رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 8 - الخميس 27/11/2025

 

قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل الثامن 

تم النشر الخميس 

27/11/2025



بعد أن تناولا الطعام الموضوع على المائدة، ثم اتفق معها أن تنام بغرفة النوم وهو سينام بالغرفة الصغيرة الأخرى حتى تتحرك براحة، قبل أن تتجه نحو الغرفة، امتدت يده فجأة تمسك بيدها قبل أن تبتعد، انحنى قليلًا وقبّل يدها في حركةٍ مباغتة جعلت الدماء تصعد وجهها دفعة واحدة، خفق قلبها بعنف، وابتلعت ريقها متلعثمة، ولم تستطع أن تتحدث فقد اختنق الكلام في حلقها، وتجمد لسانها عن النطق، ولكن كانت عيناها تسأل الف سؤال، فنظر إليها بنظرة امتنانٍ صادقة، وقال بنبرة حانية

- ده بس تعبير عن الشكر، عشان وافقتي تقفي جنبي، واعجابي بيكي وبأخلاقك


ازداد احمرار وجهها، وأطرقت عينيها بخجل، ولم تستطع الرد فتلك الشخصية التي أمامها غريبة تصرفات ذلك الشخص تربكها وتحيرها ربما لأنها ليست متوقعة، في حين لم يستطع هو إلا أن يبتسم لها، دخلت غرفتها وهي تشعر بثقلٍ خفيف على صدرها، أما هو، فدلف إلى غرفته، يشعر بالغربة من نفسه ومن تصرفاته مع تلك الفتاة تحديدًا ..

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي .. 

كانت تقف في إحدى أركان المطبخ، تقوم بتحضير طعام الأفطار، بعد أن انتهت قامت بنقل الأطباق على المائدة بالخارج، سمعت خطواته يخرج من غرفته، مازالت ملامحه يظهر عليها النعاس، توجه نحو الحمام، وبعد دقائق كان قد انتهي ثم جلس أمام المائدة ..


جلست هي الأخرى أمامه، إلا أن عينيها لم تتوقفا عن مراقبته بين لحظة وأخرى، وبعد دقائق من الصمت، قالت فجأة

- هتقعد معايا امتى أقولك اللي (إيمحور) قاله ليا؟


رفع رأسه نحوها، واضعًا قطعة الخبز في يده

- بعد ما نخلص فطار


هزّت رأسها موافقة، ولكنها قالت موضحة له

- عمومًا .. أنا كتبته في ورق عشان منسهوش


توقّف لحظة، ثم نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال بصدقٍ 

- مش عارف أقولك إيه يا (نغم) .. انتي هدية اتبعتت ليا بجد


تجمّدت لجزء من الثانية، ثم احمرّ وجهها دفعة واحدة، حتى خشيت أن يلاحظ خجلها ذاك، حاولت أن ترد ببساطة، بصوتٍ أخفض مما تقصد

- ميرسي


ابتسم (حازم) ابتسامة جانبية لطيفة، فقد استمتع بتوترها وخجلها، ثم قال وهو يميل قليلًا للوراء في مقعده

- خلاص، هاتيلي الورق وأنا أقراه، ولو مفهمتش حاجة هبقى أسألك


هزت رأيها إيجابًا دون أن تتحدث فابتسم ابتسامة جانبية ثم قال

- وبعدين اقعدي في بيتك براحتك مش لازم طول الوقت تلبسي الحجاب .. انا جوزك والله


عضت شفتاها بخجل فابتسم هو عليها، ولكنه لم يرد إحراجها أكثر من ذلك فنهض عن مكانه وهو يبتسم بينما هي عقدت حاجبيها وهي تنظر تجاهه، لا تعرف شعورها نحوه ولكنها متأكدة أنها لم توافق على تلك الزيجة عبثًا، يبدو أن ذلك الوغد سرق قلبها منذ أن قابلته المقابلة الأولى ..

❈-❈-❈

 بعد مرور عدة أيام ..

جلست في غرفة المعيشة، تتابع التلفاز بلا تركيز، تشعر بالملل بسبب تلك العطلة التي هي بها بسبب زواجها وهي لم تعتاد الجلوس بالمنزل طيلة الوقت هكذا، لا تفعل شئ سوا ان تشاهد التلفاز أو تتحدث مع والدتها وشقيقتها أو (هيثم) الذي أخبرها في اخر محادثة بينهم أنه سيسافر بالغد إلى روما من أجل البطولة، فقررت أن تذهب لتودعه قبل أن يسافر، ولكنها انتبهت أن زوجها قد تأخر كثيرًا فقد أخبرها أنه سيذهب مع (وائل) لمقابلته، شعرت بالقلق عليه لذا أحضرت هاتفها واتصلت ب (وائل) الذي أخبرها أن (حازم) ليس معه، ففكرت أنه لربما ذهب إلى المكتب بالشخصية الفرعونية، ارتدت ملابسها بسرعة، وانطلقت إلى المكتب، حين دخلت، وجدت (إيمحور) يجلس وحيدًا، نظر إليها مباشرة، وقال بهدوء

- إيه ده؟ أنتِ فين؟ أنا روحتلك في مكتب شغلك و ملاقيتكش


ابتلعت ريقها، وردت بحذر وهي تبتسم ابتسامة بلهاء 

- لا .. بعد كده هبقى أجيلك هنا


ابتسم لها بابتسامة دافئة وهو يومأ برأسه موافقًا إياها، نظرت له (نغم) بعينين مليئتين بالفضول

- لسه ما لاقيتش حاجة عن البرديات ولا أي حاجة؟


رد (حازم) بضيق، وكأن همًا ثقيلًا يجثم على صدره

- لا .. لسه .. مش عارف، مش عارف حاجة يا (نغم)


تحدثت (نغم) بهدوء، محاولة تهدئة الموقف والتخفيف من توتره والتهوين عليه

- كل حاجة هتتحل إن شاء الله


أومأ (إيمحور) بحركة رأسه، نظرت له (نغم) باهتمام، ولم تستطع كتمان الفضول الذي بداخلها

- مش هتكمّل بقى بعد ما اتجوزتوا؟


ابتسم (حازم) ابتسامة هادئة ثم بدء يقص عليها وهو يعود بالزمن إلى الخلف ..


عشتُ معها عامًا، كان أجمل أعوام حياتي، عامٌ ظننتُ فيه أن السكينة لن تغادرني، لكن تلك السكينة والهدوء والسعادة يبدو أنها كانت من نصيبي انا فقط، كنتُ أرى الحزن يتسلل إلى عينيها، لم أكن أعرف السبب ظننت أنني ارغمتها على الزواج وهي لا تبادلني المشاعر، لكني كنت أشعر بحبها لي لذا عدلت عن ظني، ربما حزنها يعود لأجل أبيها المحتجز، ذلك الذي خَانني خيانةً لا تُغتفر، ومع ذلك أبقيتُه على قيد الحياة إكرامًا لها، وما كنتُ يومًا لأمنعها من زيارته ..


دلفت إلى غرفتها تلك الليلة حتى وجدتها واقفة في شرفتها المطلة على النيل، كانت ترتدي ثوبًا حريريًا أبيض ينسدل على جسدها فيُشبه ضوء القمر حين ينعكس على صفحة الماء، وحزامًا من الذهب يشد خصرها الرقيق، وجدائل شعرها مزدانة بخيوط من الفيروز، اقتربتُ منها، ووضعتُ كفّي على كتفها في رفق، لكنّها لم تلتفت في الحال؛ بل رفعت يدها تمسح عينيها بسرعة وكأنها تودّ إخفاء شيء عني، أمسكتُ يدها قبل أن تلمس وجهها، وأدرتُها نحوي، فغرقتُ في دهشة، كانت دموعها تسيل على وجنتيها، شعرت بالخوف، من ذا الذي يجرؤ أن يجعل زوجتي تبكي بينما أنا لا أزال حيًّا؟!


قلتُ بخوفٍ وانا انظر في عينيها العسلية

- لِمَ تبكين؟ ما الذي حدث؟! أهو أمر يخصّ والدك؟ قولي، فمن ذا الذي يجرؤ على أن يجعلك تبكي وانا مازالت على قيد الحياة


هزّت رأسها نافية، ومسحت دموعها بطرف أصابعها المرتجفة، ثم قالت بصوتٍ منكسّر

- لا (إيمحور)، يكفيني أنك أبقيت أبي على قيد الحياة رغم كل ما فعل، ولم تمنعني يومًا من زيارته، ليس الأمر بسببه


تعمقتُ فيها بنظري، هناك شيء آخر، إلا تشعر بالحب نحوي شيء، قلتُ بحدةٍ يكسوها القلق

- إذن ما الأمر؟ هل تجرء أحدٌ على فعل شيء للملكة دون علم الملك؟!


تنفست بعمق، وضعت يدها على صدرها فهي تكتم بداخلها وجعًا كبيرًا، ثم رفعت عينيها إليّ وقالت

- أشعر بالعجز يا (إيمحور)، لم أَحمل طفلًا يكون وريثك الشرعي بعد و..


تلعثمت، ثم أكملت بصوت خفيض يكاد ينكسر

- وأنت ترفض الزواج بغيري .. وترفض حتى أن يكون للقصر نساء غيري، وانا .. وأنا لا أعرف سر عدم انجابي


توقفت لأن دموعها سبقتها، اقتربتُ منها خطوةً أخرى، أمسكتُ يدها بكل ما فيّ من حنان، ثم رفعتُ وجهها ليواجهني، قلتُ بوضوحٍ لا يقبل الجدال

- صحيحٌ أن العرش يحتاج إلى وريث، لكن قلبي لا يحتاج إلا امرأة واحدة، أنتِ


تابعتُ وأنا ألمس وجنتها بإبهامي لأزيل دموعها

- لن أمر بزواجٍ آخر، ولن أضمّ إلى قصري امرأة غيرك الطفل قد يأتي، وقد لا يأتي، أمّا أنتِ لن يأتي مثلكِ أحد، ولن يُعوض حضورك في حياتي أبدًا


انحنت عينانها العسليتان إلى الأرض، وارتجفت شفتاها كأنها لا تعرف كيف تردّ، ثم قالت بصوت مازال منكسر وكان هذا أكثر ما يؤرقني أن تتحدث بذلك الصوت الخفيض

- أئذن لي أيها الملك أن أذهب لإحدى الكهنة، كي أرى ما الخطب معي، لن يرتاح لي بال قبل أن أنجب لك الوريث الشرعي


نظرت إليها بعينين حائرتين، ثم أجابت

- افعلي ما تشائين


في صباح اليوم التالي، توجهت (تي نا) إلى الكاهن، ما أن دخلت إلى القاعة، حيث كانت الجدران مزينة برموز ورسومات كثيرة عن الملوك القدام، ووقف الكاهن في منتصف الغرفة، يستقبلها بصوت هادئ

- أهلاً بكِ، أيتها الملكة


رفعت رأسها بثقة، رغم أن قلبها كان يختلج بالخوف، وتقدمت بخطوات متأنية نحو الكاهن وهي تقول

- السلام عليك أيها الكاهن، جئت لأستوضح سبب تأخري في الحمل، ولأعرف الوسائل التي يمكن أن تساعدني على إنجاب وريث للعرش


 لمس بعصاه الخشبية سطح الطاولة المملوء بالأعشاب، ثم قال

- حسنًا، أيتها الملكة سأعطيكِ الأعشاب المناسبة


اقتربت من الطاولة، وهي تلامس الأعشاب، تتمنى بداخلها أن تنجح تلك الأعشاب في أن تجعلها تنجب فتابع الكاهن قائلًا

- احرصي أن تلتزمي بما سأعطيكِ، تُشربين مقدارًا صغيرًا منه كل ليلة قبل النوم


أجابت بثبات، وهي تشعر بأن تلك المسؤولية تقع على عاتقها

- سأفعل


قاطعت (نغم) حديثه وهي تشعر بالحزن من أجل الملكة، ثم قالت بضيق

- حتى زمان كان عندهم هوس بالخلفة كده


ابتسم على حالها ولم يجيب ولكن كانت طاقته نفذت من السرد فسألته (نغم)

- انت مش قادر تكمل دلوقتي؟!


اماء لها بعينيها، قالت (نغم) برقة

- خلاص ولا يهمك نكمل في وقت تاني


 ثم افترقا، وعادت هي إلى المنزل، وظلت تسجل ما حدث بينها وبين (إيمحور) في أوراقها، حتى سمعت صوت مفتاح الشقة يفتح، فذهبت ووجدت (حازم)، ابتسمت حين رأته، نظر لها وهو يغلق الباب، وسألها أن كانت قابلته منذ قليل فأجابته بالإيجاب، ثم طلب منها تحضير العشاء، ذهبت (نغم) لتعد المائدة، وظلّوا يتناولون الطعام، فنظرت له (نغم) وهي تشعر بتوتر كبير ثم قالت

- ممكن أطلب منك طلب؟


نظر له بعينه كي تتابع حديثها وهو يتناول الطعام 

- (هيثم) بكرة هيسافر للبطولة، عاوزة أروح أودعه


نظر لها بعدم فهم

- (هيثم) مين؟


نظرت له بضيق فهو لا يهتم بإي شئ يخصها، رغم أنها أخبرته كثيرًا أنه ابن خالتها

- حكتلك عليه قبل كده هو ابن خالتنا واخونا، أصله سباح، رايح في بطولة دولية تبع النادي بتاعه وبكرة مسافر


لم يهتم تحديثها كثيرًا لذا قال ببرود

- انتي عاوزة تروحي تشوفيه قبل ما يسافر يعني؟


- أيوة


- طيب، هبقى أوصلك بكرة للمطار إن شاء الله

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي ..

كان (رؤوف) جالسًا في مكتب (ماهر)، يتحدث معه في عدة أمور خاصة بعد أن علم بزواج (حازم) من تلك الفتاة تحديدًا، حتى أنه شعر بغضب بداخله بسبب زواجهم فهو من كان يتعامل مع (نغم) قبل حتى أمر ذلك الفيلم الوثائقي، من اين علمت ب (حازم) وكيف تمت تلك الزيجة بتلك السرعة، لذلك تحدث مع رئيسه بالعمل أنه لا يطمئن لتلك الزيجة ولا يعلم من أين نشأت القصة بينهم وكيف بدأت، وهل ابن خالته حقًا فاقد الذاكرة ام أنه يقوم بحيلة عليهم، ولا يريد أن يشاركهم في تهريب تلك المقبرة، حتى أن (ماهر) وافقه الرأي بأن ثمة خطب ما فيما يحدث وأن شخصية (حازم) لا يجب الوثوق بها وبما يفعله، ليقول بضيق وبدهشة

- المشكلة أن (حازم) كان خاطب بنت اسمها (شيرين)، فلحق يعرف (نغم) امتى؟! 


رد (ماهر) بلا مبالاة

- ابن خالتك اكييييد بيستعبط، انا عاوزك تراقبه باستمرار تعرف الاماكن اللي بيروحها عشان نعرف حكاية فقدان الذاكرة دي صح ولا لا


أجاب (رؤوف) بضيق 

- تمام يا باشا

❈-❈-❈

بينما كان (حازم) يرتدي ملابسه، خرج من غرفته متجهًا نحو غرفة (نغم)، وطرق الباب بهدوء وهو يسألها أن كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها أم لا، ففتحت (نغم) الباب وقد كانت مرتدية كامل ملابسها للخروج قبل أن ترحل معه، فذهب معًا إلى الخارج وقبل أن يستقل السيارة كان قد وصل (وائل) لأنه سيذهب مع (حازم) إلى الطبيب كي يستكمل علاجه الذي توقف عنه منذ أن جاء إلى مصر، ما أن وصلت (نغم) إلى المطار حتى بحثت بعينيها عن شقيقها وما أن وجدته حتى اقتربت منه متجاهلة (حازم) و (وائل) الذي كانوا معها وظلت تثرثر معه وتضحك وعن أن تلك الميدالية الذهبية الذي سيفوز بها بالتأكيد ستأخذها هي وأنه يجب عليه الفوز من أجلها في حين كان (هيثم) يتصنع الضيق من حديثها ذلك ويخبرها أن تلك الميدالية خاصة به وحده وعليها أن تفهم ذلك، وهي تصرخ أنها ستأخذها منه عنوة، كانا كلًا من (حازم) و (وائل) يتابعون حديثهم وضحكاتهم ليقول (وائل) لصديقه بسخرية

- هي مراتك واخدة بزيادة على ابن خالتها كده ليه؟!


صمت (حازم) ولم يتحدث، وهو يراقب زوجته، ثم قال ببرود تام

- ممكن تخليك في حالك، عادي ولاد خالة وزي الاخوات، انت مالك؟!


ابتسم (وائل) وهو يستمتع بأغاظة (حازم) 

- انت مش قولتلي انك اتجوزتها بجد، وشلت من دماغك فكرة الطلاق؟!


رمقه (حازم) بنظرة نارية ليتراجع (وائل) عن مزاجه قائلًا

- خلاص يا عم، أنا مالي


في تلك الأثناء كانت قد عادت (نغم) إلى جانب (حازم) ثم قالت

- طب، هروح أركب تاكسي عشان معطلكوش، عشان تروحوا للدكتور


لم ينظر (حازم) لها وهو يفتح باب سيارته ليستقله وهو يقول ببرود

- هوصلك الأول وبعدين هنطلع على الدكتور


استقلّت معهم السيارة، وأوصلها إلى المنزل، ثم ذهبت معًا إلى عيادة طبيب مخ و اعصاب شهير كي يستكمل علاجه الذي توقف عنه، ورأى أن ذلك دليل آخر ليثبت ل (رؤوف) أنه فقد الذاكرة حقًا إن كان ينوي مراقبته ..

❈-❈-❈

في المساء..

كانت (نغم) منشغلة بتحضير طعام العشاء، وهي تضع اطباق الطعام على المائدة فقد اتصلت بزوجها أكثر من مرة ولكن هاتفه مغلق، شعرت بالقلق عليه، ولكن ما يطمئنه أن (وائل) معه، وان تأخر أكثر من ذلك فستتصل ب (وائل) كي تعلم اين هما وفجأة، سمعت صوت مفتاح الشقة يدور في الباب، تقدمت بخطوات سريعة لتستقبله، ولكن صدمت حين رأت يده مكسورة ووجهه ملطخ بالكدمات، اتسعت عيناها ثم وضعت يدها على فمها تكتم تلك الشهقة التي كادت أن تخرج منها، ثم قالت

- يا مااااامى! ايه ده؟!


اقتربت منه بقلق بالغ، تمسك بذراعه المكسورة وقالت بارتباك

- إيه اللي حصلك؟ إيه ده؟


صرخ هو عند لمسها ليده المكسورة، إزاحت يدها عن يده بسرعة، متأسفة

- سورى .. سورى، حصل إزاي ده؟


ابتسم بطريقة ساخرة، يحاول التخفيف عن وقع الأمر

- طلعوا عليا شوية حرامية عادي


حدقت فيه مذهولة وقالت متشككة

- انت متأكد إنهم حرامية؟ مش تبع (رؤوف)؟!


اجاب مطمئنًا إياها كي لا يقلقها

- حرامية عاديين، خدوا الفلوس والفون وكل حاجة


تنهّدت وقالت وهي تنظر له بأسف

- طيب تعالى اقعد عشان تاكل


جلس (حازم) على المائدة، وحاول أن يمسك الملعقة بيده اليسرى، لكنه فشل، نظرت له (نغم) بإشفاق، ثم أخذت الملعقة برفق، وطلبت منها أنها ستطعمه، فشعر هو بالأحراج وكأنه طفلًا صغير بالروضة، ظلّت (نغم) تطعمه بالملعقة، وهو يأخذ الطعام من يدها، نظرت إلى الكدمات على وجهه ويده

- كانوا كام واحد عشان يعملوا فيك كده؟


اجاب بخجل من نفسه، فأي رجل يذكر أمام زوجته أنه قد ضُرب وسرق هكذا، لذا قال بصوت ضعيف

- خمسة


شهقت (نغم) ثم قالت

- يا ماااامى، طب وليه ضربوك اصلًا مادام خدوا اللي عايزينه؟!


عض على شفتاها قهرًا مما تقوله تلك الحمقاء ولكنه يعلم أنها لا تقصد لذا قال

- أنا اتسرق أه، معنديش مشكلة، بس بعد ما أضربهم، لكن أديهم الفلوس من غير ما ادافع عن نفسي!! .. متعودتش أستسلم


ابتسمت وهي تهز رأسها بآسى فآه من تفكير الرجال، كاد أن يقتل نفسه للتو، ولكن المهم أن يكون الرجل الأكثر شجاعة، ثم استمرت في اطعامه، حتى اماء لها بعينه كي تكف فقد شبع للغاية، فسألته أن كان يريد كوبًا من الشاي، فوافق، فذهبت إلى المطبخ كي تعد الأكواب وبعد دقائق طرقت باب غرفته لتجده مازال بالقميص الذي جاء به علمت أنه لا يستطيع تبديل ملابسه وبالتأكيد لن يطلب منها شيئا كهذا، ففكرت لوهلة ثم قامت بمساعدته وهي مكرهة لذلك، خلعت ذراع القميص دون أن تؤلمه، ثم ساعدته على ارتداء تي شيرت آخر، ثم أخبرته أن الشاي بالخارج، ثم خرجت وهي تشعر بالخجل من نفسها ومنه، خرج خلفها وجلس بجوارها فسألته باهتمام

- عملت ايه عند الدكتور؟


شعر بالضيق فهو ظن أن ذاكرته ستعود قريبًا ولكن يبدو أن الأمر ليس بتلك السهولة وأنه يمر بأزمة نفسية لذا قال بهدوء

- الدكتور قال، الخبطة اللي جت في دماغي أثّرت على مراكز الذاكرة، وده اللي عامل عندي فجوات مش قادر افتكر فيها شُغلي القديم، واللي بيحصلي ده اسمه تقمّص نفسي، يعني مخّي بيفصل عن الواقع ويدخّلني في شخصية تانية بسبب خوفي من الحادثة اللي حصلت والمعلومات اللي بملكها، وده محتاج وقت وعلاج وجلسات نفسية لحد ما المخ يهدى ويبدأ يرجّع المعلومات صح


شعرت بالأسى والأشفاق على حالته ثم سألته

- يعني الموضوع نفسي؟


شعر بالضيق لأنها ربما تراه شخصًا جبانًا، لذا قال بنبرة منكسرة

- لأ، الموضوع مش بس نفسي، أنا مش خايف من (رؤوف) ولا اللي معاه، أنا خايف من اللي أعرفه من إن المعلومات اللي كنت بشتغل عليها تقع في إيد ناس غلط، عقلي بيحاول يبعدني عن الخطر من غير ما يرميني فيه


شعرت بالحزن على حالته لذا أمسكت كوب الشاي وأعطته له، دون أن تتحدث أو تقول شيئًا فتسبب له الضيق، صمتت لبرهة، ثم قامت بفتح التلفاز من أجل مشاهدة المسلسل الهندي الذي تتابعه، رمقها (حازم) وهو لا يصدق، فهي تشاهد تلك المسلسلات العجيبة؟!

يبدو أنها مثل شقيقته فقد لاحظ عليها الفترة الماضية أنها تشاهد هي الأخرى تلك المسلسلات عديمة الفائدة، لذا سألها بدهشة

- اخر حاجة كنت اتخيلها أنه في جانب من شخصيتك بيحب المسلسلات دي!! .. انتي بتفاجئيني بجد


ضحكت (نغم)، وقالت

- جرب كده بس تتفرج على حلقة، مش هتندم


اتسعت عيناه بعدم تصديق وقال 

- انتي عاوزني اتفرج على 5000 حلقة، البطلة بتحب أخوها في الآخر!


ضحكت كثيرًا وقالت بهدوء

- دي الأفلام القديمة، أفلامهم اتغيرت عن كده وفي مسلسلات مش بطالة رغم الافورة


قال ممازحًا

- أمال ايه الجديد؟ هلاقي البطل بيجوز أمي في الآخر؟


هزت رأسها بآسى، فتابع (حازم)

- لا ميغركيش، أنا ابن ناس ومفتش اثار، بس كله إلا أمي


ضحكت كثيرًا وهزت رأسها بآسى، ثم ظلت تتابع المسلسل بينما شعر هو بالملل وتثائب فاستأذن منها وذهب لغرفته كي يخلد للنوم، فبعد برهة استمعت إلى صوت هاتفها فوجدت رقم غريب قد أرسل لها رسالة عبر تطبيق الواتس آب وللغريب أنها فتاة وتضع صورة لها مع حازم كصورة شخصية فتحت الرسالة لتجد محتوى الرسالة

(هو جوزك قالك أنه كان خاطب قبل كده؟!

وقالك برده أنه هيطلقك لما مصلحته تخلص؟!

قالك أنه كان عاوزني افضل مخطوبة ليه وهو بيتجوزك!!

اعتقد انك متعرفيش حاجة زي كده، فقلت انبهك احسن)

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة


إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل