قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الثالث عشر
تم النشر الجمعة
12/12/2025
جلست قبالته، يعلو ملامحها ابتسامة هادئة فقد اشتاقت له كثيرًا، ربما لأنه عندما تعرفت على (حازم) تعرفت من خلاله هو، أو ربما لأنه جزء من التاريخ التي هي تعشقه ومتيمة به، أسباب كثيرة تجعلها تكن كل المحبة لتلك النسخة التي أمامها من (حازم)، ربما تحب حب (ايمحور) لزوجته، حقيقة لا تعرف السبب في تعلقها بتلك الشخصية حتى أنها وافقت أن تتزوج من شخص لا تعرفه بناء على معاملته اللطيفة معها، أو أنه شاركها في اكتشفه ذلك الذي أصبح فيما بعد تقمص، أخبرته أنه اشتاقت لوجوده الفترة الماضية كما أنها متشوقة لتعلم باقي قصته، اطمئن عليها وعلى احوالها، بعدها أخبرته أنها تزوجت من الشخص الذي يشبهه، فارتفع حاجبه الآخر هذه المرة، بدهشة
- ليييه؟!
تنفست بعمق، ثم قالت وهي تشرح له
- أنا اتجوزته عشان اللي اسمه (رؤوف) يبقى ابن خالته، وهو بيراقبنا، ومقابلتي معاك أو مع (حازم) كتير من غير أي علاقة كانت هتزود الشك
أمال رأسه، يقلب كلماتها في ذهنه لتتابع هي
- انا بس بقولك عشان لما تبقى معايا اتعامل كأنك (حازم) مش عاوزييين حد يعرف شخصيتك الحقيقية
صمت ولم يجيبها، فواصلت حديثها، و انخفض صوتها لتحدثه بها
- أنت لازم تساعدني، عاوزة أفهم منك حاجات كتير، عشان (حازم) حياته في خطر، والناس دي عاوزة تقتله لو مساعده مش في تهريب الأثار الموجودة في السرداب
أجاب بلامبالاة
- إنتوا يهمّكوا أوي التماثيل دي .. أنا اللي يهمّني سمعتى
قالت بلا تردد
- أيوة طبعًا .. التاريخ ده جزء مننا ومن بلدنا مش مسموح أنه يتم تهريبه لاطماع فردية لأشخاص ميهمهومش غير المادة
رفع كتفيه، مستسلمًا
- بغض النظر إني مش فاهم، بس عاوزة تعرفي إيه؟ وأنا أفهمِك
ابتلعت ريقها، وكأنها تتهيأ لطلب صعب
- عاوزة أعرف فين مكان السرداب؟
اجاب عليها ببرود
- انا جاي بس عشان اصلح التاريخ اللي بيتم تزويره باسمي، إنما معالم الأرض اتغيرت وكل حاجة استبدلت مقدرش اساعدك في حاجة زي دي
شعرت بالحزن ولكنها تعلم جيدًا أن ايجاد السرداب المؤدي للمقبرة ليس بأمر سهل، ولن يكون، ولكن ذاكرته هي نفسها ترجمة البرديات، لذا فتلك خطوة من الممكن أن تقودهم إلى الحقيقة ليس عليهم سوا الصبر، ثم قالت تقترح عليه
- إيه رأيك تيجي عندي البيت؟ نغيّر الأماكن اللي بنتقابل فيها، عشان ممكن يشكّوا إننا على طول بنتقابل هنا
ابتسم، مستسلمًا لها
- مفيش مشكلة خالص
- تمام، تعال أوصّلك عند ماما
ابتسم (إيمحور) وهو يتذكر خوفها وكلما شعرت بالخوف كانت تنادي على والدتها فقال مصححًا
- تقصدي .. مااااامي
عضت شفتاها بغيظ على سخريته منها، ثم صارت معًا نحو السيارة الخاصة بها، وبعد نصف ساعة كانا قد وصلا إلى منزل والدتها، التي ما أن فتحت الباب حتى احتضنت ابنتها شوقًا ورحبت بها، ثم رحبت ب (حازم) الذي لم تشك بأنه ليس هو وهذا ما أثار دهشته، هل حقًا الشبه بينهما كبير إلى تلك الدرجة الذي لا يستطيع أحد تفريقهم عن بعضهم البعض؟!
ولكنه دلف إلى الداخل معهم ولم يتحدث كثيرًا حتى لا يسبب مشكلة ل (نغم)، فطلبت (نغم) من والدتها أن تعد لهم طعام الغداء فقد اشتاقت كثيرًا للطعام من يدها، فمنذ أن تزوجت وهي لم تتذوق الطعام من يدها فرحبت والدتها بذلك، واخبرتها بأن تجلس هي وزوجها وهي على وشك الانتهاء من إعداد الطعام ..
قادته إلى غرفة الجلوس، وجلسوا سويًا فقال بدهشة
- دي فاكراني جوزِك؟
ضحكت وهي تضع يدها على فمها فحقّا فكرة أن تتعامل مع شخص بشخصيتين مثيرة للضحك وقالت بلؤم
- تخيّل
فشعر بغرابة من حديثها ونظراتها له فسألها
- شبه بعض اوي كده؟!
اقتربت منه لتجلس بجواره ثم قرصته بوجنته
- تخيّل برده
رمق يدها التي قامت بلمسه بغرابة، فشعرت بالخجل من نفسها ثم أرجعت يدها وسرعان ما ابتلعت ريقها، ليقول لها
- محدش يقدر يعمل كده مع الملك
هزت رأسها بآسى ثم قالت
- المهم، مش هتحكيلي وتكمل؟
قال بنبرةٍ لا تخلو من الغرور
- جيبيلي الأول حاجة أشربها
قالت بتذمر
- إنت بتتأمر عليّا؟ شغّالة اللي جابوك أنا؟
رفع ياقة قميصه بفخر مصطنع
- أنا على فكرة كنت ملك مصر في يوم من الأيام
ثم وضع قدمًا فوق الأخرى، وقال باستعلاء متعمد
- اعتقد ده شرف ليكِ
نظرت له مطولًا، وهو يعدل ياقة قميصه مرة أخرى، متعاليًا مغرورًا بنفسه ثم رفع حاجبه متحديًا
- كونك قعدة معايا دي تتكتب في التاريخ
لم يعجبها طريقة الاستيعلاء الذي يتحدث بها، فقالت متحدية بعناد
- بقى كده؟ طب شوف مين؟ مين بقى؟ هيسمعك ويوصل كلامك لـ(حازم)، عشان ينقذك وينقذ سمعتك، هتفضل متسجل إنك أسوأ ملك جه لمصر
فأنزل قدمه فورًا، وتلاشت النبرة الاستعلائية
- إنتي صدقتي ولا إيه؟ دي دعابة مش أكتر
ابتسمت، ثم تابعت
- آه .. لازم تعرف إني وسيلتك الوحيدة عشان أنقذك، وأنقذ سمعتك اللي بقت في الأرض .. وعشان أنقذ وظيفة سي (حازم) إنتوا الاتنين لازم تبوسوا إيدي كل يوم الصبح اني اتنازلت عشان اساعدكوا
قال بضيق
- خلاص خلاص، حقك عليّا، متزعليش، فلتة لسان
ضحكت راضية ثم قالت
- ناس مبتجييش إلا بالشخط، عمومًا عشان تعرف إني أحسن منك وعشان إنت في بيتي بس هروح أجيبلك حاجة تشربها
- أصيلة يا (نغم)
توقفت قبل أن تبتعد، رمقته بنظرة طويلة مندهشة من ذلك الكائن الذي يجلس أمامها ثم تمتمت
- ملك مصر كان من إمبابة ولا إيه؟
❈-❈-❈
جلس كلًا من (حسام) و(نيرة) إلى طاولةٍ صغيرة في أحد المطاعم الهادئة، فقد قررت ان تذهب معه كي ينتقوا عزال شقتهما سويًا وان تختار الاشياء الذي ستضعها داخل شقتها برضا وسعادة وان يكون على ذوقها ولكن كثرة السير والتجوال بين المحلات جعلتها تشعر بالتعب، فعرض عليها (حسام) أن يتناولوا الغداء سويًا من بعدها يقلها إلى المنزل مرة أخرى، فطلب من النادل الطعام ثم نظرت إليه وقالت بمرح
- اول مرة نخرج سوا .. عارف لو (هيثم) كان مكنش هيسبنا نخرج لوحدنا ابدًا
ابتسم (حسام) وهو يميل بظهره إلى المقعد ثم قال
- مش هنكر اني ساعات بضايق منه في تحكماته عليكي، بس هو معاه حق برده، عمومًا انتي اخترتي الانتريه واوضة النوم وانا حجزتهم وقريب هيبقوا في بيتنا
شعرت بالخجل واحمر وجهها قليلًا عندما قال بيتنا الذي سيجمعهم في المستقبل القريب، ولكنها اشاحت نظرها بعيدًا عنه لا تجيب، فابتسم هو فأكثر من يميز (نيرة) هو خجلها حتى لو كانت عنيدة بعض الشئ إلا أن خجلها يزيدها جمالًا فوق جمالها ..
أحضر النادل الطعام وبدؤوا في تناول الطعام سويًا، وبعد أن انتهوا من الطعام نظرت له (نيرة) ثم طلبت منه
- نفسي في ايس كريم اووووي يا (حسام) مع أن الجو برد، بس نفسي فيه
ابتسم عليها ثم أجابها وهو ينظر إلى ساعة يده
- رغم أننا اتأخرنا بس ماشي يا ستي، مقدرش يبقى في نفسك حاجة، هروح اجيبه وناكله في العربية واحنا راجعين
شعرت بسعادة لأنه يهتم بأمرها وبما تحبه رغم أنه احيانًا لا يهتم سوا بعمله فقط ولكنه يحاول أن يرضيها بشتى الطرق ..
❈-❈-❈
جلست في أحد أركان النادي بجوار صديقتها (صفاء)، تتأمل الفراغ أمامها كأن شيئًا يعتصر صدرها ببطء، كانت حركتها مضطربة، تلوّي السوار في معصمها كلما اشتد الضيق بداخلها، التفتت إلى صديقتها، وقالت بصوت متعب يختلط فيه الحزن
- عااارفة يا (صفاء) أنا كنت مضايفة أوووي أنه مش حاسس بيا، بس دلوقتي بموت من الغيرة لما شفت اهتمامه بمرات (حازم) وبصاته ليها
صمتت ثانية ثم تابعت وقد خانتها دمعة من إحدى عينيها
- انا اكتر واحدة عارفة (رؤوف)، عينه كانت بتلمع وهو بيبص عليها
رفعت (صفاء) حاجبها بحدة، ومالت بجسدها للأمام على الرغم من شعورها بالحزن على صديقتها إلا أنها غضبت منها ومن حبها الذي ليس له أي مبرر ولا مقابل وقالت
- أنا قولتلك قبل كده، أنا مش برتاح ليه، بغض النظر أنه بيبص لواحدة تانية أو بيحب واحدة تانية شايفة أنه شخص كويس أنه يبص كده لواحدة متجوزة؟!
كانت تعلم أن صديقتها محقة وظهر على ملامحها الألم، فكلمات صديقتها تصفعها كل مرة
- أنا كل اللي فكرت فيه هي فيها ايه زيادة عني عشان يبصلها
أطلقت (صفاء) زفرة طويلة، ثم نظرت إليها نظرة مليئة بالحزن عليها وعلى حالها
- انا شايفة أنه إنسان مش محترم، عشان بص لمرات اخوكي وعشان انا مش برتاح ليه بصراحة كل ما بشوفه
هوت الكلمات في صدر (ساندي) كحجر ثقيل، فانخفض بصرها إلى الأرض، وقالت بصوت خافت منكسر
- كان نفسي يحبني
وضعت (صفاء) يدها على كتفها، تهزّه هزًا خفيفًا تحاول إفاقة صديقتها من حلمها الذي سيقضي عليها يومًا ما
- لو بيحبك كان حس بيكي، هو مش بيحس
رمشت (ساندي) بعينيها مرات قليلة، تحاول حبس دمعة خذلتها، ثم قالت
- صح، معاكي حق، حتى (حازم) كذا مرة يقولي أبعد عنه
ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتي (صفاء)، وقالت بخفة تلطّف الجو
- أنا دايمًا أقول .. (حازم) ده بيفهم مش زيّك خالص
رفعت (ساندي) حاجبها بدهاء، وقالت وقد بدت ملامح الشقاوة على وجهها مرة أخرى وهي تقول
- اتجوّز على فكرة
ابتسمت (صفاء) ثم هزت رأسها بآسى على تلك الأفكار الغريبة التي تفكر فيها صديقتها وقالت بصدق
- عارفة، وبعدين انتي عارفة إنه زي أخويا!
❈-❈-❈
كانت تمسك بالكوب ثم دخلت حيث يجلس (حازم)، وقد ارتسم على ملامحها الهدوء، مدت يدها إليه بالكوب كي يشربه، فرفع (حازم) عينيه نحوها، ثم قام بشكرها على ذلك العصير الذي أعدته من اجله ثم تناول رشفة من العصير، بينما عينيه تتبعان خطواتها وهى تتحرك فى المكان، لحظة واحدة فقط مرّت قبل أن يهتز هاتفها، لتحملق فيه لترى أن شقيقها هو من يحدثها كالعادة كي يطمئن عليها ويخبرها أنه سيعود في نهاية ذلك الأسبوع وأنها يجب أن تأتي بالمطار وتكون بانتظاره بعدها أغلقت الهاتف، ثم رفعت رأسها لتجد (حازم) يطالعها بابتسامة جانبية، فمالت بجسدها تجاهه قليلًا، ثم قالت له
- احكيلى بقى، لحد ما وقفنا
فبدأ بالسرد ..
منذ أن انشغلت (تي نا) بهمّها الأكبر، ذلك المولود الذي علّقت عليه كل أحلامها، خشية أن أفارقها، بسبب الوريث الشرعي الذي لا أريده غير منها، ما كانت تعلم أن قلبي لا يريد غيرها، وأنني لو ملأت القصر نساءً ما كانت إحداهن لتأخذ موضعًا واحدًا من روحها في داخلي، لكن خوفها كان يلتهمها، ولأنني كنت أعلم أنّ الحديث معها لن يُطفئ خوفها، تركتها تفعل ما يحلو لها، واتجهت أنا إلى قلقٍ أكبر، قلق يخصُّ الدولة، فقد عمّت الفوضى في مصر العليا بسبب الجفاف، بينما تكدّست المياه والمحاصيل في مصر السفلى احتكارًا بأيدي كبار المزارعين والكهنة، كانت القرى تئنُّ تحت وطأة العطش، وأخرى تختنق بفائض لا يصل إلا لمن ملك القوة والنفوذ ..
لذلك جمعت الفلاحين والمهندسين والكهنة، ليسمع بعضهم بعضًا، ولأسمع أنا الحقيقة كاملة، بلا زخرفة ولا خوف وحينها أدركت احتكار الكهنة للماء، فقد كانت للمعابد صهاريج وقنوات تقتات من النيل، ولها أراضٍ شاسعة تُسقى قبل أن تصل قطرة واحدة إلى أفواه الجياع، والأسوء أنهم اقنعوا الشعب أن الفيضان يزيد او يقل بناءًا عن رضا الآلهة لذا لم يعجبني استغلال الكهنة ونفوذهم ..
لم أرضَ أن يكون النيل، شريان الحياة الأزلي، أداة بيد أقلية تتحكم في مصير الملايين، فقمت بإنشاء إدارة حكومية جديدة للري، مستقلة عن الكهنة، ومنعتُ المعابد من تخزين الماء فوق حاجاتها، وأمرتُ المهندسين أن يشقّوا قنوات تصل قرى الجنوب بفروع النهر، وكل قرية كان لها كمية محددة من الماء لا تقل عنها ..
ثم أقمت مخزنًا ملكيًا للحبوب، تُؤخذ فيه حصة عادلة من كل قرية، لتعود إليها ساعة الشدة، حين يكثر الفيضان أو يقلّ، فلا يجوع أحد، ومع مرور الوقت بدأت المجاعات تتلاشى، وازدادت خصوبة الأرض، وصار الناس ينعمون بما لم يعرفوه منذ سنوات طويلة ..
كنتُ محبوبًا بين الشعب، وهذا يكفيني، أما الكهنة، فزاد في صدورهم غضبي عليهم، وخوفهم مني، لم يُخفوني يومًا، ولم أسعَ لإرضائهم، ما أردته فقط المساواة والعدل بين الجميع ..
وعلى الرغم من مهمتي تلك، لم أكن يومًا لأُهمل وجود (تي نا) في حياتي، غير أنّ شؤون المملكة ابتلعت وقتي حتى شعرت بأنّ بيني وبينها مسافة لم أعتدها، وما إن هدأت تلك الزوبعة السياسية، حتى عقدت العزم على أن أعوّضها عن كل يوم مرّ دون أن أُشعرها بقيمتها في قلبي ..
فأمرتُ صانعَي الذهب في القصر أن ينسجوا لها طوقًا من ذهب الفيروز، تتدلّى منه خرزات صغيرة منحوتة على هيئة زهرة اللوتس ثم أوصيتُ خزائن القصر بأن تُنتقى لها أساور من اللازورد الملكي، وحُليّ من العقيق الأحمر الذي كانت تعشقه، وأحضرتُ لها قوارير من عطور نادرة استُخلِصت من زهر السوسن والمُرّ وورد الجبل؛ عطور لا تُهدى إلا للملكات، ولم أنسَ أن أضيف صندوقًا من أدوات الزينة التي تتقن استعمالها الكحل الأسود، ومرهم الورد، ودهن الزعفران ..
كنتُ أريدها أن تعرف أنّها ليست جزءًا من حياتي فقط، بل حياتي كلها تحت قدميها ..
وحين دخلتُ عليها، رأيتُ ما لم أستطع تجاهله؛ شحوبًا يكسو وجهها، وانطفاءً يسيرًا في عينيها، كما أنها أصبحت هزيلة بعض الشئ، لم أشأ أن ألمس بذلك كبرياءها، ولا أن تظنّني رأيت فيها نقصًا، فاقتربتُ منها حاملاً الصندوق الكبير لأهديها إياه لها، رفعت رأسها إليّ، وفي عينيها امتنانٌ حقيقي، وقالت بنبرةٍ يشوبها العتاب
- تُكثر عليّ الهدايا ولا ينقصني شيء، فلم جئتني بالمزيد؟
ابتسمتُ، ووضعت الهدية بين يديها قائلاً
- لأنّي انشغلتُ عنكِ، وأردتُ أن أعتذر كما ينبغي لملكة مثلك
تأمّلت وجهي طويلاً، تحاول أن تقرأ صدقي في ملامح وجهي، ثم قالت بريبةٍ خفيفة أوجعتني
- ولكنك جئتني بالمزيد من العطور وأدوات التجميل، أهذا يعني أنّي أصبحتُ دميمة؟
لم أصدق أن يخرج ذلك من فمها، ومع ذلك أدركتُ حساسيّتها ومدى هشاشتها في هذا الجانب، فاقتربتُ منها، وأخذتُ يدها بين يديّ، وقلت
- لو رأيتُ فيكِ نقصًا لقلتُه، لكنكِ أجمل نساء الأرض في عيناي وما أقدّمه لكِ هو أقلّ مما تستحقّينه، لا أكثر
طال صمتها، وظلّت تنظر إليّ في محاولة منها أن تصدق حديثي معها، ربما لأنها تعرف أن الملوك لا يلزِمون أنفسهم بامرأةٍ واحدة، وربما لأنها سمعت كلماتٍ مبطّنة من أحدهم، لا أعلم، فقلتُ لها بصدقٍ
- أنتِ أثمن ما في الوجود يا (تي) .. والأثمن يجب أن تكون هداياه لائقة به
وما إن أنهَيتُ كلماتي، حتى ارتمت في صدري تبكي، أدهشني بكاؤها، لكنّي لم أمنعها؛ تركتُ دموعها تنساب كما تشاء، وبعد لحظات رفعت رأسها وقالت بصوتٍ منكسر
- كنتُ أتمنى أن أقدّم لكَ الهدية التي يحلم بها كل ملك وريثًا شرعيًا .. لكنّ الأمر خارج عن سيطرتي، أظنّ أنّي حامل، ثم يتبيّن لاحقًا أن لا شيء هناك
ربتُّ على يدها، وقلت بنبرةٍ حانية
- أنتِ هديتي الثمينة، ولا شأن لي بما إذا جاء الوريث أم لم يأتِ، وإن انقطع نسلي، فهناك دائمًا بديل .. أما أنتِ، فلا بديل لكِ
فهمست بحزن
- سعادتي من سعادتك .. لكني لا أستطيع أن أجلبها لك
نظرتُ إلى عينيها العسليتين، وقلت مطمئنًا إياها
- وجودكِ هو السعادة نفسها، أرجوكِ يا (تي) .. اعتني بصحتك، هذا ما يهمّني
لمعت عيناها بدمعةٍ سرعان ما انطفأت، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنّ جسدها بدا واهنًا أكثر مما كنتُ أظن، وقبل أن أبتعد خطوة واحدة، تهاوت بين ذراعيّ فجأة، وتركتني مذهولًا لا أفهم ما الذي داهمها ولا اعلم كيف اتصرف وروحي بين ذراعاي ..
قاطع سرده صوت (عالية) وهي تقول
- يا أوﻻد، السفرة جاهزة
توترت (نغم) حينما استمعت إلى صوت والدتها كانت تريد أن تعلم ما الذي حدث ل (تي) بعد ذلك، ولكنها وقفت وقد استعادت ابتسامتها، ثم التفتت إلى (حازم) وهي تقول
- تعالى بقى، عشان تدوق أحسن أكل فى مصر كلها
رفع حاجبه ساخرًا منها
- لما أشوف
جلسوا معًا على الطاولة يتناولوا طعام الغداء، استمتع (حازم) برائحة وطعم الطعام فقد كان شهي للغاية، لم تكن تكذب حين قالت إنه افضل طعام سيتذوقه، وما أن انتهى حتى مسح فمه بمحرمة ورقية واخبارها أن الطعام جيد جدًا، فسعدت (عالية) من مدحه في طعامها، ثم أخبرت ابنتها أن تذهب وتحضر لهم بعض الكعك فلقد افتقدت الكعك الخاص بها له مذاقه الخاص، تصنعت (نغم) الحزن والضيق ولكنها ذهبت واعدت الكعك لوالدتها وهي تشعر بسعادة لأنها افتقدتها الأيام الماضية كثيرًا، لم تكن تعلم أن الزواج يمنعها عن احبائها بتلك الدرجة، اتجهت نحو المطبخ وبدأت في إعداد الكعك، وفي خلال أقل من ساعة كانت انتهت من الكعك والشاي، خرجت نحو الخارج ووضعت الصينية أمام زوجها ووالدتها ثم سمعت صوت جرس الباب، فذهبت لتفتح باب الشقة وما إن فتحته حتى سبق (حسام) صوته، وقد استنشق بأنفه رائحة الكعك
- أنا كنت ناوى أوصلها واروح، بس شكلك بتعمّلي كيكة! وانا بضعف قدام الحاجات دي
ضحكت (نغم)
- تعالى يا خويا .. نفسي افهم الرجالة بتضعف ليه قدام الأكل
قهقهت (نيرة) خلفه، فتتابعت (نغم) بمرح
- مانا شكلى بقيت الشيف المخصوصى بتاعكوا
قال (حسام) وهو يتجه نحو الداخل
- طبعًا يا نانا، انا اصلًا بعد الجواز هيبقى يوم عندك ويوم عند (عالية) لحد ما البونوبونية تتعلم الأكل
ابتسمت (نغم) ثم خفّضت صوتها فجأة، وهي تقول
- صحيح، (حازم) جوّه على أساس إنه (إيمحور)، أنا مفهّمة (عالية) إنه (حازم) عادي عشان ما تتخضّش منه، وتقولي انتي متجوزة مجنون
اتسعت عينا (نيرة) بانبهار طفلة ثم قالت
- إيه ده! أنا عاوزة أتفرّج .. وريهولي!
ما إن خطت خطوة حتى جذب (حسام) وهو يقول
- تتفرجي على الحالة مش الشخص فاهمة؟!
ضحك كلًا من (نغم) و (نيرة) على طريقته، عادت (نغم) إلى المطبخ لتحضر المزيد من الكعك، وأكواب الشاي، ثم جاءت ووجدت شقيقتها تقف من خلف الستار وهي تراقب (حازم) بشخصيته تلك في حين كان (حسام) يجلس بجواره بعد أن سلم عليه، فضربتها (نغم) بكوع يدها وهي تحمل الصينية ثم قالت بضيق
- ادخلي وبلاش تفضحينا وتعملي حركاتك دي، هو مش فرجة يا (نيرة)
ابتلعت (نيرة) ريقها بتوجس ثم دخلت خلف شقيقتها وما أن رأت (حازم) حتى رفعت اربع أصابع يدها وهي تلقي عليه التحية الذي تجمد في مكانه، وكأن الزمن توقف، حدّق فيها طويلًا، ثم اقترب منها وهو ينظر لها هائمًا
- (تي)!!!!
شهقت (نيرة) في صمت، بينما نظر (حسام) تارة ل (حازم) ومرة أخرى ل (نغم) وهو لا يفهم شئ، فوضعت (نغم) يدها على فمها، لا تصدّق ما سمعته للتو، ما تلك الورطة المعقدة في حين رمشت (نيرة) عدة مرات وهي تنظر إلى زوج شقيقتها وقالت
- مين؟!!!!
يتبع

رائعه 👏👏👏