قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ذكريات ضائعة
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة علا السعدني
الفصل الخامس
تم النشر السبت
15/11/2025
نهضت (نغم) من مقعدها بعصبيةٍ ظاهرة، وملامح وجهها تعكس كلًا من الذهول والارتباك، ثم توجهت مسرعة نحو صديقتها التي كانت تحدّق بها بدهشة، محاولةً أن تفهم ما يجري، لما حدثت ذلك الشاب، سألتها وهي ترفع حاجبيها باستغراب من ذلك الشاب؟!
لكن أصرت (نغم) على الانصراف فهي نفسها لا تفهم ما يحدث معها، اقتربت (حنان) منها أكثر، في إصرار منها أن تفهم ماذا حدث معها، أطلقت (نغم) زفرة طويلة وقد نفد صبرها، ثم رمقتها بنظرةٍ حادة وهي تقول بنبرةٍ متوترة
- يوووووه، همشي لوحدي لو مجتيش
بدت الحيرة على وجه (حنان)، لكنها أدركت أن صديقتها ليست في حالٍ يسمح بالجدال، فاكتفت بالصمت وتبعتها بخطواتٍ سريعةٍ خارج المطعم ..
وفي الداخل، كان ذلك الشاب لا يزال جالسًا على مقعده، يضع كفّه على جبينه، يحاول استيعاب ما حدث، ثم همس داخل نفسه سألًا إياها ما الاسم الذي دعته به توًا، رفع رأسه فجأة بعينين متسعتين، يبحث بنظراتٍ مضطربة عن الفتاة التي كانت تجلس أمامه قبل لحظات، نهض مسرعًا واتجه إلى الخارج، يدير رأسه يمينًا ويسارًا، يبحث في زحام الشارع عن أثرٍ لها، ثم ضرب الأرض بقدمه بعصبيةٍ وقال غاضبًا بصوتٍ متهدّج، ظل يسبُ نفسه ويلعن نفسه على تصرفه الأهوج ذاك، لم يمر وقت حتى اهتزّ هاتفه بين يديه، فرفع الجهاز إلى أذنه بنفاد صبر، جاءه صوت (وائل) صاخبًا من الطرف الآخر
- أخيرًا فتحت تليفونك يا زفت! إيه اللي رجعك مصر من غير ما تقولّي؟
ردّ الشاب بنبرةٍ متعبةٍ وضيقةٍ الصدر
- كنت عاوز أقعد لوحدي يا (وائل) .. بقولك، الملك الفرعوني اللي كنت بعمل عليه البحث بتاعي كان اسمه إيه؟
قال (وائل) بعد لحظة صمتٍوهو لا يفهم ذلك السؤال
- (إيمحور)
تجمّد وجه الشاب للحظة، ثم ضمّ قبضته بقوةٍ بكل الغضب الذي يشعر به ، وقال بنبرةٍ حادةٍ ملؤها
- تعالالي حالًا في كافيتيريا (...)
جاءه صوت (وائل) مترددًا وهو يجيبه بالأيجاب ..
❈-❈-❈
بينما كانت (نغم) تجلس في المقعد الخلفي من سيارة الأجرة، أخذت تتأمل الشوارع بنظرات شاردة، يكسو وجهها التوتر، بينما كانت (حنان) إلى جوارها تتابعها بفضول لم تستطع كبحه، التفتت إليها في النهاية وسألتها بدهشة ما الذي أصابها بعد أن قابلت ذلك الشاب، تنهّدت (نغم) بعمق، وأجابت بنبرة متوترة
- هاحكيلك كل حاجة بعدين، بس مش قادرة أتكلم دلوقتي، بجد مش قادرة
رفعت (حنان) حاجبيها باستغراب، ثم تركتها وشأنها وهي تتكئ على مقعدها، فهي تعلم صديقتها جيدًا أنها لن تقص عليها شئ مادامت لا تريد أو يشغل تفكيرها شئ آخر، ساد الصمت بينهما إلا من صوت محرك السيارة وضجيج الشارع، حتى قالت (نغم) بعد لحظات من الشرود
- انا هوصلك إنتي الأول، وبعد كده هاروح أنا
اومأت لها دون أن تتحدث، وبعد أن أوصلتها، غادرت (نغم) نحو منزلها، دارت الأفكار في رأسها بعشوائية، لم تكن تفهم ما حدث معها منذ قليل، ما إن دخلت المنزل حتى أسرعت نحو غرفة (هيثم)، كان نائمًا على جانبه، يتنفس بعمق بعد يوم طويل من التدريب، أمسكت وسادة وضربته بها بعنف وهي تقول بنبرة متوترة
- قووم .. قووم حالًا، أنا عاوزة أتكلم معااك!
تحرك (هيثم) ببطء، فتح عينيه نصف فتحة وقال بصوت ناعس متذمر
- سيبيني يا نانا .. جسمي مكسر من التدريب، بجد مش قادر
زفرت بغضب وضربته مرة أخرى بالوسادة وهي تصرخ
- قوم بقى بليييز، بليييز!
اعتدل (هيثم) جالسًا فجأة وقد بدا عليه الانفعال، وقال بنبرة غاضبة
- أنا هرجع بيتنا تاني، أنا غلطان إني جيت أقعد معاكوا لحد ما أمي تيجي!
قالت بضيق واضح
- اسمعني بقى، الموضوع مهم!
أغمض عينيه وأسند ذقنه إلى يده، متظاهرًا بالاستماع على مضض
- اتحفيني
نظرت إليه شزرًا ثم دفعته بكتفها بعصبية، وهي تحاول إيقافه بشتى الطرق، فتح عينيه فجأة وهو يتنهد باستسلام
- طب اعمليلي كوباية قهوة الأول، عقبال ما أغسل وشي .. أنا مش شايف قدامي
قالت بعجلة وهي تسحبه من يده نحو المرحاض، فتمتم وهو يجرّ قدميه نحو الحمام بضيق
- مودياني فين؟
- الحمام، عشان متنامش تاني يا كسول!
زفر بضجر وهو يدخل الحمام، بينما ذهبت هي نحو الخارج لتعد له كوبًا من القهوة ..
بعد برهة، وضعت كوب القهوة أمامه بهدوء، مدّ يده نحو الكوب وهو ينظر إليها بملامح جادة، ثم قال بصوت مهدّد بنبرة ساخرة
- عارفة لو الموضوع تافه .. مش هيكفيني موتِك
رمقته بابتسامة مترددة تحاول بها تهدئة الأجواء، ثم قالت وهي تجلس أمامه
- فاكر الشاب اللي بيقولّي إنه (إيمحور)؟
تبدّل تعبير وجه (هيثم)، ارتفع حاجباه قليلًا واعتدل في جلسته قائلًا باهتمام وهو يسألها ما الخطب، تنهدت وهي تحرك شعرها بتوتر بين أصابعها
- شُفتُه النهارده في مطعم .. هو هو، استحالة يكون في اتنين شبه بعض كده، شبه غريب يخوّف! رُحت كلّمته
أمال رأسه قليلًا، لمعت عيناه فضولًا
- وبعدين؟
قالت في حيرة
- كان شكله متضايق، متوتر، وقالي مين (إيمحور) ده؟ أنا مش ناقصك
رفع (هيثم) حاجبه في ريبة، ثم قال بنبرة عقلانية حاول أن يُقنعها بها
- طب ما يمكن إنتِ شوفتي الشاب ده قبل كده، وعقلك الباطن حفظ شكله .. واتأثرتي بيه، فبدأتي تتخيلي إنه هو (إيمحور)
نظرت إليه بحدة، ثم قالت بتهكم وهي تذم فمها
- إيه الهبل اللي بتقوله ده يا ثومى؟
تنفس (هيثم) بعمق وهو يميل بجسده للخلف على الأريكة، قائلاً بضيق واضح
- لا، أصل اللي بقوله أنا هو الغريب .. لكن اللي إنتِ بتقوليه بيتصدق طبعًا!
رمقته نظرة تحمل مزيجًا من الغضب والسخرية، ضحك ساخرًا، ثم قال بنفاد صبر
- طب ممكن تسبيني أنام بقى؟
قطبت حاجبيها وقالت بضجر طفولي
- روووح نام يا ثومى، ما الواحد ماينتفعش منك بحاجة أبدًا!
أدار وجهه نحوها، وتصطنع الضيق وهو يقول
- كل ده ومش منتفعة بيا بحاجة؟
- أيوه
أشار إليها بيده متظاهرًا بالانزعاج
- يا ساتر من البنات دول! بعد ما ياخدوا منك اللي هما عاوزينه .. يرمُوك في لحظة!
انفجرت (نغم) في ضحك خافت، بينما رقمها هو بغضب مصطنع ثم تركها وعاد إدراجه إلى غرفتها ليرى على سيستطيع النوم مجددًا ام غاب النوم عن عينيه ..
❈-❈-❈
جلس (وائل) على الطاولة المقابلة لصديقه، يُحدّق فيه بعينين متفحصتين، بينما كانت ملامح (حازم) شاحبة متوترة، عقله يشتعل بأسئلة لا تنتهي، وضع (وائل) كوب العصير أمامه ثم سأله بقلقٍ واضح ما خطبه، فاخبره (حازم) بصوتٍ مضطرب وهو يهز كتفاه وهو لا يفهم ما حدث معه منذ قليل، عبس (وائل) في حيرة، وهو يقول بنبرة حذرة
- في إيه بالظبط؟
تنفّس (حازم) بعمق ثم تمتم بضيق
- في بنت جت تقولّي إني (إيمحور)! تخيّل يا (وائل)؟ بتكلّمني كأنها تعرفني! أنا مش فاهم إزاي ولا ليه!
اتسعت عينا (وائل) دهشة، ثم قال بجدية وهو يميل نحوه
- ما يمكن البِنت دي تبع (رؤوف) .. جايبها توقعك، يشوفك فاقد الذاكرة فعلاً ولا لأ؟
هزّ (حازم) رأسه نافيًا بقوة، نبرة صوته تحمل يقينًا غريبًا
- بس دي شكلها بنت محترم، حسب كلامك عن (رؤوف) أنه ضايع، هيعرف الاشكال ولاد الناس دول منين؟! كمان انت قلت إن أمي مقالتش ليه عن الحادثة ولا فقدان الذاكرة
نظر له (وائل) بضيقٍ واضح، ألقى بجسده على ظهر الكرسي متنهّدًا
- ما يمكن نمرة من نمره هو، بيجرب بيها حظّه
زفر (حازم) بقهرٍ وهو يشبك يديه
- أنا بجد نفسي الذاكرة ترجع لي، نفسي! وعاوز أشوف البنت دي تاني .. أنا غبي، ضيعتها من إيدي وهي كانت قدامي
نظر إليه (وائل) مطولًا، علامات الشك ترتسم على وجهه قبل أن يقول
- بلاش يا (حازم) .. أنا مش مطمن، بلاش تكلم اي حد قبل ما تكمل علاجك والذاكرة ترجع ليك
ثم أمال رأسه ناحيته وأضاف بصوتٍ منخفض كأنه يُذكّره بشئ ما
- وبعدين .. مش ناوي ترجع البيت؟ حرام اللي بتعمله في طنط (عِفّت) و(شيرين) خطيبتك ده
تحوّل وجه (حازم) إلى مزيج من الغضب والضياع، نظر أمامه للحظة قبل أن يقول بضيقٍ واضح
- أنا نفسيتي تعبانة، ومش فاكرهم أصلًا ولا فاكر نفسي ولا عارف طبعي كان ازاي .. انا حتى تايه ومش مهتم بزعلهم اللي بتقول عليه ده؟ انا عاوز الاقي نفسي يا (وائل)
شعر (وائل) بالشفقة على صديقه ، فقال بجديةٍ
- أنا فهمت طنط (عفّت) إنك لسانك تقيل عشان متطلبش تكلمك، كنت هقولها إيه؟ ابنك هرب من المستشفى؟ وانا مش عارف طريقه وهو فاقد الذاكرة لا حول له ولا قوة وفي ناس عاوزة تموته
نظر له (حازم) باهتمامٍ مفاجئ، حاجباه انعقدا وهو يسأله بنبرة فاحصة
- وعرفت منين إني رجعت مصر؟
ضحك (وائل) ضحكة قصيرة متعبة وقال
- دورت في كل الأماكن اللي كنت بتروحها في باريس، ملقتكش، رُحت سألت في سجل السفر، لقيت اسمك في آخر الرحلات اللي وصلت مصر، وكويس انك لما هربت خدت تليفونك معاك شكلك اتفقت ما حد جوا المستشفى
ارتسمت على وجه (حازم) ابتسامة ساخرة، وقال وهو يومئ برأسه إعجابًا
- لا بتفهم وشكلك صاحبي بجد .. المهم، أنا عاوز أشوف البنت دي واتكلم معاها
هز رأسه بآسى على صديقه ذلك ولكنه يعذره بقلة الثقة التي أصابته بسبب فقدانه الذاكرة خصوصًا وهو في بلد غريب ولا يعرف شئ عن نفسه، لكنه اخبره بتحذيرٍ
- يا بني، بلاش .. احنا مش عارفين دي تبع مين؟!
قال بإصرارٍ
- معتقدش إنها لعبة من (رؤوف)، إيه اللي يخليها تقولّي إنت (إيمحور)؟ لو نصّابة كانت حاولت تتعرف عليا أكتر .. تسحب مني كلام، تقول انها عارفاني شخصيًا
ظل (وائل) صامتًا للحظة، ثم قال وهو يفرك ذقنه
- معاك حق في النقطة دي فعلاً
❈-❈-❈
في المساء ..
عاد (حازم) إلى المنزل بعد غيابٍ طال، كانت (عفت) تجلس في غرفة المعيشة، وما إن وقع بصرها عليه حتى تجمّد الزمن بها لحظة، ثم نهضت مسرعة نحوه، والدموع تتلألأ في عينيها، واحتضنته بكل ما تملك من حنين وهي لا تصدق أن ابنها يقف أمام عينيها الآن، لا تعرف سر مجايئه المفاجئ، تراجعت قليلًا لتتأمله، مررت أناملها على وجهه كما لو كانت تتأكد أنه حقيقة وليس حلمًا، ثم التفتت إلى (وائل) المرافق له، وسألته بلهفة
- رجعتله الذاكرة؟
أجابها (وائل) بأسى، وهو يهز رأسه نافيًا
- لا يا طنط، لسه للأسف
خفتت ابتسامة (عفت)، وبدت الدموع عالقة داخل عينيها، ثم أعادت احتضانه من جديد، وكأنها تخشى أن يفلت منها ثانية وقالت
- وحشتني أوي، عامل إيه؟ خسيت كده ليه يا بني؟!
أجابها بنبرة هادئة يغلبها التعب
- معلش يا أمي .. وريني أوضتي، عاوز أرتاح شوية
نظرت له بدهشة ولكنها تتفهم أنه لا يتذكر شئ ويشعر بالغربة رغم وجودها معه فقالت
- طب سلم على (ساندي) الأول يا حبيبي
تجمّد قليلًا ثم نظر نحو (وائل) بعدم فهم، فابتسم الأخير وقال موضحًا
- (ساندي) .. أختك يا (حازم)
هز رأسه بإيماءة خفيفة في محاولة منه لاستيعاب الاسم، فنظر (وائل) إلى (عفت) قائلًا بصوت خافت
- لو (رؤوف) نايم، خليه يعرف بكرة، خليه يتفاجئ، أحسنله وأحسن ل (حازم) كمان
أومأت (عفت) موافقة
- تمام يا حبيبي
ابتسم (وائل) وهو يهم بالمغادرة
- أنا ماشي دلوقتي .. هبقى أكلمك نتقابل بكرة إن شاء الله
اومأ له (حازم) موافقًا ثم صعد مع والدته إلى الطابق العلوي، توقفت أمام باب غرفة (ساندي)، طرقت بخفة ثم فتحته، كانت (ساندي) غارقة في شاشة حاسوبها، وما إن رفعت رأسها ورأته واقفًا أمامها، حتى اتسعت عيناها بعدم تصديق، ثم شهقت بصوتٍ عالٍ وركضت نحوه
- زوومااا!! حبيب قلبي .. وحشتني أوييي!
قفزت إلى ذراعيه تحتضنه بشوقٍ عارم، فضحك بخفةٍ وهو يربت على كتفها، لم يعرف من هي تمامًا، لكنه شعر بحرارة صدقها تذيب جدار الغربة داخله، ابتعدت (ساندي) قليلًا، تحدّق فيه بقلقٍ واضح
- انت صحيح مش فاكر حاجة يا (حازم)؟
هز رأسه بالإيجاب بخجلٍ، فزفرت بحزنٍ خافت وقالت
- طب خلاص، نام دلوقتي وارتاح .. بكرة إن شاء الله نتكلم كتير، وهخليك تفتكر كل حاجة بإذن الله
ابتسم لها ابتسامة خفيفة، ثم خرج متجهًا نحو غرفته، بينما كانت (عفت) تنتظره عند الباب، وضعت يدها على كتفه برفقٍ وهمست بعطفٍ عميق
- تعالى يا حبيبي، أوضتك زي ما سبتها بالظبط
سار خلفها في ممرٍّ طويل، وكل زاوية فيه تحمل ذكرى لا يتذكّرها، لكن قلبه كان يخفق لأن تلك الأماكن مألوفة بالنسبة له ..
❈-❈-❈
في الصباح ..
اجتمع أفراد البيت حول مائدة الإفطار، كانت (عفت) توزّع الأطباق على الطاولة، و(ساندي) تتبادل معها بعض المزاح الخفيف، غير أن الهدوء انكسر حين دلف (حازم) إلى غرفة السفرة بخطواتٍ مترددة، يشعر بالغربة معهم رغم أن شيئًا ما في قلبه تحرك ولكنه مازال يشعر بالوحدة، رفع (رؤوف) رأسه من على فنجان القهوة، وما إن وقعت عيناه على الداخل حتى تجمّد في مكانه، وارتسمت الدهشة على وجهه، ازدرد ريقه بصعوبة بعدها قال
- (حااازم)! .. انت رجعت امتى؟!
التفت إليه (حازم) بملامح متسائلة، قبل أن يرمق (عفت) نظرة استفسارٍ صامتة، فأدركت ارتباكه وقالت بهدوءٍ لتوضح
- ده (رؤوف) يا حبيبي .. ابن خالتك
نظر إليه (حازم) طويلاً، وكأنه يحاول أن يقرأ ملامحه ليستخرج منها أي ذكرى ضائعة، ثم تمتم بينه وبين نفسه إذًا ذلك هو (رؤوف)، وللغرابة شعر بقبضة في قلبه تجاهه لم يشعرها تجاه أحدًا من قبل، أما (رؤوف)، فبقي يراقبه بدهشةٍ لم يستطع إخفاءها ثم سأله
- مالك يا بني؟ اللي يشوفك يقول إنك مش فاكرني خالص
رفع (حازم) نظره نحوه وقال بهدوءٍ
- ما دي حقيقة .. أنا عملت حادثة وفقدت الذاكرة تمامًا، ومش فاكر أي حاجة
تجمّد (رؤوف) في مكانه، ووقع السكين من يده دون أن يشعر، نظر إلى (حازم) بعينين متسعتين وصوتٍ يختنق بالدهشة
- إيــه؟!
ردّ (حازم) بثباتٍ غريب
- اهو اللي حصل
ظل (رؤوف) صامتًا للحظة، يحدّق فيه بعينٍ فاحصةٍ تحمل ألف سؤالٍ لم يجرؤ على نطقها، صر على أسنانه ببطء، وأخذ يفكر، بالطبع يعلم بأمر الحادثة التي أصابته ولكن أمر فقدان الذاكرة تفاجئ به، جلس (حازم) بهدوءٍ ليتناول طعامه، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما بقيت (عفت) تراقب الاثنين بتوترٍ، تعلم ان علاقتهم منذ القدم ليست جيدة ولا تعلم السبب، حاولت أن تكسر الصمت بابتسامةٍ مصطنعة، أخيرًا تحدث (رؤوف) بنبرةٍ يغلفها الفضول
- يعني مش ناوي ترجع الشغل يا (حازم)؟
رفع (حازم) رأسه، وقال بثقةٍ رزينة
- لأ، هافضل قاعد أسبوع هنا .. محتاج أتعالج وأظبط نفسي شوية، بعد كده هشوف شغلي وقف لحد فين، لو قدرت أكمل، تمام .. لو معرفتش، هنسحب بهدوء لحد ما الذاكرة ما ترجع بقى
تبادل الاثنان نظراتٍ صامتة، قبل أن ينهض (رؤوف) فجأة، يلتقط مفاتيحه وهو يقول بلهجةٍ مختصرة تخفي انزعاجه
- طب هستأذن يا خالتو، اتأخرت على الشغل
قالت (عفت) بابتسامةٍ هادئة تحاول تهدئة الجو
- اتفضل يا بني، ربنا معاك
غادر (رؤوف) بخطواتٍ سريعة، دون أن ينظر خلفه، أما (حازم)، فظل يتابعه بعينيه ..
❈-❈-❈
كانت تجلس أمام شاشة الحاسوب، تحاول التركيز في العمل بينما ذهنها يفكر ذلك الشاب الغامض، راحت تحدث نفسها في ضيقٍ هل ذلك الشاب مُحتال؟!
ام هي التي جنت وأصبح تتوهم أشياء ليست لها أي اساس من الصحة؟!
في ذلك الوقت دلف (معتز) حاملًا كوبًا من عصير الليمون، ونظر إليها بابتسامةٍ خفيفة وهو يقول
- شكلك متعصب أوي يا (نغم)!!
رفعت رأسها نحوه لكنها لم تجيب اكتفت بايماءة بسيطة بعينيها، وضع الكوب أمامها بلطفٍ وقال
- طب اتفضّلي يا سِتي، روّقي دمّك
تنهدت وهي تلتقط الكوب
- شكرًا أوي يا (معتز)
راقبها باهتمامٍ وقال بنبرةٍ هادئة
- شكلِك مش عارفة تشتغلي خالص النهارده، دماغِك في حتّة تانية
- يعني شوية كده ..
قالتها وهي تحاول الابتسام دون جدوى، ابتسم لها (معتز) بخفة، ثم اقترب أكثر
- طب يا سِتي هاتي الفيديوهات اللي محتاجة تظبطيها، وأنا أظبّط الصوت عليها بدالِك
هزّت رأسها نافية بخجل
- لأ لأ، مش هينفع
أصر قائلًا
- عيب يا بنتي، أنا فاضي خلصت البرنامج ونظّمت الورق لحلقة بكرة، هاتي شغلك، مش هياخد مني حاجة
قالت بإحراجٍ لطيف
- بس كده هتتعب نفسك يا (معتز)
ابتسم، ومال بجسده قليلًا نحوها قائلًا بخفة ظل
- ده أنا منايا تتعبيني
ابتسمت بخجلٍ وهي تشكره على ذوقه، جلس (معتز) أمام الحاسب الخاص بها، يعمل بتركيزٍ بينما راحت (نغم) تتابعه بعينٍ نصف مغلقة، إلى أن غلبها النعاس ونامت ورأسها فوق المكتب، ظل (معتز) ينظر إليها مبتسمًا؛ ملامحها هادئة وهي نائمة كانت تحمل براءةً جعلته يتردد بين إيقاظها أو تركها ترتاح قليلًا، حتى مر بعض الوقت فتحت عينيها أخيرًا، نظرت إلى الساعة فانتفضت فجأة
- ليه يا (معتز) ما صحّتنيش؟!
قال بابتسامةٍ هادئة وهو يرفع كتفيه
- خُفت أصحيكي، حسيّت إنك تعبانة ومحتاجة تنامي شوية
نظرت له وهي تعقد ذراعيها
- طب ومروحتش ليه؟
- هسيبك إزاي في الأستوديو؟ ده أغلب الناس مشيت من بدري، يلا بقى لمّي حاجتك ونمشي
شعرت بالخجل من نفسها كونها في الأستوديو معه بمفردها، أغلقت أجهزتها سريعًا وجمعت أوراقها، ونزلا معًا، لكن ما إن وصلا أمام البناية حتى سمعت صوتًا مألوفًا يناديها بحدةٍ من الخلف، استدارت بدهشةٍ، فإذا به ذلك الشاب، اتسعت عيناها من الصدمة بينما انكمشت ملامح (معتز) بحدةٍ وهو ينظر إليه بريبة، قالت (نغم) بغضبٍ
- عاوز إيه؟!
نظر إليها الشاب باندهاش وهو لا يفهم سر تلك النبرة التي تتحدث بها
- بتكلميني كده ليه؟!
تدخّل (معتز) بخطوةٍ للأمام وصوتٍ حازم
- هو بيضايقك يا (نغم) ولا إيه؟
قالت بحدةٍ واضحة
- يلا نمشي يا (معتز)
لكن الشاب مدّ يده فجأة وأمسك بمعصمها، فشهقت (نغم) وارتبك (معتز) فورًا، فامسك يد الشاب بقوةٍ غاضبة وهو يقول
- إنت إزاي تتجرأ تمسك إيدها كده؟!
لم يلتفت الشاب إليه، بل ظلّ يحدّق في (نغم) بعينين بها إصرار
- بقولك عاوز أتكلم معاكي
قالت (نغم) بنفاد صبر
- عاوز إيه تاني؟!
قال الشاب بحدةٍ
- لوحدنا .. كالعادة
تحرك (معتز) كمن فقد أعصابه، مد يده ليضربه، لكن الشاب كان أسرع منه فأمسك بيده في الهواء، وعيناه لم تتركا وجه (نغم)
- قولتلك عاوز أتكلم معاكي
نظرت إليه نظرة طويلة، فيها شيء من الخوف وشيء من الفضول، ثم التفتت إلى (معتز) وقالت بهدوءٍ رغم اضطرابها
- سيبه يا (معتز)، أنا أعرفه .. هو هيروح معايا
ليتحدث (معتز) بغضب عارم
- مين ده يا (نغم)؟!
- هبقى أقولك بعدين
أجابت وهي تنظر إلى الشاب بجمود، ثم قالت ببرود
- اتفضل اركب معايا
رمقها (معتز) بغيرةٍ واضحة قبل أن يستدير غاضبًا ويغادر إلى سيارته، استقل الشاب إلى جوار (نغم)، والجو بينهما متوترًا، نظر إليها بحدةٍ وسأل
- بتكلميني كده ليه؟!
ردّت بعصبيةٍ صريحة
- عشان إنت واحد نصاب
رمش بدهشةٍ
- نصاب؟ مين قالك كده؟
- أنا شُفت واحد شبهك في المطعم! ولما روحت أكلمك، اتريقت عليا ونفيت انك (إيمحور)
نظر لها مندهشًا
- مطعم إيه؟ أنا مروحتش مطاعم أصلاً!
نظرت له بسخريةٍ مريرة
- أمال أنا شفت مين يا سي (إيمحور)؟!
هز رأسه بارتباكٍ حقيقي
- مش عارف بس لو في حد شبهى كده، يبقى في حاجة مش طبيعية
زفرت بغيظٍ
- إنت غريب أوي، لو مش عارف بتروح فين ولا بتعمل إيه، عاوزني أصدقك إزاي؟!
قال بجديةٍ ممزوجة باليأس
- طب وديني المطعم اللي شوفتي فيه الراجل ده
- أوكي .. بس قولي إزاي عرفت إني هنا؟
أجابها بهدوء
- روحت البيت ملقتش عربيتك، جيت هنا لقيتها تحت، قلت أكيد إنتي فوق
أدارت وجهها إلى الأمام، وضغطت على دواسة البنزين، لتنطلق معه في صمت، إلى أن وصلا إلى المطعم، أشارت (نغم) إلى إحدى الطاولات قائلةً بحدةٍ خافتة
- كنت قاعد هناك
تأمل المكان طويلًا ثم قال وهو يقطّب حاجبيه
- مجتش هنا قبل كده
نظرت له في حيرةٍ
- يعني إنت إيه بالضبط؟!
ردّ بإحباطٍ ظاهر
- مش عارف .. أنا نفسي مش عارف ومش فاكر حاجة خالص، بس أكيد الراجل اللي شبهى مش شبهى من فراغ
نظرت له بحيرة وهي لا تفهم ما يقوله، فقال بنبرةٍ فيها رجاء
- حاولي تيجي هنا كتير .. يمكن تشوفيه تاني
هزّت رأسها بتردد، طلبت لهما الطعام، وبدأا يتناولانه في صمتٍ حتى قالت (نغم) بابتسامةٍ خفيفة
- ها، كمّل بقى .. (خع) شرب السم، قتلت ابو حبيبتك؟
ابتسم هو ابتسامةً جانبية وهو يردّ عليها، ثم تغيّر صوته فجأة، وكأن الزمن قد انكمش من حوله وهو يروي كأنه عاد بالزمن آلاف السنوات
نظر (خع) لي في ترددٍ وظلّ يشرب جميع المشروبات، حتى جاء الكوب الذي فيه السم، فأوقعه من يده، لألتسم ابتسامة ساخرة واقول
- لقد قمت بخيانتي، ومن يتعمد خيانتي ستكون تلك نهايته ..
ثم تابعت حديثي لأقوم بإيضاح قصدي تمامًا
- من العجيب يا (خع) أنك شربت كل تلك الأكواب .. إلا ذاك الكوب تحديدًا، لقد أسقطتَه عن عمد
ارتجف جسده، وتلعثمت الكلمات على لسانه
- لَـ .. لا يا سيّدي، لقد .. سقط من يدي
حدّقتُ فيه طويلًا، نظرةٌ تكفي لأن تهزّ قلب أشجع رجلٍ
- إن لم تكن قد أسقطته متعمِّدًا .. فكيف أفلت بهذه السهولة؟
شدّ (خع) قامته، محاولًا التماسك
- بل فُلت من يدي يا سيدي
لم أُحوّل نظري عنه، ثم التفتُّ إلى الحراس، وقلت بحدةٍ جعلت الهواء يضطرب
- اجعلوه يشربه من الأرض .. بلسانه
شهق (خع)، واتسعت عيناه كأن صاعقة ضربته وقبل أن يتحدث، قاطعتُه بنبرةٍ زلزلت القاعة
- ألم تسمعوا أمري؟!
تحرك الحراس بلا تردد، أمسكوا به، وجثّموه أرضًا، حاول المقاومة، ولكن قبل أن يلعق الشراب بلسانه تذكرت وجهها المشرق، تذكرت انها هي من أنقذت حياتي فكيف لي أن اقتل والدها؟!
وكيف لي ان اتركه دون عقاب رادع على خيانته لي وللحكم؟!
ولكني لم اهتم سوا بعينيها التي وقعت بهما أسيرًا، لذا ورغم مخالفة القواعد إلا أني أمرت بحبسه مدى الحياة، لا استطيع أن ارد ثقتها بي بقتل والدها ..
بعد الحادثة مباشرة أمرتُ الحراس أن يبحثوا عنها، ظلّوا شهرًا كاملًا يجوبون المدن والقرى دون أثر لها كانت تختبئ خوفًا مني لأنها ابنة الرجل الذي خانني،
وقد عشتُ حينها في عذاب لا يُطاق في بعادها إلى أن بلغني أنها تقيم عند إحدى صديقاتها، أمرت بإحضار تلك الصديقة إلى القصر الملكي، دخلت عليّ وهي ترتجف كعصفورٍ حوصر في عاصفة، فلطّفتُ ملامحي حتى لا أزيد خوفها وقلت
- أين هي (تي نا)؟
ترددت الفتاة، وارتعشت شفتاها
- لا .. لا أعلم يا مولاي
قلت لها بصوتٍ هادئ يجبر القلب على الطمأنينة
- لن أؤذيها، لقد أنقذت حياتي، وكيف لمن أنقذني أن أجازيه بالأذى؟ كل ما أريده أن أتزوج بها
فتحت الفتاة فمها بدهشةٍ عميقة، فقد سمعت شيئًا مستحيلًا
- مـ .. ماذا؟ تتزوجها؟
أومأت بثبات، تنفست الفتاة بعمق وكأن ثقلاً انزاح عن كتفيها، ثم قالت بخفوت
- إنها في مملكة (...)، قمت بتهريبها إلى هناك قبل أن يأتي الحراس بحثًا عنها
أمرتُ مجموعة من الحراس بالرحيل فورًا لإحضار (تي نا)، وأمرتُ آخرين أن يعيدوا الفتاة إلى منزلها مع كثيرٍ من الهدايا لتطمئن، رحل حراسي وغرق القصر في الصمت حتى مرّ شهر ثم الثاني، وأنا بين القلق والحيرة والخوف من أن أكون قد فقدتها إلى الأبد ..
إلى أن جاء ذلك اليوم حين فُتح باب القاعة، ودخل الحراس
تنهّدت (نغم) بدهشةٍ قائلةً بعد أن قاطعت ذكرياته صوت هاتفها، نظرت إلى الشاشة وقالت
- أوه .. دي مامي
ابتسم ابتسامةً خفيفة وقال ممازحًا
- طب ردي يا آنسة مامي
ردّت سريعًا
- أيوه يا مامي، أنا كنت بتغدى بره .. معلش اتأخرت في الشغل .. خلاص، خلاص، جاية حالًا
ثم أغلقت الهاتف، ونظرت إليه معتذرة
- معلش، مضطرة أمشي
قال بابتسامةٍ دافئة رغم الحزن في عينيه
- أوك .. ولا يهمك
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي ..
قرر (حازم) أن يذهب مع صديقه (وائل) إلى المطعم الذي قابل فيه تلك الفتاة فنادى على النادل كي يسأله إن كان يعرف تلك الفتاة، اقترب النادل منهم، وهو يحمل دفتر الطلبات في يده، بينما كانت ملامح (حازم) نظر إليه وسأله عن فتاة رأها منذ يومان هنا ترتدي ملابس واسعة ومحجبة بشرتها بيضاء وعينيها خضراء، توقّف النادل قليلًا، يطالع وجه (حازم) باندهاش كيف له أن يسأل عنها، لكن بالنهاية قال وهو ينظر له بريبة
- أيوه! دي كانت قاعدة مع حضرتك هنا امبارح .. وقت المغرب تقريبًا
قالها وهو يشير بيده إلى منضدة في آخر القاعة، قريبة من الزجاج المطلّ على الشارع، التفت (حازم) في اللحظة ذاتها نحو الاتجاه الذي أشار إليه النادل، فاتسعت عيناه بدهشةٍ حقيقية كأن صدمةً كهربائية سرت في جسده، تجمّدت ملامحه لثوانٍ، ثم نظر ببطءٍ إلى (وائل) الذي كان يُحدّقه في صمتٍ ذاهل، وكأن السؤال نفسه يدور في عقليهما معًا
هل يعقل ما سمعاه للتو؟
يتبع
