان يبلغني 


عض شفتاه بغضب

- انا مش فاهم هو حاطك في دماغه ليه، وعارف ومتأكد أنه هو اللي مرشحك، وحضرتك كل اللي بتعمليه انك بتنفذي كل اللي هو عاوزه عشان بس يضايقني، انتي معاه ولا معايا


نظرت له نظرة مطولة مشبعة باللوم ثم قالت

- دي مش اول مرة اشتغل مع (رؤوف)، واشتغلنا كتير سوا من قبل حتى ما اعرفك ولو اتغيرت معاه أو في الشغل هيحس أن في شئ مش طبيعي


قال بحسم

- وانا قلت مش هتقابليه ومش هتروحي المؤتمر ده


حاولت (نغم) تهدئته

- طب المرة الجاية هبقى اعتذر، المرة دي مينفعش عشان شركة الإنتاج اللي شغالة فيها كلموني برده


زفر ثم مرر كف يده على وجهه ثم قال

- تمام هبقى معاكي وهروح معاكي


نظرت له وهي حقًا لا تفهم، تشعر بأنه لا يثق بها وأن حديثه هذا به إهانة لها وكأنها ذاهبة كي تقوم بخيانته، حقيقة أصبحت تحتار في أمره لكنها لم ترد أن تجيب، فابتسم هو بسخرية وقال بتهكم

- ايه مش عاوزاني ابقى معاكِ طبعًا


نظرت له بذهول ثم قالت 

- انت مينفعش حد يتناقش معاك ابدًا


 لم تنتظر منه أي إجابة واتجهت إلى الغرفة الخاصة بها بينما هو ركل المقعد بقدمه بانفعال، يعلم أنه مخطئ، ولكنها مصرة على أن لا تقطع علاقتها بذلك الوغد وهذا يثير جنونه ..

❈-❈-❈

في عصر اليوم التالي ..

بعد أن انتهت من عملها، اتفقت مع(ساندي) أن يذهبا إلى النادي وأخبرت (حازم) بأنها ستخرج مع شقيقته رغم أنهما لم يتحدثان منذ الأمس فقط قام بإيصالها صباحًا العمل دون أي حديث وهي لم تهتم فهو من اخطأ بحقها، جلستا على إحدى الطاولات القريبة من المسبح، وما هي إلا لحظات حتى انضمّ إليهما (هيثم)، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، وهو ينظر إلى (ساندي) تحديدًا

- أزيكوا عاملين إيه؟


أجابت (نغم)، وهي تسند ظهرها إلى المقعد

- تمام الحمد لله، يلا اطلب لينا غدا حلو كده


ضحك (هيثم) وهو يقول ببرود

- انتي مجيتك دي هتيجي فوق دماغي ولا إيه؟


تدخلت (ساندي) فورًا، بنبرة تحمل شيئًا من التحفظ

- ملوووش لازوم نعطّل الكابتن يا (نغم)، تعالى اصلًا نروح اي مطعم ناكل فيه


ثم التفتت إليه

- اتفضل يا كابتن على شغلك، (نغم) قالتلي انه أول يوم ليك في النادي


رفع (هيثم) حاجبه باستغراب

- طب ليه الوش ده! ده أنا بهزر مش أكتر، إنتوا زعلتوا ولا إيه؟


أدارت (ساندي) وجهها للجهة الأخرى في تجاهل واضح، بينما ابتسمت (نغم) محاولة تلطيف الجو

- يلا يا واااد، أنا حلوفة مش بزعل، إحنا هنقعد نرغي شوية عقبال ما تجيبلنا غدا حلو


مال (هيثم) قليلًا للأمام وقال بمزاح 

- يا سلام، أحلى غدا لأحلى بنتين في مصر


اشتعلت نظرة (ساندي) فورًا

- إيه اللي بتقوله ده؟!


ضحك (هيثم) بخبث

- مش حلوة يعني؟! عمومًا إنتي أدرى بنفسك


زفرت (ساندي) بضيق، بينما ضحكت (نغم) وهي تحثه

- يلا يا واااد


غادر (هيثم) نحو النادل ليطلب الطعام، فانحنت (ساندي) قليلًا تجاه (نغم)

- أخوكي ده مجنون، تعالى نروح نقعد في أي حتة برة


هزّت (نغم) رأسها رافضة

- ليه بس؟ المكان هنا جميل، وبعدين أنا قايلة ل (حازم) إني هنا، مش في حتة تانية، مش عاوزة مشاكل معاه


- طيب


عاد (هيثم) بعد دقائق وهو يقول

- المتر هيجيب أحلى فطار هنا وجاي


وجلس بجوار (ساندي) متعمدًا القرب منها

- مش هتفكّي بقى ولا إيه؟


نظرت إليه بازدراء

- أفك؟! لا، كل الفلوس اللي معايا مجمّدة


- مجمّدة ولا طازة؟


ضيّقت عينيها وقالت بضيق

- لا ده إنت شخص لا يُطاق


ضحك وهو يشير إلى (نغم)

- ليه بس؟ ده أنا عسل، اسألي (نغم) .. مش أنا عسل برده؟


قهقهت (نغم) ثم قالت

- عسل أسود


ارتفع إحدى حاجبيه بغيظ ثم قال

- بقى كده؟ ماشي ماشي بس في النهاية عسل برده


في تلك اللحظة، جاء صوت أنثوي من خلفه

- كابتن (هيثم)


التفت، فوجد (رغد)، فتجهم وجهه قليلًا ثم قال بلهجة رسمية

- أزيك يا (رغد)؟


- تمام يا كابتن، أنا جيت النهارده عشان أبدأ معاك التدريب من أول يوم


اماء برأسه دون أن يتحدث، فتفحّصتها (ساندي) من أعلى إلى أسفل بنظرة مستنكرة الدلال الذي تتحدث به فقالت (رغد) بحماس

- يلا بقى يا كابتن، أنا جاية متحمسة أوي


ردّ ببرود واضح

- طب اسبقيني على مكان التدريب، وأنا جايلكم حالًا


ابتعدت عنهم، فالتفتت (نغم) إليه

- مين دي يا واد؟ وبتكلم بعشم كده


- واحدة معجبة، بس سيبك منها


ابتسمت (ساندي) بسخرية جانبية، فلاحظ (هيثم) نظرتها

- بتضحكي على إيه؟


- على معجبة دي .. حسستني إنك ممثل وفظيع والبنات بتجري وراك


رفع كتفيه بثقة

- مش لازم أبقى ممثل عشان البنات تجري ورايا


نظرت له بتهكم ثم قالت

- أوووه، حقيقي؟! طب روووح الحقها يا كابتن، لا أحسن تغرق في شبر مية


تبادل (هيثم) و(ساندي) نظرة طويلة مشحونة، بينما انفجرت (نغم) بالضحك، قال (هيثم) أخيرًا

- عن إذنك يا (نغم)، هروح أشوف شغلي


ابتعد، وجاء النادل ووضع الطعام أمامهما، فنظرت (ساندي) حولها وقالت بضيق

- إنتي جبيّتيني هنا ليه؟


- مفيش أبدًا .. زهقانة، و(هيثم) عاوزني أشوفه في أول يوم شغل ليه، وإنتي زيي مش بتخرجي، قلت يمكن تحبي الجو


صمتت ولم تتحدث وتناولا الطعام سويًا، بعدها اتجهتا إلى مكان التدريب، لاحظت (ساندي) أن أغلب من يتدرّب فتيات، وكثيرات منهن يتقربن من (هيثم) دون داعٍ، يتعمدن لفت انتباهه، عضّت شفتها بضيق، لم تفهم حقيقة مشاعرها وارجعت هذا لأن ذاك المدعو (هيثم) ليس مبهر لتلك الدرجة التي تتهافت بها أولئك المراهقات بها عليه، في تلك الأثناء، دخل (حازم) النادي، أخذ يبحث بعينيه حتى وجدها، اتصل بها ليعرف مكانها، ثم اتجه إليهما وجلس بجوارهما، التفتت إليه (نغم) وقالت بلا مبالاة

- بس انا ملحقتش اقعد، مش همشي دلوقتي


نظر إليها وارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة وقال بصدق

- وحشتيني .. وحقك عليا مش عارف اتخانق معاكي اكتر من كده


أطلقت (ساندي) صافرة وهي تضع يدها على وجنتيها وهي تتابع حديثهم كأنها تشاهد مسلسل، في حين احمرت وجنتتي (نغم) خجلًا، كيف له أن يغير مزاجها ببضع كلمات كالتي قالها لها؟!

في حين تابع هو حديثه

- عارف اني احيانًا كتييير مش بفكر في كلامي قبل ما اقوله، بس صدقيني مقصدش ازعلك أو اضايقك أو اقلل منك


اشاحت بوجهها بعيدًا فلا تستطيع النظر بداخل عينه الآن وقالت بصدق

- خلاص يا (حازم) مش وقته


علا ثغره ابتسامة هادئة وقد فهم انها تشعر بالخجل من وجود (ساندي) بينهم التي علقت قائلة

- كنت عاوزة اكمل المشهد، قطعتيه ليه يا فصيلة


هزت (نغم) رأسها بآسى على تلك المجنونة، في حين قامت بفتح حقيبتها وأخرجت منها صندوق حجمه لا بأس به وقالت

- نسيت اقولك امبارح، في واحد جاه وقال انك كنت مديله أمانة قبل ما تسافر، المهم جاه الشغل عندي واداني الصندوق ده، متفائلة أن الصندوق ده هيقربنا لحاجة


عقد حاجبيها بدون فهم فظلت تشرح له ما حدث بالأمس واخبرته أنها أول مرة تقابله قد أعطاها مفتاح ويبدو أن ذلك المفتاح هو خاص بذلك الصندوق، تتذكر جيدًا أنه أخبرها أنه وجد ذلك المفتاح في المكتب الذي يتقابلا به، موضوع بداخل ظرف مكتوب عليه (ايمحور)، انشرح صدر (حازم) لتتابع (نغم) قائلة

- المفتاح معايا في البيت، هروح اسلم على (هيثم) ونمشي نشوف ايه حكاية الصندوق


اومأ برأسه لها ولكن تظل الأفكار العبثية تتجول داخل عقله هل كان يثق بعامل بمحطة الوقود كي يعطيه شئ خطير كهذا؟!!

الأمر غاية في السفه حقًا ..

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة