رواية جديدة ذكريات ضائعة لعلا السعدني - الفصل 3 - السبت 8/11/2025

 

قراءة رواية ذكريات ضائعة كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية  ذكريات ضائعة

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة علا السعدني 

الفصل الثالث

تم النشر السبت 

8/11/2025


لم تدرِ (نغم) أهي تحلم أم تعيش كابوسًا عبثيًّا، ظلّت تحدّق في وجهه مطوّلًا دون أن تنطق ببنت شفاة، اتسعت عينيها وفُتح فمها ببلاهة ثم انفجرت في ضحكٍ هستيريّ، التفتت حولها بقلقٍ كمن تبحث عن شيءٍ في أرجاء يخبرها بأن ذلك العبث ليس حقيقي، قبل أن تقول بنبرٍة خائفة ولكنها جاهدت بإقناع نفسها بأن كل هذا مجرد خدعة 

- فين الكاميرا بقى؟


رمقها الشاب بنظرة حيرة، ارتفع حاجباه، وخرج صوته متردّدًا لا يفهم ما تقول

- كاميرا إيه؟


ضحكت بارتباكٍ أكبر وقالت

- مش ده برنامج الكاميرا الخفية؟


تأمّلها لحظة وقد بدا على وجهه خليط من الدهشة وعلامات الأستفهام، ثم قال بنبرة جادّة لم تفهمها

- إيه اللي انتي بتقوليه ده؟


توارى الضحك عن وجهها ببطء، وبدأت ملامح الخوف تتسلّل إلى عينيها وهي تقول بصوتٍ مرتجف

- انت مين بجد؟


اقترب خطوةً منها، وصوته هذه المرة أكثر ثباتًا

- يا سِتّي أنا (إيمحور) .. ومش بكدب عليكي


اتّسعت عيناها أكثر، وبدت كمن تُصغي إلى ترهاتٍ لا تُعقَل، تمتمت بدهشة

- إنت فاكرني هصدّق الهبل ده؟ واللبس اللي انت لابسه! أنا آه كنت فاقدة الوعي ومش قادرة أتحرك، بس بيتهيألي شفتك بتسوق عربية .. إيه ده؟! الفراعنة وصلوا للعربيات وإحنا ماخدناش خبر؟! وكمان كلامك لغتك بتتكلم ازاي زينا


رفع يده محاولًا تهدئتها، وقال بنبرة صادقة 

- استني .. هفهمك، بس صدّقيني، مش بكدب


نظرت إليه مذهولة، ليخفق قلبها بعنفٍ، ويتخبط عقلها في سيلٍ من الأسئلة التي لا حصر لها، تمتمت بنبرةٍ لا تخلو من السخرية والخوف معًا

- طب لسه عايش إزاي؟ على الأقل انت مين من ٥٠٠٠ سنة .. طب لو مش دي الكاميرا الخفية، مش يمكن تكون (رامز جلال) ومركّب mask في وشّك؟


نظر إليها بعدم فهمٍ واضح، ملامحه ازدادت حيرةً وقال بنبرةٍ شبه منزعجة

- (رامز جلال) مين يا بنتي؟ افهمي بقى، متتّعبيش قلبي!

❈-❈-❈

في تلك اللحظة، خرج (هيثم) من حمّام السباحة تتساقط قطرات الماء من جسده الرياضي بانسياب على عضلاته، بينما كان أنفاسه تتلاحق من شدّة المجهود الذي يبذله، كان المساء قد بدأ ينسدل على الأفق، لأنه أصر على الإكثار من التدريب من أجل تلك البطولة التي يريدها، حُلم ولكن لن يصعب تحقيقه، استمع إلى حديث مدربه الذي طلب منه أن يكف عن التمرين، رغم أنه مازال يريد أن يتمرن أكثر واكثر، ليرمقه المدرب بنظرة إعجاب لم يستطع إخفاءها، وقال بابتسامة حانية

- إن شاء الله يا بطل، هتفوز وترفع راسنا كلنا، بس بص حواليك .. العشاء أذّنت، وإنت قاعد في الميّة من الصبح! خد بالك من نفسك، التمرين مهم، بس الراحة جزء منه، متستنفذش كل طاقتك وانت لسه في بداية المشوار


ظلّ (هيثم) صامتًا لبرهة، تنفّس بعمق، ثم أومأ برأسه في استسلام، يعلم جيدًا أن مدربه على صواب، رفع نظراته نحوه بابتسامة تعب خفيفة وقال بصوت متعب

- تمام يا كابتن .. بس المرة الجاية هزوّدها شويّة، اتفقنا؟


ضحك المدرب وهو يربّت على كتفه قائلاً

- تزود ايه بس!! .. المهم اهتم بصحتك دلوقتي وباكلك كويس

❈-❈-❈

كانت (نغم) ما تزال تحدّق في وجه ذلك الشاب بذهول، عقلها يعجز عن استيعاب ما تسمعه منه، ثم انفجرت قائلة بانفعال

- يعنى انت (إيمحور)!! ازاااى؟! ده مات وشبع موت، هتجنّني انت؟!


قال الشاب بثباتٍ غريب وعيناه لا ترمش لهما جفن

- أنا معرفش غير إنّي (إيمحور)


نظرت إليه بعدم تصديق، وعيناها تمتلئان بالشكّ

- طب واللغة بتاعتنا اتعلّمتها ازاي؟


لم يجيب، بل اتجه نحو مكتبةٍ كبيرة في زاوية الغرفة، وسحب منها كتابًا عتيق الشكل، أوراقه مصفرّة، لكن ملمسه بدا حديثًا، عاد به إليها وقال بهدوءٍ لافت

- بصّي كده


فتحت (نغم) الكتاب بتردّد، قرأت بصوتٍ منخفض وهي تُقلّب الصفحات

- (تعليم الهيروغليفية للمصرية)؟!


هزّ رأسه بالإيجاب

- بالظبط، لقيته هنا في المكان ده، وأنا دايمًا باجي هنا


رمقته بدهشة، والكتاب بين يديها 

- وانت لاحقت تتعلّم كل ده؟


ابتسم بفخرٍ وقال

- إحنا بنتعلّم كل حاجة بسرعة


تأمّلت الورق قليلًا وقالت متعجبة خائفة

- أنتم مين؟! .. بس شكل الورق مش قديم


ردّ بتفكيرٍ متردّد

- يمكن واحد هو اللي كاتبه


نظرت إليه بعدم فهم

- طب وسواقة العربية؟


ابتسم بهدوء وقال

- في هنا أفلام كتير، اتفرجت وشوفتكوا بتسوقوها إزاي


ضحكت بسخريةٍ وهى ترفع إحدى حاجبيها

- بالسّهولة دي؟! انت مجنون! فاكرني هصدق العته اللي بتقوله ده


قال بثقةٍ غريبة

- عاوزة تصدقي أو متصدقيش شئ يرجعلك


رمقته نظرة طويلة، ثم سألت بفضولٍ جادّ

- طب بقالك هنا قد إيه؟


هزّ رأسه نافيًا

- مش فاكر


زفرت (نغم) بملل

- طب واشمعنا أنا اللي طلعتلي دونن عن ال ١٢٠ مليون اللي في مصر؟


رمقها بضيقٍ واضح

- إيه طلعتلك دي؟ أنا مش عفريت، أنا بني آدم زيكوا


ازدردت ريقها بصعوبة وهي تتفحصه وتتأمله ثم قالت وهي تعقد ذراعيها

- ماشي يا أستاذ بني آدم .. جيتلي أنا ليه؟


اقترب منها قليلًا وقال بنبرةٍ حادة

- عشان انتي عمالة تسوئي سمعتي في الأفلام بتاعتك دي!


رمقته بدهشة

- مش فاهمة!


قال بغضبٍ وهو ينظر في كلتا عينيها

- أولًا، الأفلام اللي بتعمليها دي كلها غلط في غلط!


ضحكت باستهزاء وقالت

- انت هتلعب في التاريخ كمان؟


قال بحِدّةٍ أكبر، وارتفع صوته شيئًا فشيئًا

- لا، انتوا اللي بتغيّروا التاريخ! أيوه، التماثيل اللي لقيتوها بتاعتي


حدّقت به طويلًا، ثم قالت متردّدة

- يمكن العيون شبهك، عشان انت راسمهم بالكحل، بس باقِي الشكل .. مش عارفة، اللي بتحكيه ده مش ممكن يحصل حتى في الخيال


هزّ كتفيه بلا مبالاة

- طول مانا موجود قدامك متقدريش تنكري وجودي .. وبعدين عشان لبسي كمان مختلف


- أممم، طب كمل


نظر في عينيها وقال بثقة

- التماثيل حقيقية، بس البرديات والكلام اللي مكتوب مش حقيقي، أنا لما حكمت مصر، كان في رخاء وخير، مكنتش بقتل ولا بتجوز كل شوية زي ما بتقولوا


نظرت له بحدةٍ واستهزاء

- بس البرديات بتقول كده


هزّ رأسه نافيًا بعناد

- مش دي الأصلية


رمقته بعدم اقتناع، وقالت

- انت هتجنّني يا جدع انت! طب بص، لو فعلاً طلعتلي البرديات الأصلية، وورتها لحد متخصص وأكد إنها حقيقية، ساعتها أعمل فيلم تاني وعد مني واصلح صورتك اللي شوهتك


نظر إليها بعجزٍ وقال

- المشكلة إني مش عارف هي فين


رفعت حاجبيها بدهشة

- ازاااي؟ انت جاي عشان تجنني


قال بصوتٍ صادقٍ فيه ارتباك

- معرفش، مش عارف هي فين


نهضت من مكانها وهي ترمقه بنظرة طويلة، ثم قالت ساخرة

- انت خارج من مستشفى المجانين؟ اعترف بالحقيقة على الاقل


صرخ بغضبٍ مكبوت

- برده هنرجع للغلط! أنا مش فاكر غير إني (إيمحور) وبس!


سألته باندهاش

- طب والمفتاح اللي معاك بتاع إيه؟


أخفض بصره وقال بصوتٍ خافت

- مش عارف برده ..


قالت غاضبة

- أمال إيه؟ خلي بالك منه ومتدّهوش لحد


تنهد قليلًا ثم أشار نحو المكتب

- المفتاح ده كان في درج المكتب ده، وكان محطوط في ظرف مكتوب عليه مهم، وبين قوسين (إيمحور) أنا مش باجي المكتب طول الوقت، خفت حد يعرف المكان


نظرت له بتوجس

- طب واشمعنا أنا؟


قال بثقةٍ ناعمة

- عشان أنا ناوي إنك تساعديني، انتي اللي بتعملي الأفلام عني


تراجعت بخطوة للخلف وقالت بغيظ

- ده إيه الواقعة دي يااااربي!


قال بنبرة بها ترجي

- هتساعديني، مش كده؟


تنهدت وقالت بضيقٍ واضح

- اساعدك إزاي وانت مش عارف تساعد نفسك؟! انت مش عارف حتى المكتب ده بتاع مين!


قال برجاءٍ صادق

- مانتي هتدوري معايا، لحد ما نلاقي البرديات الأصلية


ضحكت بسخرية

- ندور في مصر كلها؟! انت أكيد مجنووون


قال غاضبًا

- خلاص، دوري معايا على صاحب المكتب ده على الأقل


قالت بارتباك

- وده أعرفه منين؟


- عاوزك تيجي تدوري معايا بنفسك


زفرت بملل

- طب ما تقعد انت هنا لحد ما هو ييجي


قال بتوترٍ غريب

- أنا بنام كتير، ممكن ييجي وأنا نايم


رفعت حاجبها وهمست لنفسها

- ده مجنون رسمي


ثم تابعت بصوتٍ عالٍ محاولة إنهاء الحديث

- تمام، أوووك، ممكن تسمحلي أمشي؟


أخرج من جيبه مفتاحًا، ومدّه نحوها قائلًا

- اتفضلي .. خدي ده، مفتاح المكتب، عشان لما تيجي تعرفي تفتحي لو أنا مش موجود


أخذت المفتاح بيدٍ مرتجفة، واجابته بفتور بالموافقة ..

❈-❈-❈

بينما كان (هيثم) منشغلاً في غرفته، يمارس تمارين رياضية لتقوية عضلاته، دخلت عليه (نيرة) فجاءة وهي تراه يتمرن هكذا طالما استعجبت من كثرة تكريمه سواء كسلاح أو في المنزل، تعلم عشقه للرياضة لكن لا تستوعب ذلك الحب، ابتسم وهو يرفع رأسه عن الدمبلز، لتنظر له بهدوء وهي تقول

- تعالى نتعشى أنا جعانة موت


هز (هيثم) كتفيه برفض مصطنع، وعيناه مثبتة عليها ليقول لأغاظتها

- لأ، مش هاكل إلا لما نانا تيجي


ارتسم الحزن على وجه (نيرة)، وقالت بإنفعال

- كده يا (هيثم)، انت بتعمل كل حاجة عشان خاطر نانا، ونونو ما لهاش أي خاطر عندك؟


ابتسم هيثم ابتسامة عابثة، ويده ترتخي على الدمبلز، وقال 

- طب مانتي اللى مفجوعة ومش قادرة تستحملي لما اختك تيجي


لوحت بيدها وهما لتخرج من الغرفة وهي تقول

- ماشي، ماشي، خليك فاكر، أنا مخصماك!


ضحك (هيثم) ضحكة طويلة، وهو يراقبها بعينينه 

- مش فاهم، العبيط، خطيبك خطبك على إيه؟


أجابت (نيرة) بهيام، ووجهها يشع بالحب

- بيحبني وبحبه


هز رأسه بيأس من أمرها، وقال

- عبط، واتلمّوا مع بعض!


صرخت (نيرة) بحدة

- متقولش على (حسام) كده!


ابتسم بخبث، وقال

- طب اشتمك، انتي عادي


نظرت له نظرة استنكاري وهي تعقد يدها عند صدرها، وضع يده على كتفها بلطف، وقال

- تعالى يا هبلة، مقدرش أرفضلك، هقعد أنقنق معاكي لحد ما نانا تيجي، هتعشوني مرتين وهتخلوا لياقتي البدنية تبوظ خالص!


نظرت له باستهزاء، وقالت

- انت صدقت انك سباح ورياضي!


نظر لها (هيثم) بعينين غاضبتين، ثم ابتعد قليلاً ليخرج من الغرفة، وقال بنبرة مغتاظة

- قدامي قدامي عشان ناكل!


ضحكت ضحكة قصيرة، كانا في المطبخ يحضر لها العشاء كي يأكلوا سويًا حتى دخلت (نغم)، فرأت (هيثم) يحضر العشاء بنفسه وشقيقتها جالسة على مائدة المطبخ وهي تتابعه بعينيها، فقالت باندهاش

- الباشا نفسه بيحضر لينا العشا!


ابتسم لها (هيثم) بعفوية، ثم قالت (نيرة) مازحة

- أهو، هناكل كلنا سوا، مش هتتعشا مرتين، هتحافظ على لياقتك البدنية


نظر لهما بغيظ، وذم فمه كالأطفال

- يا خسارة، كنت سستمّت نفسي أتعشى مرتين


ضحكت (نيرة)، وقالت

- قال لايقة بدنية قال، هتبقى الأخير في البطولة!


فرمقها بعينين حادتين، وفي تلك اللحظة اقتربت (نغم) من (هيثم) وهمست

- لا ثومي، حبيبي، هيفوز وهيجبلي الميدالية الذهبية عشان أبيعها في السوق السودا


ألقى نحوهما نظرةً حانقة تكاد تفضح ما في صدره من غيظ

- غوروا من وشي، ده لو الواحد معنوياته مرفوعة تحبطوه!


ضحكت معًا ثم خرجوا بالخارج وجلسوا جميعًا يتناولون العشاء، بعد ذلك ذهبت (نغم) لتحضر اكواب الشاي، ثم أخذته داخل الشرفة ووقفت عند السور، تفكر في ذلك الشخص الذي يدّعي أنه (إيمحور) وظلت تفكر بداخل نفسها تتمنى لو تقص على شقيقها ذلك الذي حدث، ولكنه سيمنعها من مقابلته، وهي قد أصابها الفضول تجاه شخصه، في تلك اللحظة دخل (هيثم) فجأة، ووضع يده برفق على كتفها

- مخبية عني إيه يا نانا؟


نظرت له بدهشة فهو دومًا يفهمها دون أن تتحدث حتى بتحبيه بتلعثم

- إيه اللي بتقوله ده يا (هيثم)؟ أنا مستحيل أخبي عليك حاجة!


نظر إليها كي يطمئنها، وقال

- احكيلي يا نانا، متخليش حاجة، انا شايف أن في حاجة شغالاكي من ساعة ما جيتي، ده غير إني بعرف أقرأ ملامح وشك كويس جدًا


خفضت (نغم) عينيها للأسفل، وقالت بصوت خافت

- مانا لو قولتلك، هتزعق فيا، بس عندي فضول أعرف فيه إيه؟!


نظر لها مستغربًا

- إيه ده؟ بتحبي يا بنت من ورايا؟


ابتلعت ريقها، وقالت بتوتر

- حب إيه بس، نفسي أفهم، أصل الموضوع غريب بمعنى الغريب


قال لها وهو لا يفهم من حديثها شئ

- دى حذورة؟! ما تنطقي


أومأت (نغم) برأسها، وبدأت تسرد له كل ما حدث معها، وكيف قابلت ذلك الشخص الغريب، وكيف أعطاها المفتاح، وكيف أخذته منه، وما حدث بينهم منذ قليل، فظل يتأملها وهو صامت لم يعلق وفجاءة طلب منها أن تريه ذلك المفتاح، فذهبت إلى غرفتها لتأخذ المفتاح من حقيبتها ثم عادت به إلى (هيثم) وردت كف يدها الذي يحتوى المفتاح، نظر وظل متأملاً المفتاح للحظات، ثم قال

- طب ما يمكن مفتاح حاجة تخصك يا نانا؟ انا شايف أن اعصابك تعبانة من كتر الشغل ومن كتر بحثك وقرأتك الكتير في التاريخ ابتدا يجيلك هلاوس


رمقته بعينيها وهي لا تصدق أنه لم يصدق أي كلمة من حديثها بل ويتهمها بالجنون أيضًا، فشعرت بالضيق وقالت

- انا مش مجنونة يا (هيثم) وانا غلطانة اني حكيت ليك من اصله


شعر وقتها أنه سيفقد ثقتها ولن تقص له أي شئ بخصوص ذلك الأمر الغريب، قرر بينه وبين نفسه أن يجعل طبيبًا نفسيًا يراها وسيقنعها بذلك في القريب وربما ضغط العمل هو من فعل ذلك بها، ربما هي بحاجة لبعض الراحة ليس إلا إذا قال بهدوء 

- طب ناوية على ايه؟!


نظرت إلى الأمام وهي شاردة وقالت

- أنا وعدته أنى هساعده، لازم اساعده


شعر (هيثم) بالضيق بسبب أفكارها الغريبة تلك، ولكنه حاول أن يكون أمامها هادئًا وهو يقول

- طب لما تقابليه تاني او يكلمك لازم تبلغيني، تمام؟!


تنهدت وهي تنظر أمامها وقالت

- حااااضر

❈-❈-❈

جلست بجانب (عفت) في غرفة المعيشة، عينيها مليئتان بالحزن والقلق، وهي تحاول استيعاب لما لا يحدثها مادام قد آفاق من غيبوبته فقد اشتاقت إليه كثيرًا، إليست هي خطيبته ومن حقها أن يحدثها فقد مر أكثر من شهر وهي لا تعلم عنه أي شئ منذ أن سافر إلى فرنسا، تنهدت بمرارة، وهي تحدث والدته في محاولة منها أن تفهم لما لا يجيب على اتصالاتها 

- يا طنط .. ده طول الوقت قافل تليفونه .. أوصله ازاي؟ طيب أنا مش خطيبته، وليا عليه حقوق يعني؟


شعرت (عفت) بالحيرة والقلق معًا، لكنها حاولت أن تمنحها طمأنينة

- هو مش فاكر حاجة ومحتاج رعاية .. صدقيني انا قلقانة عليه جدًا .. بس في نفس الوقت مطمنة أن (وائل) معاه


توسلت لها بنبرة متلهفة

- طب ما تكلمي (وائل) يا طنط .. يطمنا عليه


ابتسمت (عفت) ابتسامة حزينة، محاوِلة تهدئة قلبها

- يا (شيرين) .. متخافيش .. أنا بكلم (وائل) وبطمن منه على (حازم) 


نظرت (شيرين) إليها بعينين مليئتين بالاستفهام والحيرة

- طب .. (حازم) بيكلمك يا طنط؟ لو بيكلمك كلميهولي وحشني صوته اووووي


هزّت (عفت) رأسها بهدوء، في محاولة منها لتشرح لها بصبر 

- يا بنتي .. صدقيني مش بكلمه حالته الصحية لسه متسمحش أنه يكلم حد


دمعت عينيها دون أن تتحدث فتنهدت (عفت) بحزن، واضعة يدها على كتفها في حنان في محاولة منها أن تهون عليها فراق ابنها الذي يعتصر قلبها شوقًا له ..

❈-❈-❈

في شقة هادئة بفرنسا، كان منشغلاً بتعبئة حقيبته، يلتقط كل قطعة ملابس مطوية ويضعها بداخل الحقيبة، بينما كانت والدته تراقبه من خلفه، وهي تشعر بالحزن لعودة ابنها إلى القاهرة مرة آخرى، كانت لا تريده أن يعود وان يستمر معها هي ووالده بفرنسا ولكنه دومًا يسبب لها قلق بابتعاده عنهم، لأنه قرر أن يستقر في مصر منذ سنوات، ولا يعبئ بشئ اخر غير عمله فقالت بصوت مليء بالحزن

- هترجع مصر يا (وائل)؟


رفع رأسه، وتحدث بهدوء

- لازم يا ماما .. انتي عارفة إننا كنا جايين هنا للشغل والمفروض الشغل خلص من بدري


تقدمت والدته خطوة، وسألته باهتمام

- طب ومحدش هيسأل عن (حازم)، وإنه مرجعش معاك؟


تنهد (وائل) بضيق، ثم قال بهدوء

- طب اعمل ايه يا ماما .. دلوقتي لو غبنا أكتر من كده هيبقى فى شك .. لازم حد فينا يبقى فى مصر ويكمل شغل التاني


شعرت بغرابة أنه سيترك صديقه هكذا بمفرده في المشفى ولا أحد من عائلته معه فسأبته

- طب و(حازم)؟


ابتلع ضيقه، ولمعت عينيه بالحزن

- مش هسيبه طبعًا يا ماما .. وإن شاء الله قريب هيبقى معايا


أومأت والدته بتنهيدة، متمنية له التوفيق

- ربنا يوفقكم يا بني .. بس هتقول ايه لما ترجع ل(عفت)؟


شرد بعيدًا وهو يفكر في الأمر

- مش عارف يا ماما .. مش عارف 


استفهمت منه والدته 

- طب لو اتصلت بيا وطلبت تكلم (حازم)؟ اعمل ايه انا؟!


أجاب (وائل) بصوت هادئ

- كده كده هو بيخضع لعلاج نفسي يا أمي .. وممنوع حد يكلمه دلوقتي .. لأنه اصلًا (حازم) بقى لسانه تقيل في الكلام، فيدوبك بيرد على الدكاترة بالعافية


تنهدت والدته بحزن، ودموعها تكاد تلمع

- ربنا يشفيه يااارب


أخذ (وائل) حقيبته ببطء، وشعور بالأختناق يملئ صدره، لكنه عانق والدته ثم دلف إلى مكتب والده وودعه هو الآخر وبعدها تركهم وذهب خارجًا مستقلًا إحدى سيارات الأجرة واتجه نحو المطار وفي الطريق، اخذ يفكر فيما عليه أن يفعل وماهي الخطوة التالية، فهكذا دومًا (حازم) يرهقه سواء كان بكامل صحته أو مريضًا لن يتغير صديق طفولته، أخذ نفسًا عميقًا، محاولاً السيطرة على إحساسه بالقلق، وقرر أن يصعد للطائرة بعد أن أنهى كل إجراءات السفر، جلس بالقرب من الشباك وظل يحدث نفسه

- ياا ترى بتعمل ايه (رؤوف) وهببت ايه فى غيابنا قلبي مش مستريح للبنى آدم ده ابدًا 

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة علا السعدني، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل