قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل السابع
تم النشر السبت
22/11/2025
تجمّدت في مكانها، حدّقت في وجهه بعينين متّسعتين من الصدمة، كأن كلماتِه صفعتها صفعة قوية، وقالت بعدم تصديق، بصوتٍ خرج متقطعًا
- انت بتقول ايه يا استاذ (حازم)؟
لم يُتح لها الوقت لتستوعب أكثر، إذ اهتزّ هاتفها فجأة بين يديها، نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم المتصل (هيثم) حتى سرت قشعريرة خفيفة في أطرافها، أجابت على عجل، وما إن فعلت حتى دوّى صوته الغاضب عاليًا في أذنها يسألها أين هي وأن الوقت قد تأخر كثيرًا، تسارعت ضربات قلبها، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تردّ بصوت منخفض، مرتجف قليلًا
- اسمع بس يا (هيثم) .. أنا حصلي ظروف، لما أرجع هحكيلك
جاء صوته أكثر حدة، كمن على وشك الانفجار
- نص ساعة .. نص ساعــة يا (نغم) والاقيكي قدامي، فاااااهمة؟
ارتعشت أصابعها حول الهاتف وأجابت بالأيجاب بهدوء ثم انهت الاتصال دون كلمة أخرى، أخفضت الهاتف ببطء، كأن يديها ثقلتا فجأة، ورآى (حازم) ملامحها الباهتة، كأن لون وجهها انسحب دفعة واحدة، مال نحوها قليلًا، عيناه ممتلئتان بالقلق بعد أن استمع لصوت رجل يحدثها ويصرخ في وجهها بتلك الدرجة وهي لاحول لها ولا قوة ليسألها
- انتي متجوزة يا (نغم)؟
هزّت رأسها بسرعة، محاولة استعادة تنفّسها
- لالا .. ده ابن خالتي .. أنا لازم أروح
كانت تستعد للرحيل حين امتدت يد (حازم) فجأة ليمسك يدها، وشد قبضته على يدها بتوتر واضح، وصوته مفعم بالرجاء
- مش قبل ما تردي عليّا
سحبت يدها من يده كمن لدغها عقرب ثم نظرت إليه بغياب فهم وعقل معًّا، وعقدت حاجباها
- أردّ عَلى إيه بس؟
تنفّس بعمق، ثم قال بصدق
- يا (نغم)، أنا حياتي معرضة للقتل، الناس دي لو موتوني، الحقيقة هتفضل مستخبية، اعتبريها خدمة إنسانية، صفقة يا ستي
شعر بأنه يقول ما لا يجب أن يقال فعدل حديثها كي تفهم بطريقة جيدة
- أنا لازم أتجوز منك، لأنك الوحيدة اللي (إيمحور) بيكلمها، أنا مش هلمسك، ولا هأذيكي بس عاوزِك جنبي باستمرار بحيث أول ما يظهر (إيمحور) تحكيلي كل حاجة يمكن المعلومات اللي هتدهاني ترجع ليا الذاكرة
اتسعت عيناها أكثر، وارتسم الذهولٌ على وجهها
- انت بتقول إيييه بس؟
زاد توتره، ومال بجسده للأمام في محاولة منه لاستجداء عطفها
- مستعد أكتبلك شيك بمبلغ كبييير، واللي انتي عاوزاه، بحيث تضمني حقك بس وافقي عَلى الجوازة
هزّت رأسها بقوة وهي تنفي ذلك الهراء الذي يظنه بها
- مش موضوع فلوس
سألها بعدم فهم
- أمال إيه؟
تنفست بحدة، نظرت نحو الباب كأن الوقت يطاردها
- طب سبني أفكر وعن إذنك عشان أنا اتأخرت أووووي وفي البيت قلقانين
أخرج (حازم) بطاقة صغيرة من جيب بنطاله وقدّمها لها، صوته انخفض لكنه كان يحمل توترًا
- أرجوووكي، ردي عليّا في أقرب وقت ممكن
تناولت البطاقة بيد مرتعشة وهي تجيبه بالأيجاب، ثم غادرت مسرعة، خطواتها تحمل ارتباكها وهلعها، أُغلِقت الباب خلفها، فالتفت (وائل) إلى (حازم)، عاقد ذراعيه وصوته يقطر استنكارًا
- طب و(شيرين) يا ابني؟
أطلق (حازم) زفرة غاضبة، ثم مرّر يده في شعره بعنف
- ده جواز عَلى الورق، جواز مصلحة، وهفهم (شيرين) متشغلش بالك، عشان أضمن إنها تبقى جنبي وقت ما أحتاجها، وعشان يبقى في علاقة بتربطنا عشان لو (رؤوف) بيراقبني
ابتسم (وائل) ابتسامة ذات معنى، وهز كتفيه
- بس بصراحة، البِنت جميلة جدًا
رفع (حازم) حاجبه بحدة، وكأن الكلمة أثارت ضيقه
- أنا مش هبصلها بالطريقة دي، كفاية أوي إني بستغلها لمصلحتي الشخصية، ياااريت هي بس توافق
ضحك (وائل) بخفوت وهو ينظر له بشك ..
❈-❈-❈
دخلت إلى المنزل بخطوات مترددة، كأن الطريق من الباب إلى الصالة اصبح أطول من المعتاد، ما إن وقع بصر (هيثم) عليها حتى اشتعل الغضب في عينيه، وقف مكانه يرمقها من رأسها حتى أخمص قدميها، يتحقق بملامح متجهمة إن كان أصابها مكروه أم عادت سالمة، حتى يعرف سبب ذلك التأخير وحين تأكد أنها بخير، لم يقل كلمة، فقط استدار واتجه إلى غرفته، اتبعت خطاه مسرعة، ثم اعتذرت له عن تأخيرها فقد رأت من خلال رسالة عبر الهاتف أنه حاول الاتصال بها أكثر من مرة ولكن كانت الشبكة غير متاحة، فعلمت أنه اصابه القلق ويبدو وأنه كالعادة طمئن والدتها أنها بخير وفي الطريق كاذبًا حتى لا يقلقها فدومًا يخفي مصائبها عن والدتها، لم يلتفت إليها، ظل يمضي بخطوات غاضبة حتى دخل غرفته وأغلق الباب في وجهها مباشرة، حدّقت للحظة في الباب المغلق أمامها، مدّت يدها وفتحت الباب باضطراب ثم قالت
- أول مرة تقفل الباب في وشي
التفت إليها أخيرًا، عيناه تقدحان شررًا
- انتي عارفة أن امك كانت هتموت من القلق ولو كنت قلت ليها تليفونك مقفول كان ممكن تتعب، اضطربت اكدب عليها عشان تطمن وتدخل تنام وفضلت انا قلقان
هبطت كتفا (نغم) قليلًا، وأجابته بصوت يحمل اعتذارًا
- حقك عليّا، غصب عني، بس أنا محتاجة أتكلم معاك أوووي يا ثومي
رفع حاجبه بحدة ليسألها ما عندها، اقتربت منه خطوة صغيرة، محاولة تليين ملامحه المتصلبة وهي تقول
- لما تفرد وشك الأول
تنهّد بعمق ثم لانت قسمات وجهه تدريجيًا، ثم سألها بهدوء
- خير
هزّت رأسها بلطف، ثم خلعت طرحتها ووضعتها على المقعد المجاور، وبدأت تقص له كل ما جرى بالتفصيل، كان يستمع، وكلما تقدّمت في الحديث، ازدادت نظراته صلابة وحدة، وما إن انتهت حتى قال بصرامة
- سيبك من الواد المجنون ده خااالص، مش عاوزك تقابليه خالص
رفعت (نغم) يديها في محاولة تهدئته
- بس انا الوحيدة اللي اقدر اساعده
ضرب كفاه بعضهم ببعض بضيق
- وانتي أي واحد يطلب منك مساعدة، تتجوزيه؟
ارتبكت، وارتعشت شفتها قليلًا قبل أن تجيب
- لا، بس ده وضعه مختلف، أنا أقدر أساعده
ضيّق (هيثم) عينيه، وهو يتفحص معالم وجهها وتلك الطريقة اللينة التي تتحدث بها عن ذلك الشاب
- انتي معجبة بيه يا نانا؟!
فتحت فمها بصدمة، وهزت رأسها بسرعة، تنفي لنفسها قبل أن تنفي له
- إعجاب إيه بس؟ لا، بس مادام حاجة مش هتأذيني في حاجة وهتنقذ حياة بريء، ليه ماعملهاش؟
تقدم خطوة نحوها، وأصبح صوته خشنًا من الغضب
- وانتي إيش ضمنك إنه مش هيأذيكي؟ ايه الثقة اللي تخليك تعيشي مع واحد بدون مشاعر وممكن يجبرك بعد كده على العيشة معاه، كلام الروايات الفاضي ده انسيه، مفيش حاجة اسمها جواز مصلحة؟!
رفعت يدها بتوتر
- مش هيأذيني، انا واثقة من ده وبعدين أنا أقدر أدافع عن نفسي كويس
أطلق (هيثم) زفرة طويلة، ثم قال بضيق وهو ينظر في عينيها بعدم فهم
- طب وليه من الأول؟ ليه تخلي واحد ليه سلطة عليكي وانتي قلبك مخترهوش، وبعدين اول ما ترجع ليه الذاكرة ممكن يطلقك وساعتها هتبقي خسرتي
شعرت (نغم) بالخوف يتسلل إلى أطرافها، علا نبضها قليلاً ثم ابتلعت ريقها وقالت محاوِلة طرد ذلك القلق الذي اصابها
- يوووه متخوّفنيش يا ثومي، وبعدين ممكن الجواز يكمل، هو الجواز بيبقى عن حب بس!!
ظل ينظر إليها طويلًا، نظرة لا تخلو من القلقٍ، شعر بأن حصن قلبها الذي لم يدق سابقًا لأي رجل قد بدأ ينهار فجاءة أمام ذلك الوغد الذي لم يراه يومًا، هل عليه أن يتركها تفعل ما تريده ماذا لو لم يبادلها ذلك الشاب حبها؟!
يعلم أنها ضعيفة القلب ولن تتحمل شئ كهذا ولن تعترف باعجابها بذلك الشاب مهما حاول استدراجها ليقول بنبرة يشوبها الضيق، كأنه يسلّم بالأمر وهو مضطرّ
- براحتِك يا نانا، لو كده تلغي فكرة أن الجواز على الورق والهبل ده لتتجوزي طبيعي زي الناس وهو عجبه كده عجبه مش عجبه بلاها الجوازة دي وهقفلك فيها، مفيش حاجة اسمها جواز كده كده
ابتسمت رغم التوتر، ثم قالت بهدوء وبصوت متقطع
- ح.. حاضر
❈-❈-❈
فى ظهيرة اليوم التالي ..
كان المنزل غارقًا في سكونٍ، حين آتي يطرق باب بيت خطيبته فهو لا يستطيع أن يبقيها حزينة منه طيلة الوقت هكذا، لم تمر لحظات حتى انفتح الباب، وظهرت (نيرة) بنظرةٍ متفاجئة، قبل أن تهبط عيناها إلى باقة الورد الممسك بها بين يديه، شَهِقَتْ بخفوت، ثم رفعت وجهها لترى ابتسامة تأسر قلبها كلما تراها، وما أن لمح ملامحها حتى شعر بارتباكٍ، استدارت لتمنحه ظهرها وكأنها مازالت لا تريد مصالحته
- جاى ليييه بقى؟!
تحرك ليقف أمامها، ليقول برجاءٍ صادق
- مبعرفش أنام وانتي زعلانة مني يا بونبونية قلبي
ظهرت على شفتاها ابتسامة خجولة قاومت ظهورها، لكنها سرعان ما قالت بنبرة طفولية غاضبة
- بس برده أنا مش مسامحاك
هزّ رأسه نافيًا بقوة وقال
- حقك عليا
رفعت عينيها إليه، ثم نظرت له نظرة مطوّلة، بعدها مدّت يدها وأخذت الورد أخيرًا، بدا الارتياح على وجهه واضحًا، كمن استعاد أنفاسه، سألت بخجلٍ
- انت بجد بتحبني يا (حسام)؟
أجاب دون تردد، بنبرة حنونة
- وده محتاج سؤال، انتي حاسة بحاجة تانية يا بونبوني
ضحكت ثم خجلت ثم قالت بهدوء
- متزعقليش تاني
- حاضر
ومدّ يده ليلمس يدها، غير أنّ تلك اللحظة انكسرت على صوتٍ حاد قادم من الداخل، ذراعيه معقودتان ونظرته مرعبة
- انت بتعمل إيه يا حضرة الظابط؟
ارتبك (حسام)، وتراجع خطوة وسحب يده سريعًا
- م .. مفيش، ده أنا بسلم بس
اقترب (هيثم) منهما، وقال بنبرةٍ يشوبها الضيق وهو يتفحصه
- آه، بحسّب مش عشان ظابط، وشايل مسدس رايح جاي بيه، فاكرني هخاف؟ أنا (هيثم) آآآه بس راجل أووووي
انفجر (حسام) ضاحكًا، بينما تلوّن وجه (نيرة) غضبًا وحرجًا مما يقوله شقيقها ليقول
- تصدّق؟ فكرة أهدّدك وأخد خطيبتي وأهرب
ردّ (هيثم) بسرعة، وهو يشير لشقيقته باصبعه
- تعالي هنا
انصاعت (نيرة)، واقتربت تقف إلى جواره، فيما توتر فكّ (حسام) وهو يحدّق به ثم ضغط على شفتاها بأسنانه وودعه ورحل بينما دلفت (نيرة) إلى الداخل وهي تشعر بالأحراج، ظلّ (هيثم) ينظر للباب بغيظٍ قبل أن يرفع يديه للسماء
- ياااارب أي چيبة أرتبط بيها، ياااارب!
❈-❈-❈
كان جالسًا في مكتبه الفخم داخل فيلته، يستعرض أوراقًا متناثرة أمامه لربما يرى شيئًا يجعله تذكر شيئًا من الماضي، لم يمضي كثيرًا من الوقت حتى دخلت (شيرين) الغرفة، شعرها منسدل وتبحث عنه بعينيها، ابتسم لها وقال مرحبًا بها
- كويس إنك جيتي، كنت لسه هكلمك
لتجيبه بهدوء
- خير يا حبيبي؟
ليشير لها بيده أن تجلس، وقد بدأ القلق يتشكل في عينيها وتسأله عما يريده فيبدو على وجهه الجدية ويظهر أن الأمر في غاية الأهمية، ليبدء يقص عليها أشياء بخصوص ما حدث له في الفترة الأخيرة وكيف أن فقدانه الذاكرة سيؤثر عليه وعلى عمله وسيجعل إناس بلا ضمير يستغلوا ما حدث له ثم بدء يقص لها عن (نغم) وأنه عليه أن يقابلها باستمرار وكي لا يشك بهم أحد يجب أن تكون لهم علاقة رسمية، اتّسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها
- انت عاوز تسبّني يا (حازم)؟
هز رأسه بالنفي، ممسكًا بيديها
- مش هسيبِك، ده جواز مصلحة وعلاقتي بيكي هتفضل مستمرة، أنا أول ما أخلص المصلحة هطلّقها وكل واحد يروح لحاله
همست بصوت مبحوح
- بس أنا مقدرش أستحمل ده مقدرش أشوفك مع واحدة تانية
اقترب منها، صوته هادئ لكنه حاد في تأكيده
- اسمعي يا (شيرين)، أنا مضطر صدقيني، جوازي منها مصلحة وعلى الورق بس
نظرت إليه باستسلامٍ حزين، لا تعرف يحمل قلبها الكثير من التردد وعدم الموافقة لن تشعر بالخير في تلك العلاقة المعقدة التي ستكون بها لتقول
- خلاص، مادام في مصلحة ليك، بس انا مضطرة انسحب من حياتك بهدوء
تجمع وجهه وهو لا يفهم شئ مما تقوله، فقامت هي بخلع خاتم خطبتها من يدها وهي تبكي ثم قالت
- أنا مش هقدر اكون في علاقة زي دي، ازاي هتبقى متجوز وخاطب في نفس الوقت، لما تحل مشاكلك انا موجودة
ثم أمسكت يده ووضعت بها خاتم خطبته وتابعت
- انت اللي خسران، بس كسرة قلبي دي مش هعديها على خير
لم تنتظر منه أي إجابة ثم ذهبت واتجهت نحو الخارج بينما زفر هو بضيق وجلس على اقرب مقعد وهو ينظر لخاتم خطبته وهو لا يفهم نفسه صحيح أنه لم يشعر بأي مشاعر بعد أن تركته، لكن ماذا لو عادت إليه الذاكرة وندم على تركها ..
❈-❈-❈
وفي اليوم التالي ..
بعد أن أنهت عملها، كانت تستعد لتستقل سيارتها حين لمحَت (إيمحور) أمامها، ارتسمت ابتسامة تلقائية على ملامحها ليبادلها بابتسامة اخرى، فقد كان مختفي لمدة أيام سابقة ولا تعلم السبب، يبدو وان (حازم) كانت لديه السيطرة الكبرى على جسده وعقلها الأيام الماضية، اتفقت معه أن يذهبا إلى مطعم هادئ، و في خلال ربع ساعة كانا قد وصلا وجلسا يتناولان الطعام بعد أن طلبته (نغم) من النادل، ظلا يثرثران في أمور شتى حتى وصل النادل ووضع الطعام أمامهم بعدها قطعت (نغم) وهي تتناول ما امامها
- حلو الأكل هنا جدًّا
أومأ (حازم)
- آه فعلًا
رفعت حاجبها بسخرية مرحة
- ما هو إحنا المصريين مش فالحين غير في الأكل، ضيّعنا التاريخ واستبدلناه بالأكل بدل ما نعمل حاجة مفيدة
ابتسم (إيمحور) رغمًا عنه، فتشجعت هي وسألته
- مش هتكمّل بقى حكاية (تي نا)؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة بها لمعة تلك الدمعة التي تظهر في عيناه كلما تذكر حبيبته الأولى والوحيدة ، ثم بدء يسترجع ذكرياته الماضية ..
كنتُ في ذلك الحين واقفًا في القصر، أترقب دخولها،
وما إن ظهرت حتى بدأ قلبي يخفق بقوّةٍ لم أعرفها من قبل، أمرتُ الحرّاس جميعًا بالرحيل، واقتربت منها وأنا اتأملها، ،كان ثوبها من الكتّان الخفيف، بسيطًا في قصّته، ضيّقًا عند الخصر بحبلٍ من ليف النخل، لكنه على جسدها بدا أرقى من ثياب النبلاء، شعرها الأسود ينسدل حتى كتفيها، كلما تحرّك مع النسيم زادت ضربات قلبي حتى لم اشعر بنفسي حين سألتها
- (تي نا)، لماذا تركتِني؟
انفجرت بالبكاء، ارتجف كتفاها وهي تقول
- لقد خفتُ بعدما قتلتَ والدي، خشيتُ أن تقتلني أنا أيضًا
قلت لها بلهجة حانية لم أكن أعرف أن تلك النبرة موجودة بين طبقات صوتي
- ولماذا سأقتلك؟ أنتِ من أنقذتِني، حتى أنني لما اقتل والدك اكرامًا لكِ، اكتفيت بسجنه حتى لا يبخل سنه علي مرة أخرى ، انا فقط أريد الزواج منك
شهقت وهي تحدّق بي لم تكن تصدق ما سمعته مني للتو فقد كانت تظن اني قتلت والدها وسأقتلها لتردد بدهشة
- ماذا تقول يا سيدي؟
نظرت في عينيها البنية التى لم ارى كثيرًا لها
- يبدو أنني أحببتك منذ أن وقعت عيناي عليكِ ، وأريد الزواج منك، لقد تعذبت طوال المدة التي تركتِني فيها
نظرت إليّ بذهول، ثم ارتمت في احضاني وهي تبكي ثم قالت من بين بكائها
- وأنا أيضًا أحبك منذ زمن، لكني خشيتُ ألّا تقبل بي، فكيف لملك مثلك من سلالة الملوك أن ينظر لفتاة مثلي حتى لو كان والدي من اعوانك
ابتسمتُ لها، وقلت
- وكيف لا أقبل .. وأنا مغرم بكِ؟
ابتعدت عني وابتسمت ثم بدأت بمسح دموعها وهي لا تصدق أن حلم حياتها على وشك الحدوث ..
بعدها بدأنا الاستعدادات ليوم العرس، كان جمالها آخذ للروح، وكلما رأيتُها يخفق قلبي أكثر وبعد انتهاء المراسم، وعندما صرنا وحدنا في غرفتنا، قلت لها وانا لا اصدق أنها أصبحت زوجتي أمام الجميع واصبحت الملكة عليهم
- إنني أحبك (تي نا)
قالت بصوتٍ عذب وهي تشعر بالخجل خجل لم أراه في أي انثى غيرها حتى أنها لم تستطع قولها وهي تنظر في عيناي
- وأنا أيضًا، سيدي
فاقتربت منها وهمست
- لا تقولي سيدي مرة أخرى، أنتِ الآن الملكة ناديني (إيمحور) فقط
نطقت اسمي
وكانت تلك اللحظة تكفي لأغمض عينيّ وأبتسم من ذلك اللحن الذي لم استمع له من قبل ثم ..
قطعت (نغم) المشهد بارتباك واضح
- خلاص رايح فين تاني مش لازم التفاصيل دي أوي، عرفنا انك اتجوزتها
ضحك كثيرًا ثم قال
- صح، معاكي حق
سألته
- وخلاص بقى؟ خلصت الحكاية على كده؟
هزّ رأسه نافيًا
- لا طبعًا، لسه فيها باقي بس عشان متتأخريش على البيت
- أيوة أيوة، مفهوم
نهض وقال
- تمام أوي أنا همشي دلوقتي وهسيبِك بس هجيلك تاني
ابتسمت له ابتسامة هادئة ولا تعرف لما تشعر بالأنجذاب تجاهه عندما يكون فرعوني حتى أنها تستطيع التمييز بين شخصيته عندما يتحول ل (ايمحور) وعندما يعود لطبيعته، لمعة عيناه التي تراها فيه ك(ايمحور) لا تراها عندما يكون (حازم)، ترى ما الذي يحدث معها؟! ..
❈-❈-❈
كانت تجلس في ركنٍ هادئ من المطعم، يعلو وجهها شحوبٌ خفيف يعكس اضطرابها الذي تشعر به، منذ حديثها مع (هيثم) وهي لا تشعر بالاطمئنان بسبب تلك الزيجة وما إن عادت إلى غرفتها حتى بدأت تبحث في الإنترنت عن الزواج بنية الطلاق أو زواج المصلحة ففوجئت بالاختلافات، والآراء المتباينة، والتحذيرات التي توحي بأنّ مثل هذا الزواج قد يقترب من زواج المتعة لأنه زواجٌ محدّدٌ بمدّة ولو بنية ..
شعرت بالخوف، خشية أن تقع في حرامٍ دون أن تدري، ولهذا قررت أن تهاتف (حازم) وتطلب لقاءه، وما إن دخل المطعم، وتقدّم نحو الطاولة حيث جلست، حتى رفعت رأسها إليه بعينين مضطربتين، سألها بلطف عن قرارها النهائي، حاولت ترتيب كلماتها، ثم بدأت تروي له، بصدقٍ، ما اكتشفته، وعن خوفها من أن تكون مشارِكة دون قصد في شيءٍ باطل، وحين انتهت من سرد مخاوفها، مالت قليلاً للأمام وقالت بصوتٍ متكسّر
- صدقني، أنا عاوزة أساعدك بس في نفس الوقت، حاسة إني مجرد سلعة في جوازة فوق ده، ابن خالتي قالي إنّ الجواز بالطريقة دي مينفعش وإنك يا إمّا تتجوز طبيعي يا بلاها
اتّسعت عينا (حازم) دهشةً، لم يكن يتوقع أن تكون قد أخبرت ابن خالتها بما جرى، لكنّ لن ينكر إعجابه بها ازداد؛ فهي فتاةٌ تخشى الله، وتتحرّى ما يصح وما لا يصح، ولا تُقدِم على شيءٍ إلا وهي مطمئنة لقلبها ودينها، ورغم اندهاشه أنها تشارك أحدًا في هذه التفاصيل، إلا أنه أدرك في النهاية أنها فتاة، والفتيات يستشرن من حولهم، فقال بنبرة متردّدة، يحاول فهم مقصدها
- مش فاهم، انتي عاوزة الجواز يبقى طبيعي؟
شعرت بخجل، ورفعت يدها تغطي جزءًا من وجهها، حتى خُيِّل إليه أنّ وجنتيها قد احمرّتا، كانت تخشى أن يفسّر كلامها خطأ، أزاحت يدها ببطء، وهزّت رأسها نافية، ثم قالت متلعثمة قليلاً
- بص يا (حازم) أنا معرفكش بس صدّقني أنا حاسة اني لازم اساعدك خصوصًا اني الوحيدة اللي ممكن اعمل ده وحاسة إنّي ممكن أكون شاركت في جريمة من غير ما أقصد، عشان اتورّطت مع ابن خالتك، كل اللي بطلبه إنّ جوازنا ميبقاش فيه حاجة غلط
ابتلعت ريقها، وحدقت فيه بعينين مضطربتين، ثم تابعت بنبرة أهدأ
- يعني تسيب الأمور ماشية زي ما هي، في ناس كتير بيكتبوا الكتاب ويتعرفوا على بعض أكتر بعد كتب الكتاب، اعتبر جوازنا مدة تعارف، واي جواز فيه أوبشن الطلاق، دي مش حاجة جديدة، بس متنويش إن الجواز يبقى بمدة، ولا إنك هتطلقني بعد ما المصلحة تخلص نسيب الدنيا تمشي كده، فاهم حاجة من كلامي؟
بدت على وجه (حازم) ابتسامة خفيفة، ثم قال بصوت منخفض
- فاهم
ثم توتر فجأة، وشرد بضع لحظات قبل أن يعترف، بعد أن أخذ نفسًا عميقًا
- أنا كنت خاطب بنت ومكنتش عاوز أظلمها بس هي فسخت الخطوبة أول ما عرفت إني هتجوز، يمكن وجود البنت دي هو اللي خلاني أفكّر في الطلاق كمان عشان مظلمهاش وما أظلمكيش في جوازة انتي مش حباها
رفعت (نغم) حاجبيها، ونظرت إليه بغرابة، لم تعرف ماذا تقول، أو كيف تُعلّق، لكنّها حسمت موقفها وقالت بثباتٍ خفيف
- أنا اللي عندي قولته ومش هتجوز كأني سلعة أو حتّة أثاث هتنقلها لبيتك
طال صمته لحظة، كلماتها لامست شيئًا فيه ثم نظر إليها بإعجاب واضح، ثم قال
- متقلقيش
❈-❈-❈
بعد مرور أيام قليلة ..
كانت (عالية) منهمكة في تجهيز حفل زفاف ابنتها رغم أنها لا تعرف لما تعجلوا من أجل ذلك الزفاف ولكنها توسمت خيرًا في ذلك الشاب عندما قابلته، بينما كانت (نغم) تقف أمام المرآة ترتدي فستانًا أبيض ناصعًا، يعكس الضوء عليها فتبدو وكأنها قطعة من متحف، اقتربت (نيرة) من الخلف، وضمتها بذراعيها بحنان، لتخبرها بأنها جميلة للغاية، شعرت (نغم) بالخجل ولم تتحدث فقد كانت لديها مشاعر غريبة حقًا لا تفهمها، أطلقت (نيرة) صيحة تشجيع مرحة
- طب يلا يا ختي، (حازم) مستنيكي بااارة
تنفست (نغم) بعمق، حاولت تثبيت يديها المرتعشتين، ثم ابتسمت وخرجت وحين رآها (حازم)، توقّف الزمن للحظة؛ ارتسمت ابتسامة خفيفة على فمه قبل أن يتقدم نحوها ويمد ذراعه، تأبطت ذراعه في خجل واضح، وسارا معًا إلى السيارة، كانت اللحظة غريبة على كلايهما حتى لو كان كل ذلك بدون مشاعر ولكن اللحظة غريبة حقًا حيث أوصلهما الطريق إلى فيلا (عبدالرحمن الجمال) ..
تم عقد القران ثم توجهت موجة من التهاني إليهما، جلس (هيثم) بجانب (نغم) وهو يبتسم لها بحب أخوي ويبارك لها فقد وافق على إتمام الزيجة بعد أن أخبرته أن (حازم) عدل عن أن يكون الزواج لمدة معينة، تأمل وجوه الجميع حتى توقفت عيناه حين رأى فتاة تتجه نحو (حازم) وتبارك له وتحتضنه انعقد حاجباه، واتسعت عيناه في حيرة، ثم التفت إلى (نغم)
- مين دي اللي بتحضن (حازم)؟
قالت ببرود، وكأن الأمر لا يعنيها
- تقريبًا (ساندى) أخته، حكالي إنه ليه أخت
ابتسم ابتسامة بسيطة وهو يتأملها ويرى كيف تلك الدنيا صغيرة بالفعل فقد تمنى من أعماق قلبه أن يرى تلك الفتاة مجددًا ويبدو أن أمنيته قد تحققت توًا ظل يتابعها بعينياه حتى وجدها في إحدى زوايا الحديقة بمفردها فنهض ولحق بها ثم وقف أمامها قائلًا بنبرة مستفزة قليلًا
- انتي يا بتاعت الـفلوس
رفعت (ساندي) رأسها نحوه، ضيّقت عينيها، حاولت تذكّر ملامحه فقد رأته من قبل ولكنها ا تتذكر اين فسألته
- انت مين؟
اصطنع الحزن، واضعًا يده على صدره
- مش فكراني؟ ازعل كده
قالت بجديّة مُتجهمة
- أنا مبحبش الهزار، خلص قول انت مين
ضحك قليلًا
- طب بلاش قفش، مش فاكرة اللي أنقذ عربيتك واديتيله فلوس؟
اتسعت عيناها فجأة، ثم هزت رأسها وكأنها تذكرت وتأملته لثوان وقالت
- أنت ايه جابك هنا؟!
ابتسم بخيبة أمل ثم قال
- أيه المقابلة دي؟!
نظرت له بريبة واضحة
- ده بيتي وانا اخت العريس
اجاب ببساطة
- وانا ابن خالة العروسة، اسمي (هيثم)
ابتلعت ريقها، وقالت بخجل بسيط
- اتشرفنا
تابع بابتسامة واسعة
- عمومًا أنا عرفت اسمك، (ساندي) مش كده؟
نظرت له بشدة ورفعت حاجبها، فابتسم لها ثم حاول ممازحتها وهو يضغط بيده على قلبه هائمًا
- على فكرة أنا معلّق الـفلوس عندي في الأوضة، كل لما أحب أفتكرك ببص ليها
انطلقت ضحكة رقيقة من فم (ساندي)، لم تستطع كتمها فاسلوبه غريب للغاية
- انت مجنون أوي
اصطنع الخجل وهو يخفض رأسه
- بلاش تكسفيني بقى
قالت وهي تحاول استعادة جديتها
- طب يلا ندخل للعرسان
❈-❈-❈
عاد معًا إلى شقتهما الخاصة، كانت الشقة مضاءة بإضاءة دافئة، فبدت مريحة، أخذت (نغم) تدور بعينيها في المكان بإعجاب فقد كان المنزل جميل للغاية، جلسا على الأريكة معًا، فتأملته للحظة ووجدته متوترًا فسألته بنبرة هادئة عما يدور في رأسه، أخذ نفس عميق، وصوته اكتسى بالجدية
- مش عاوز حد يعرف طريق المكتب ده يا (نغم) .. (رؤوف) اصلًا واخد إجازة ومسافر اليومين دول، لسه ميعرفش بخبر جوازنا
ثم صمت لبعض الوقت وتابع
- لو لاحظتي في أي وقت إني مش موجود، اعرفي إني انتحلت شخصية (إيمحور) وهبقّى في المكتب، وتجيلي هناك
هزت رأسها بتفهّم ثم قالت
- أنا هروح أغير هدومي وهبقى أخرج نتعشى، ولا ملكش نفس؟
اماء له بعينه ثم قال
- لا طبعًا جعان، أنا كمان هغيّر هدومي
دخلت (نغم) الغرفة الخاصة بها كما أرشدها ثم فتحت الدولاب الخاص بها وهي تتفحص ماذا يجب عليها أن ترتدي ذلك الوضع غريب للغاية هو زوجها صحيح والزيجة تمت بطريقة صحيحة ولكنه غريب عنها، يجب عليها أن تكون بكامل حشمتها أمامه، زفرت بضيق ثم اختارت بيجاما طويلة ومحتشمة ثم وقفت أمام المرآة تمشط شعرها وهي تفكر بداخلها هل يجب عليها أن ترتدي إسدال فوق تلك البيچاما ام تكتفي فقط بالحجاب، يجوز أن خرجت بدون حجاب يفهمها بطريقة خاطئة لم تفكر في كل ذلك الأيام الماضية فكل شئ أتى سريعًا، صحيح هي ستجلس معه طيلة اليوم كيف عليها التجول بالشقة وهو بها، في النهاية اكتفت بارتداء حجابها فوق البيچاما ثم فتحت الباب وهي تمشي على أطراف أصابعها، وبمجرد أن خرجت، لمحت (حازم) من بعيد يرتدي ملابس منزلية مريحة زفرت بضيق فها هو يجلس بإريحية
في النهاية استجمعت شجاعتها ووقفت أمامه ثم سألته
- إيه ده؟ انت لسه مكلتش؟
رفع (حازم) رأسه نحوها ببطء، وبينما يهمّ بالنطق
- آه مستن...
لكن صوته انقطع فجأة، فتلك اول مرة يراها بملابس غير رسمية، شعر بتوتر وعلى الرغم انها ترتدي ملابس محتشمة ولا يظهر منها أي شئ حتى شعرها تغطيه لكنها تلك اول مرة يلاحظ أنها ضئيلة الوزن بسبب اتساع ملابسها، اندهش قليلًا لأنها ترتدي حجابها ولكنه لم يعلق حتى لا تشعر بالخوف منه ..
يتبع
