رواية جديدة ندوب مضيئة ليارا علاء الدين - الفصل 5 - الأربعاء 31/12/2025
قراءة رواية ندوب مضيئة
كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ندوب مضيئة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة يارا علاء الدين
الفصل الخامس
تم النشر يوم الأربعاء
31/12/2025
"كيفَ تسترِقُ القلوبُ القريبةُ دورَ الجلاد، وهي التي كانَ يُفترضُ بها أن تكونَ أولَ المرافئ؟"
"للأرواحِ مغناطيسٌ خفيّ، يجذبها لنفس الأرض ونفس المدى، وكأنها قطعٌ من أحجيةٍ ترفضُ أن تكتمل إلا في موعدٍ يختارهُ الله."
"كم مرةً عبرنا بجوارِ نصيبنا من الفرح ولم ندركه، لأنَّ قلوبنا كانت مشغولةً بترميمِ انكساراتها؟"
❈-❈-❈
النُدبة الخامسة:
كان الممرّ الضيّق في قسم الشرطة يزداد برودة مع كل دقيقة تمرّ.
جلس ممدوح على المقعد الخشبي المقابل لباب غرفة التحقيق، ظهره مستقيم على غير عادته، ويداه متشابكتان بقوة كأنهما تحاولان تثبيت عالمٍ بدأ يتفكك من الداخل.
لم يكن يسمع ما يدور في الداخل، لكن الصمت ذاته كان قاسيًا.
كلما فُتح الباب للحظة، تسلّل صوتٌ مكتوم، ثم أُغلق مجددًا، كأن الحقيقة تُحبس خلفه عمدًا.
رفع رأسه فجأة حين لمح ظلًّا يقترب من نهاية الممر.
كانت ريم.
تقدّمت بخطوات ثابتة، رغم الشحوب الذي غلّف وجهها، ورغم الارتجاف الخفي في عينيها. لم تنظر يمينًا ولا يسارًا، وكأنها جاءت وفي ذهنها باب واحد فقط.
نهض ممدوح دفعة واحدة، وصوته خرج حادًّا، غاضبًا:
- أنتِ؟!
ثم أردف وقد علا صوته:
- ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟!
توقّفت ريم لثانية، رفعت عينيها نحوه، نظرة قصيرة، ساكنة، لم تحمل خوفًا ولا اعتذارًا.
ولم تجبه.
مدّت يدها وطرقت الباب كأنها تستغيث من انهيار على وشك الحدوث.
تقدّم ممدوح خطوتين، وصوته ارتفع أكثر:
— أنتِ !! أجيبي حين أتحدث, لاتختبري صبري!
لكن ريم دفعت الباب ودخلت ما إن سُمح لها بالدخول...
❈-❈-❈
في الداخل، كان مروان جالسًا قبالة المقدم شريف، وقد بدا أكثر تماسُكًا مما كان يتوقّع أحد. كتفاه مشدودتان، رأسه مرفوع، وصوته حين يتكلم لا يحمل ارتباكًا.
قال بنبرة واثقة:
- قلتُ لسيادتك، لم أكن أنا. هناك عشرات السيارات تمرّ في السوق كل دقيقة.
نظر إليه شريف بهدوء:
- هذا يعني أنك تُنكر وجودك في المكان أصلًا؟
- نعم. لم أكن هناك.
- لم تمرّ بالسوق صباح الجمعة ؟
- لا.
دوّن شريف ملاحظة قصيرة، ثم قال:
- إذن أنت تنكر كل ما نُسب إليك؟
- أنكره بالكامل.
وبينما كان مروان يظن أنه أحكم إغلاق الدائرة على كذبته، قاطع الصمتَ طرقاتٌ خافتة على الباب، كانت تحمل في طياتها تردداً واستغاثة مسموعة.
رفع شريف رأسه عن الأوراق، وقال بصوتٍ رخيم وآمر:
- ادخل.
اهتزت نظرة مروان الواثقة، ومال برأسه ببطءٍ مشوبٍ بالحذر نحو الباب،
كانت ريم واقفة عند العتبة!
لم يحتج عقلُه وقتًا طويلًا ليستوعب المشهد، لكن قلبه سبقه.
اتسعت عيناه، وارتخى فكه، وكأن الاسم الذي كان يخشاه قد تجسّد فجأة أمامه.
قال شريف بهدوء:
-تفضّلي، آنسة ريم.
دخلت ريم، وأُغلق الباب خلفها.
لم تنظر إلى مروان في البداية.
تقدّمت بخطوات بطيئة، وجلست على الكرسي المقابل له، ثم رفعت عينيها أخيرًا.
تلاقى النظران.
لم تقل شيئًا, ولم يقل هو. لكن نظراته كانت كفيلة لتُرعبها!
كان الصمت بينهما أثقل من أي اتهام.
قال شريف بنبرة رسمية:
- هذه الشاهدة تقول أنها رأتك هناك وقت الحادث.
ارتجف صوت مروان:
- شاهدة…؟
لم تُجب ريم.
ظلت تنظر إليه فقط، نظرة خالية من الغضب، لكنها ممتلئة بشيءٍ أقسى… الخيبة.
ثم ردت بثقة:
-نعم رأيته بعيني, كما أخبرت سيادتك.
خفض مروان رأسه قليلًا، ثم رفعه فجأة، وصوته خرج منفلتًا:
- أنتِ… لماذا تفعلين هذا بي؟
لم تتغيّر ملامحها.
قالت أخيرًا، بصوتٍ هادئ، لكنه واضح:
- أنا لا أفعل بكَ شيئًا..أنا فقط أقول الحقيقة.
شهق، وقال بحدّة:
- أنتِ تكذبين! أنتِ تتوهمين رؤيتي!
نظرت إليه طويلًا، نظرةً أخرست ضجيجه، ثم بدأت تسرد تفاصيل اللحظة المشؤومة بدقةٍ متناهية.
ارتجفت شفتاه ثم خفض عينيه!
كانت هذه المرة الأولى التي لا يجد فيها جوابًا.
قال شريف بحدة:
- هل ما تقوله الشاهدة صحيح؟
لم يُجب.
رفعت ريم صوتها قليلًا، لأول مرة:
- حسام لن يمشي مرة أخرى, وكل هذا بسببك!
تشنّج وجه مروان، وكأن الجملة ضربته جسديًا.
ثم قال المقدم شريف بصوتٍ ثابت، لا يحمل انفعالًا:
-بعد شهادة الآنسة ريم في المستشفى، لم نتعامل مع أقوالها كدليلًا قائمًا بذاته، بل باعتبارها عنصرًا ضمن منظومة أدلة لا يكتمل الاتهام إلا بها مجتمعة.
رفع نظره إلى مروان، ثم أردف بوضوح:
- تم استدعاء الملف الطبي للطفل حسام من المستشفى، والتقرير أثبت أن زاوية الإصابة في الرأس تتطابق تمامًا مع الوصف الذي قدّمته الشاهدة، من حيث اتجاه الصدمة وارتفاعها.
توقّف لحظة قصيرة، ثم تابع:
- كما أُعيدت معاينة موقع الحادث، ومراجعة كاميرات المراقبة القريبة من السوق. وأظهرت التسجيلات مرور سيارة سوداء بسرعة غير طبيعية في تمام الساعة العاشرة صباحًا… وهي الوقت نفسه اذي سُجِّل فيه وقوع الحادث.
ارتبك مروان في مقعده، بينما واصل شريف بنبرة أكثر حدّة:
- وبعد البحث كانت السيارة مسجَّلة باسم الأستاذ ممدوح عبد الفتاح، والدك!
والسائق كان شابًا في العقد الثالث من العمر، وتنطبق مواصفاته معك تطابقًا لا يدع مجالًا للشك.
ثم أضاف، وهو يضع الملف على الطاولة أمامه:
- بناءً على ذلك، فإن شهادة الآنسة ريم لم تكن مجرد أقوال كما تدّعي أنتَ، بل جاءت متّسقة مع الأدلة الطبية، وتسجيل الكاميرات، ومع توقيت الحادث نفسه.
سادت الغرفة لحظة صمت ثقيل.
ثم قال شريف بلهجة رسمية قاطعة:
- أنت الآن متهم رسميًا بالتسبب في إصابة جسيمة أدّت إلى عجز دائم، ومحاولتك الإنكار لم تعد تغيّر من الحقيقة شيئًا
❈-❈-❈
في الخارج، كان ممدوح واقفًا، ظهره إلى الحائط، يده تستند إليه كأنها آخر ما يمنعه من السقوط.
حين انفتح الباب، خرجت ريم من غرفة التحقيق بخطوات ثابتة، وإن بدا في كتفيها ثقلٌ لا يُرى.
مرّت بجوار ممدوح دون أن تنظر إليه، كأن بينهما مسافةً لا تُقاس بالأقدام.
فتح فمه ليناديها، لكن صوته خانَه.
ظلّ واقفًا مكانه، يراقب ابتعادها حتى اختفت عند نهاية الممر.
وهو يتمتم:
-حسابنا في البيت ياريم ليس هُنا!
بعد لحظات، ظهر رجلٌ أنيق المظهر، يحمل حقيبة جلدية سوداء، وملامحه مشدودة بتوترٍ مهني.
ما إن وقع بصره على ممدوح حتى أسرع نحوه.
قال ممدوح بحدّةٍ مكبوتة:
- أين كنتَ؟ تأخرتَ كثيرًا.
ثم أردف وهو يشير بيده إلى باب غرفة التحقيق:
- ادخل… وأخبرني ماذا يحدث بالضبط.
أومأ المحامي، واتجه إلى باب غرفة التحقيق، ودخل.
مرّت دقائق ثقيلة.
كان ممدوح واقفًا في المكان ذاته، لم يجلس، ولم يتحرّك.
يده تقبض على حافة المقعد الخشبي، كأنها آخر ما يربطه بتماسكه.
انفتح الباب أخيرًا.
خرج المحامي أولًا، ثم مروان خلفه، تُحيط به الحراسة.
بدا مروان شاحبًا على غير عادته، عيناه زائغتان، وخطواته مترددة، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه.
ما إن وقع بصر ممدوح عليه حتى اندفع نحوه، متجاوزًا الحراسة، وصوته خرج مضطربًا:
- ماذا حدث؟ إلى أين ستأخذوه؟
أسرع المحامي شوقي بالاقتراب، وقال بصوتٍ خفيض:
- بهدوء يا أستاذ ممدوح.
- بهدوء؟! عن أي هدوء تتحدث؟
تنفّس شوقي بعمق:
-المقدم شريف أمر بالحبس أربعة أيام على ذمة التحقيق.
اتسعت عينا ممدوح، لكنه تماسك بسرعة، والتفت إلى ابنه، وضع يده على كتفه وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها مطمئنة:
- لا تخف، ستخرج. مهما حدث لن أتركك!
رفع مروان عينيه إليه، وكأن الكلمات لم تصل بعد، ثم أومأ ببطء.
ابتعد ممدوح خطوة، وجذب شوقي جانبًا، وخفّض صوته:
- ماذا يحدث بالضبط… لماذا حُبس ابني؟
تردّد شوقي لحظة، ثم قال:
- هناك شاهدة أدلت بأقوالها عن الحادث.
تصلّبت ملامح ممدوح:
- شاهدة؟
- نعم. اسمها ريم جمال.
وقع الاسم عليه كالصاعقة؛ انقبض وجه ممدوح، واشتعلت عيناه، وصوته خرج حادًّا:
- ريم؟ بنت أخي!
قال شوقي بأسف:
-نعم هي, شهادتها كانت حاسمة، وتطابقت مع التقاريرالطبية وتحريات المباحث.
ضغط ممدوح على فكه بقوة:
-وما الحل الآن؟ سنتركه هكذا؟
- يمكننا المحاولة مع أهل الطفل, إن قبلوا بتعويض مادي مقابل التنازل عن القضية, فقد حُلت المشكلة.
قاطعه ممدوح بحدّة:
- سأتصرف.
التفت فجأة، وخطا بخطوات سريعة نحو باب القسم، كأن الغضب صار دليله الوحيد.
لم ينظر خلفه, كان يعرف إلى أين يذهب!
❈-❈-❈
عادت ريم إلى البيت, كان في عينيها شيءٌ مكسور، لا يحتمل سؤالًا ولا تفسيرًا.
توجّهت مباشرة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ ثقيل، كأنها تحاول أن تحبس العالم خارجه.
لم تمرّ دقائق حتى اهتزّ الباب فجأة تحت ضربةٍ عنيفة بقدمٍ غاضبة، ثم اندفع إلى الداخل.
كان ممدوح.
لم يمنحها فرصة للنهوض أو الكلام.
اندفع نحوها، وأمسك شعرها بقسوة، فانتزعها من مكانها.
صرخ فيها بصوتٍ مشحون:
- أتُحبسين ابن عمك؟! أهذا ما آلَت إليه تربيتك الحقيرة؟! تبيعين لحمكِ ودمكِ من أجل غرباء؟
حاولت أن تتحرّر، لكن قبضته كانت أقوى, فخرج صوتها مخنوقًا:
لم أبِعه يا عمي.. أنا شهدتُ بالحق.. الحق الذي لا تعرفونه!
في لحظةٍ خاطفة، ارتفعت يده… وصفعها بقوة.
دوّى الصوت في الغرفة.وقبل أن تلتقط أنفاسها، دخل الجدّ متكئًا على عكازه، وجهه متجهّم، وعيناه تقدحان غضبًا هادئًا.
تقدّم بخطواتٍ متثاقلة، لكنه كان ثابتًا، وأمسك يد ممدوح قبل أن ترتفع مرة أخرى.
قال بصوتٍ قاطع:
- إيّاك
ثم شدّد قبضته:
-إيّاك أن تمتدّ يدك عليها مرةً أخرى, وأنا حيّ!
التفت ممدوح نحوه، صدره يعلو ويهبط بعنف:
- أنت لا تعرف ماذا فعلت! هذه "القديسة" ذهبت للشرطة لتشهد ضد مروان.. تريد أن تضيع مستقبل ابني من أجل حادث تافه!
كانت ريم قد تهاوت على السرير، دموعها تنهمر بصمتٍ في البداية، ثم نهضت فجأة، وصوتها خرج مبحوحًا، مرتجفًا، لكنه صادق حدّ القسوة:
- أتسميه حادثاً تافهاً؟! الطفل قد شُلّ! طفل صغير لا ذنب له سوى أنه تصادف وجوده أمام طيش ابنك.
ثم صرخت:
- وأنا رأيته بعيني! هل تريدني أن أصمت؟!
تقدّم ممدوح خطوة، وقال باحتقار:
- وأنتِ ما شأنك؟ أأنتِ قاضية الأرض؟ أنتِ مجرد بقايا حطام جمعناها من الشارع وأويناها، فمتى صار للحطام لسانٌ ينطق، أو رأيٌ يُسمع؟! من أنتِ لولا هذا السقف؟ أنتِ نكرة، لولا عطفنا لكان مكانكِ الآن مع المتسولين على أبواب المساجد!
ثم اقترب منها أكثر، هامسًا بفحيح:
- من الذي ينفق عليكِ منذ وفاة والدك؟ من الذي أطعمكِ وربّاكِ؟ وكسى ظهركِ حين لم يتبقَّ لكِ أحد؟ أهذا هو ردّ الجميل؟
انهارت ريم تمامًا، ودموعها انهمرت بلا توقّف:
- أكان ثمن طعامي هو بيع ضميري؟! ليتني متّ قبل أن أرى هذا اليوم.. ليتني متّ مع أبي وأمي ولا أعيش تحت ذلّ هذه اللقمة التي تعايرني بها!
نظر إليها ممدوح ببرودٍ جارح، وقال:
يا ليت. فالحفرةُ التي كانت ستضمّكِ، أرحمُ لي من بيتٍ يضمُّ أفعى أطعمناها من زادنا فلدغتنا في أعزِّ ما نملك.
ثم استدار خارجًا. لحقت به هدى، ملامحها مصدومة، عيناها متسعتان، لا تعرف كيف تتصرّف، ولا إلى أي جانب تنتمي.
أُغلق الباب.
ثم تقدّم الجدّ ببطء، جلس إلى جوار ريم، ووضع يده على كتفها برفقٍ كأنه يعتذرلها عن ماحدث.
ثم قال بصوتٍ مبحوح، لكنه ثابت:
- ما فعلتِه هو الصواب، يا ابنتي, لا يجوز كتم الشهادة… مهما كان صاحبها, وكل من أخطأ، لا بد أن ينال جزاءه حتى وإن كان ابن عمك!
لم تعد ريم تحتمل.
فألقت بنفسها في حضنه، وانفجرت بالبكاء.
بدأ يقرأ القرآن بصوتٍ مطمئن, وهو يمرر يده برفق على شعرها، لتهدأ، حتى بدأت أنفاسها بالاستقرار شيئًا فشيئًا, وغمرتْها طمأنينةٌ لا تعرفها منذ زمن.
فالضميرُ هو الوسادةُ الوحيدة التي تمنحنا نوماً هادئاً، وسط ضجيجِ العالمِ.
رغم أن اليقين بداخلها كان يقول: "لقد بدأت الحرب الآن".
❈-❈-❈
2-
جلس آسر في مكتبه وقد أرخى ربطة عنقه قليلًا، يحدّق في شاشة الحاسوب دون أن يرى ما عليها. كانت الخرائط مفتوحة أمامه، أرقام، جداول، مواعيد… لكن عقله لم يكن هنا.
منذ تلك اللحظة على شاطئ مطروح، وشيء ما داخله لم يستقر.
نهض فجأة، وكأن القرار قفز إلى رأسه دفعة واحدة، تناول هاتفه وضغط على رقمٍ محفوظ.
- يحيى، هل أنت مشغول؟
جاءه صوته متثاقلًا:
- هذا يعتمد… هل السؤال بريء أم وراءه ورطة؟
ابتسم آسر ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه:
- سأتوجه إلى مطروح غدًا.. وسأبقى هناك يومين لمتابعة الموقع ميدانياً، وأحتاجك معي.
ساد صمت قصير، ثم قال يحيى بنبرة مشككة:
- مطروح؟ فجأة؟ ثم أخبرني منذ متى تهتم أن أرافقك في مشاريع العمل؟
- المشروع في مرحلة حرجة يا يحيى، والمهندس المقيم هناك يحتاج لإشراف مباشر، ثم إنني وجدتها فرصة لكي تستعيد نشاطك بعد عناء اختباراتك.. ألا تستحق استراحة محارب أمام البحر؟
ضحك يحيى وقال بخفة:
آسر الهاشمي يتحدث عن الراحة والاستجمام؟ هذه المعجزة بحد ذاتها أكبر من المشروع! لا بأس، اعتبرني مرافقاً لك، فمن المستحيل أن أتركك تواجه المرحلة الحرجة وحدك بينما يمكنني الاستمتاع ببعض الأسماك الطازجة.
-استعد غدًا صباحًا.
- صباحًا؟ سريع كعادتك… لكن لا بأس، لعل البحر يُصلح ما أفسدته الاختبارات!
أنهى آسر المكالمة، وأعاد الهاتف إلى مكانه.
كان يعرف أنه قال نصف الحقيقة فقط… أما النصف الآخر، فلم يجرؤ حتى على الاعتراف به لنفسه.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، اجتمع آسر مع فريق عمل المشروع في مقرهم بمطروح.
جلس يستمع إلى التقارير، يناقش الجداول الزمنية، يراجع المخططات، يطرح ملاحظات دقيقة كعادته.
كان حاضر الذهن… أكثر مما ينبغي.
حتى إن وائل لاحظه وقال مبتسمًا:
-واضح أنك في أفضل حالاتك اليوم يا هندسة.
أجابه آسر بهدوء:
- هواء مطروح له قدرة غريبة على تنقية الذهن.
في تلك اللحظة، ارتسمت على وجه يحيى ابتسامة ذات مغزى، ورفع حاجبيه في دهشة ساخرة وهو يراقب أخاه بطرف عينه.
أنهوا الاجتماع بعد ساعتين، وخرج الجميع، بينما أغلق آسر ملفاته بإحكام، وكأن مرحلة انتهت ومرحلة أخرى توشك أن تبدأ.
اقترب يحيى منه، وهو يدسّ يديه في جيبي سترته:
- انتهى العمل، فماذا بعد؟ لا تقل لي سنعود فورًا إلى الفندق.
رفع آسر نظره إلى الأفق من خلف الزجاج، وقال بنبرة متعمدة البرود:
- ما رأيك أن نمرّ على الشاطئ قليلًا؟ نحتاج إلى بعض الهواء.
رفع يحيى حاجبيه:
- نحتاج؟ أم تحتاج؟
التفت آسر إليه بنظرة تحذير خفيفة:
- لا تبدأ.
ضحك يحيى، وهو يسير بجانبه:
- حسنًا، حسنًا… لكن اعترف, ماهو السبب الحقيقي؟
- السبب هو البحر.
- البحر؟! منذ متى وأنت رومانسي؟
- منذ متى وأنت ثرثار إلى هذا الحد؟
انفجر يحيى ضاحكًا:
- واضح أنك متوتر. أعدك أنني سأصمت… مؤقتًا, لكن لاتعتاد ذلك!
❈-❈-❈
كان الشاطئ ممتدًا على مرمى البصر، والموج ينسحب بهدوء، كأنه يعرف أسرار المكان ويحفظها.
سار الأخوان بمحاذاة الماء، يحيى يركل الرمل بمرح، وآسر بعينين تجوبان المكان في صمت، تبحثان عن شيء لا اسم له.
قال يحيى فجأة:
- دعني أخمّن… أنت جئت إلى هنا لأنك اشتقت للبحر، ولأن العمل يضغط عليك، ولأنك إنسان طبيعي يحتاج إلى استراحة… هل هذا كافٍ؟
أجابه آسر دون أن ينظر إليه:
- كافٍ جدًا.
-ممتاز، لأنني لا أصدق كلمة واحدة.
توقف آسر لحظة، ثم قال:
- يحيى…
-نعم؟
-هل تؤمن بأن الأماكن تنادي أصحابها؟
لم يبتسم يحيى هذه المرة، ولم يسخر كعادته. صمت قليلًا وهو يراقب خط الأفق حيث تلتقي السماء بالبحر، ثم تنهد بعمق وقال بنبرة هادئة لم يعهدها آسر فيه:
- أؤمن أن بعض الناس يمرّون في حياتنا مرة واحدة، لكنهم يتركون أثرًا أطول من العمر كله.
التفت آسر إليه ببطء، فوجده يبتسم ابتسامة خفيفة.
وقبل أن تغرق اللحظة في صمتٍ موحش، نفض يحيى الجدية عن كاهله واستعاد شقاوته المعتادة كأنه يحاول تخفيف الثقل عن قلب أخيه، قائلاً:
لا تقلق، لن أسألك أكثر من ذلك… لكنني سأكون هنا إن قررت أن تبحث عنها.
عاد آسر بنظره إلى البحر، وقلبه يخفق بإيقاعٍ لا يعرفه، وهمس كمن يحدّث نفسه:
- لهذا جئت… لأبحث، أو لأتأكد أن ما شعرت به لم يكن وهمًا.
وكان الشاطئ، كعادته، صامتًا… لكنه شاهد!
استمر الشقيقان في مجلسهما فوق الرمال، يراقبان قرص الشمس وهو يغرق ببطء في جوف المياه، صابغاً الأفق بلونٍ أرجوانيٍ مهيب. كان يحيى قد كفّ عن مزاحه أخيراً، تاركاً لآسر مساحة ليودع صمته الخاص، حتى غابت الشمس تماماً وبدأ البرد ينسلّ إلى أجسادهما.
نهض آسر ونفض الرمل عن ثيابه بآلية، ثم قال بصوتٍ هادئ:
هيا بنا يا يحيى.. لنعد إلى الفندق، غداً ينتظرنا يوم عمل طويل.
أومأ يحيى موافقاً، وسارا معاً نحو السيارة المركونة عند حافة الطريق. صعدا، وانطلق المحرك ليشق سكون المساء، مبتعداً بهما عن الشاطئ الذي احتضن حنين آسر لساعات.
وبعد دقائق قليلة من انطلاق سيارة آسر ويحيى مبتعدة عن الشاطئ، ظهرت قامة ريم من بعيد.
كانت تمشي بخطواتٍ مثقلة، وحجابها يضطرب مع نسمات الهواء الباردة التي ازدادت حدتها بعد الغروب. وصلت إلى نفس النقطة التي كان يقف فيها آسر، ووقفت تنظر إلى البحر بعينين محمرتين من أثر البكاء والظلم الذي تعرضت له في البيت.
تنهدت بعمق، وجلست على نفس الصخرة التي لمستها يد آسر قبل رحيله بآوانٍ بسيط، وكأن جسدها يهتدي إلى بقايا دفءٍ لم تعرف مصدره. رفعت رأسها للسماء وهمست بحرقة:
يا رب.. ضاقت بي الأرض، ولم يعد لي سواك.
لم تكن تدري أن القدر قد جمعها بمن تبحث عنه في بقعة واحدة، لكنه أبقى بينهما حجاباً رقيقاً من الدقائق المعدودة، ليؤجل لقاءهما إلى حينٍ آخر.
فهناك أرواحٌ تتركُ خلفها عطراً غير مرئي، لا يشمهُ إلا من يشبهها في النقاء.
❈-❈-❈
3-
لم تنتبه ريم لوقع الخطوات في الممر، حتى اهتزّ باب غرفتها فجأة تحت ضربةٍ عنيفة، كأنّ أحدهم لم يكلّف نفسه عناء الطرق.
انفتح الباب بقسوة، ودخل ممدوح دون استئذان، جسده يملأ الفراغ، وصوته يسبق حضوره.
قال بحدّة، وصداه يرتطم بجدران الغرفة:
- انهضي…
جلست ريم في فراشها، وانتفض قلبها قبل جسدها، ورفعت رأسها نحوه بعينين متعبتين:
- خيرٌ يا عمّي؟
تقدّم خطوة، ووقف في منتصف الغرفة، كأنّه صاحب القرار الوحيد فيها:
- غدًا صباحًا، ستأتين معي.
سألته بصوتٍ خافت، يحمل ارتباكًا واضحًا:
- إلى أين؟
قال دون تردّد، وكأن الأمر محسوم:
-إلى والدة الطفل الذي تعرّض للحادث. يجب أن تقنعيها!
تجمّدت الكلمات في حلقها، وقالت بصدقٍ عاجز:
-لكنني لا أعرفها… وهي لا تعرفني. أقنعها بماذا؟
التفت إليها بعينين قاسيتين، وقال بنبرة آمرة:
- تصرّفي.
ثم اقترب منها أكثر، وارتفع صوته:
- أليست المصيبة وقعت بسببك؟ إذًا عليكِ أن تحلّيها. يجب أن تجعليها تقبل التعويض، وتتنازل عن القضية… بأي وسيلة.
قالت، وقد بدأ صوتها يرتجف:
- لكن.....
قاطعها بحدّة:
-لا يعنيني. المهم أن ينتهي الأمر، ولا أريد مشكلات بسببك ثانية!
ثم أضاف بلهجةٍ لا تحتمل نقاشًا:
- هذا أمر.
لم ينتظر ردّها. استدار واتجه نحو الباب، وقبل أن يخرج، أغلقه خلفه بقوة، فارتجّ الجدار، وساد الصمت.
بقيت ريم في مكانها، تحدّق في الباب المغلق، كأنّه أُغلق على روحها لا على غرفتها فحسب.
تمدّدت ببطء، وأسندت رأسها إلى الوسادة، وانسابت دموعها على خدّها في صمتٍ مُنهك. لم تبكِ بصوتٍ عالٍ، كأنّها اعتادت أن تحتفظ بأوجاعها لنفسها.
رفعت كفّيها إلى صدرها، وهمست من قلبٍ مثقل:
يا رب… أنت تعلم أنني لا حول لي ولا قوّة. أغثني.
وأغمضت عينيها، والدموع لا تزال دافئة على خدّيها، علّ النوم أن يكون رحمةً مؤقتة لها من هذا القهر!
❈-❈-❈
4-
في الصباح, سارت ريم إلى جوار عمّها داخل ممرّ المستشفى الطويل، خطواتها مترددة، بينما كان هو يتقدّمها باندفاع، لا يلتفت إليها، ولا يخفّف من حدّة حضوره. رائحة المطهّرات تملأ المكان، وأصوات الأجهزة تمتزج بأنينٍ خافتٍ يخرج من الغرف المغلقة.
توقّف فجأة أمام إحدى الغرف، ثم دفعها عند كتفها دفعًا قاسيًا، وقال بصوتٍ خشن:
- ادخلي.
كادت تتعثر، لكنها تماسكت، ونظرت إليه بقلق:
- ألن تدخل معي؟
قال ببرود، وهو يشير إلى المقعد المجاور للجدار:
- سأنتظركِ هنا.
ثم أضاف بلهجة آمرة:
- لا تخرجي إلا بعد أن تُقنعيها.
استدار عنها، وجلس، وكأن الأمر لا يعنيه.
تنفّست ريم بعمق، ثم طرقت باب الغرفة طرقًا خفيفًا، ودخلت.
كان الضوء خافتًا، وصوت جهازٍ طبي يقطع الصمت بإيقاعٍ بطيء. رأت الطفل ممددًا على السرير، جسده الصغير موصول بأنابيب وأسلاك، ووجهه شاحب , وبجواره جلست أمّه، مائلة نحوه، عيناها متورّمتان من كثرة البكاء، ويدها لا تفارق يده.
تقدّمت ريم بخطوات حذرة، وقالت بصوتٍ منخفض:
- السلام عليكم.
رفعت المرأة رأسها بصعوبة:
- وعليكم السلام.
نظرت ريم إلى الطفل، ثم عادت بعينيها إلى أمّه:
- كيف حاله الآن؟
تنهدت المرأة، وخرج صوتها مكسورًا:
- كما هو يا ابنتي… لم يتغيّر شيء.
ثم أضافت بحرقة:
- تدمر. حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن كان السبب. حتى العملية… الأمل الوحيد بعد الله أن يقف على قدميه من جديد، لا نقدر عليها!
شعرت ريم بانقباضٍ في صدرها، لكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة، كأنها تعلّقت بفرصة صغيرة:
-يا الله, هل هناك عملية ستعالج الضرر الذي حدث؟ وكم ستكلّف ؟
نظرت المرأة إليها بحزن بادي في عينيها:
- قالوا إن لم تُجرَ الجراحة خلال أيام، سيفقد الإحساس بساقه تمامًا وسيصبح العجز دائمًا!
سكتت للحظة وكأن الكلمات تخنقها، قبل أن تتابع بيأس:
-لكن التكلفة باهظة.. طلبوا خمسين ألف جنيه، وهو مبلغ لا نملك حتى عُشره.
أومأت ريم برأسها بجمودٍ ظاهري، بينما كانت النيران تشتعل في صدرها من أثر الظلم، وقالت بثبات:
- لا تقلقي.. بإذن الله ستُدبَّر.
اتسعت عينا المرأة:
-كيف يا ابنتي؟
قالت ريم بثباتٍ حاولت أن تخفي به ارتباكها:
-سأجعل والد الشاب الذي تسبب في الحادث يتكفّل بجميع المصاريف.
تغيّرت ملامح المرأة، وعاد الغضب ليظهر:
-لا نريد شيئًا منهم. الله هو الغني.
اقتربت ريم خطوة، وقالت برجاءٍ صادق:
-لكن إن كان هناك أمل أن يعود حسام ويمشي من جديد، فلا تضيّعيه. أرجوكِ… لا ترفضي.
سكتت المرأة لحظة، كأنها توازن الأمر، ثم قالت:
-ومن أين تعرفينه حتى تجعليه يدفع مبلغ مثل هذا؟
ارتبكت ريم، وانخفض صوتها:
- هو… عمّي.
تجمّدت المرأة:
- عمّك؟ ثم قالت بدهشة:
- لكن قيل لي أنكِ الشاهدة الوحيدة… أتعنين أنكِ شهدتِ على ابن عمّك؟
ابتسمت ريم ابتسامة باهتة:
- ليس هذا وقته. الأهم الآن أن نطمئن على حسام.
مالت المرأة نحوها، وبدت لمحة من الأمل الباهت في عينيها المنطفئتين:
بارك الله في أصلكِ يا ابنتي.. وجعل في طريقكِ من الجبرِ نصيباً كما تجبرين خاطري الآن.
قالت ريم وهي تستأذن:
— سأذهب الآن، وسأعود إليكِ في المرة القادمة بالبشرى… بأن العملية ستُجرى له بإذن الله.
انفجرت المرأة بالبكاء لكنه لم يكن بكاء قهر هذه المرة، بل شهقات ممتزجة ببريق أملٍ بعثه الله من جديد، وقالت بصوتٍ يرتجف:
يا رب.. عِوضك جميل. والله يا ابنتي صنيعك هذا لن أنساه لك ماحييت.
همست ريم:
لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.. هذا حقُّ حسام علينا، وأسأل الله أن يُتمّ شفاءه ويقرّ عينكِ برؤيته واقفًا على قدميه من جديد.
ثم خرجت من الغرفة ببطء.
ما إن رآها عمّها حتى نهض بعصبية:
- ماذا فعلتِ؟ ثم دفعها من كتفها:
-و لماذا تأخرتِ؟
قالت بهدوء:
- وافقت… بشرط دفع تكاليف العملية.
توقّف فجأة:
-عملية؟! وكم ثمنها تلك العملية!
سكتت لحظة، ثم قالت:
- خمسون ألف جنيه.
انفجر صوته في الممر:
- ماذا؟! كم؟!
ثم صاح:
- هل فقدتِ عقلك؟! هل اتفقتِ معها عليّ؟! ونصيبك كم من هذا كله؟!
لم تنطق بكلمة، فالحروف تجمدت في حلقها من فرط الصدمة. وحين شعرت بأنظار المارة حولها بدأت تنهشها، وتلتفت نحو صوته الجهوري، أشاحت بوجهها عنه وقد غامت الرؤية في عينيها من أثر تلك التهمة الشنيعة. أسرعت خُطاها لتبتعد عن هذا الضجيج المهين قبل أن تخونها أعصابها وتنهار أمامه.
صرخ خلفها بصوتٍ أجش، اخترق الممر كالخنجر:
-اهربي كما تشائين.. والله لن يمرّ ما فعلتِهِ بسلام، وحسابكِ معي حين تطأ قدماكِ عتبة البيت!
لكنها لم تلتفت.
كانت تمشي فقط… محاولة أن تنجو بنفسها من مشهدٍ آخر يُضاف إلى ندوبها.
❈-❈-❈
5-
كان الفندق واحدًا من تلك الفنادق التي لا تحتاج إلى بهرجة لتعلن فخامتها؛ بناء أبيض واسع، شرفات زجاجية ممتدة، وممرات تفوح منها رائحة البحر ممزوجة بعطر هادئ.
في الطابق العلوي، انفتحت الشرفة على بحرٍ ساكن، يتلألأ تحت ضوء القمر كمرآة كبيرة.
خرج آسر أولًا، وقف صامتًا، مستندًا إلى السور الحديدي، كأن البحر وحده يفهم ما به.
بعد لحظات، خرج يحيى وهو يتمطّى، يحمل زجاجة مياه، ثم قال وهو ينظر حوله بإعجاب:
- أعتقد أن هذا الفندق مناسب لمعاناتك الصامتة.
لم يلتفت آسر وقال:
- لو جئتَ للسخرية، عد إلى الداخل.
ضحك يحيى، واقترب منه:
- اطمئن، أنا هنا للدعم النفسي…ولكن بطريقتي.
سكت لحظة، ثم ألقى نظرة جانبية على وجه أخيه:
- حسنًا، لن أطيل. أخبرني… هل وجدنا ما جئنا نبحث عنه؟
أجاب آسر بهدوء:
- لم أقل إننا نبحث عن شيء.
- بلى، قلت. لكنك قلته بعينيك، لا بلسانك.
زفر آسر:
- يحيى…
- لا تقل اسمي هكذا، أعرف هذه النبرة. تعني: لاتدخل فيما لايعينك فتسمع مايرضيك, اااه أقصد مالايرضيك.
مال يحيى على السور، يراقب الموج ثم أردف:
- دعني أكن صريحًا. أنت منذ الصباح تتصرّف كرجل يبحث عن شيء لا يعرف كيف أضاعه… لكنه متأكد أنه لا يستطيع المضيّ بدونه.
-ماذا تقصد؟
- أقصد أنك لن تتحرك من هنا قبل أن تجدها!
ابتسم آسر رغمًا عنه:
- أنت تستنتج أكثر مما ينبغي.
-نعم, أنا بارع في ذلك، خاصةً معك.
ثم أردف بخفة:
- إذًا… دعنا نبحث سويًا عن تلك الفتاة الشبحية, فخبرتي ستساعدك, فأنت مسكين تقع في الشباك لأول مرة، ولا تملك أدنى فكرة عن عالم النساء سوى تلك "الهميس"!
ابتسم آسر رغمًا عنه :
-لاتذكر اسمها هنا أيضًا!
-معك حق, لا أستبعد أن أجدها تطرق الباب الآن! هذه الفتاة لا تغيب عن أي مكان تكون فيه.
التفت آسر أخيرًا إليه وبدت في عينيه نظرة جادة:
- ما الذي يجعلك متأكدًا أنني سأجدها.. أو أنني أريد ذلك فعلًا؟
هز يحيى كتفيه:
-لأنك تحاول إقناعي وإقناع نفسك أن الأمر عابر, وأنا متأكد أنه غير ذلك, وأثق أنك لن تترك الأمر هكذا بسهولة!
ثم أضاف بابتسامة ماكرة:
-إلا لو كنت اشتقت لنكد الهميس, فهذا أمرٌ آخر!
ضحك آسر هذه المرة , واكتفى بوخزه بيده في كتفه:
-قلتُ لك.. كُفّ عن ذكر اسمها.
اقترب منه يحيى خطوة قائلًا:
- نصيحة أخ أخفّ عقلًا منك, إن قررتَ البحث، فابحث بصدق. وإن قررتَ التراجع، فتراجع كاملًا.
تنفّس آسر بعمق، وأعاد نظره إلى البحرقائلًا:
- أحيانًا أشعر أنك تفهم ولو قليلًأ.
تنحنح يحيى متباهيًا:
- أنا أفهم طوال عمري، لكنك كنتَ غارقًا في بحر الهاشمي ومشاريعه!
ثم أضاف بنبرة مرحة وهو يتجه نحو الداخل :
- والآن، دعنا ننام. غدًا سنعود إلى الشاطئ، وسأدّعي أنا ببراءتي المعهودة أنني لا أعرف السبب.
ابتسم آسر بامتنان:
-شكرًا… على تفهّمك!
لوح يحيى بيده دون أن يلتفت:
-على الرحب يا هندسة!
ثم دخل يحيى، تاركًا آسر وحده مع البحر… ومع شعور لم يعد قادرًا على إنكاره.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة يارا علاء الدين، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
