رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الخاتمة 2 - جـ 2 - الأحد 5/10/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الخاتمة 2

الحزء الثاني 

تم النشر الأحد

5/10/2025


مسح على شعرها بحنان وهمس بصوتٍ دافئ

_ أنا عارف يا قلب أكمل عارف إن قلبك أبيض ومبيعرفش يشيل طلعي كل اللي جواكي أنا جنبك ومعاكي، وعمري ما هسيبك.

ظل يضمها ويهدهدها حتى هدأت شهقاتها تدريجياً وشعرت بالأمان يغمرها مرة أخرى في حضن الرجل الذي أصبح هو عائلتها ووطنها وملاذها الوحيد.


❈-❈-❈


كانت نغم تجلس على حافة الكرسي في عيادة الدكتورة زينة، تفرك يديها بتوتر واضح. 

بجانبها كان جاسر يجلس بهدوء وثقة، يمسك يدها بين يديه يضغط عليها برفق بين الحين والآخر كأنه يمدها بالقوة.

خرجت زينة من غرفة الفحص وعلى وجهها ابتسامة واسعة نظرت إليهما وقالت بمرح

_ مبروك يا جماعة التاريخ يعيد نفسه.


عقدت نغم حاجبيها بعدم فهم بينما ابتسم جاسر كأنه توقع الخبر.

_ يعني إيه يا زينة؟

_ يعني مبروك حامل.

وللمرة التانية ما شاء الله توأم.


شعرت نغم بأن الأرض تدور بها واتسعت عيناها بصدمة حقيقية ووضعت يدها على فمها.

_ تاني؟!

خرجت الكلمة منها كأنها صرخة مكتومة. 

_ توأم تاني؟ يا خبر أبيض!

انفجر جاسر في ضحكة قوية وصادقة ثم سحبها إليه واحتضنها بقوة وهو لا يزال يضحك.

_ مالك يا حبيبتي؟ محسساني إنك تعبتي في تربية تميم ويامن

دا إنتي كنتي بتشرفي علينا من بعيد بس، وأنا وأمي وسامية اللي كنا شايلين الليلة كلها.

نكزته نغم في جانبه بغيظ وهي تخرج من حضنه.

_ أنا اللي كنت بشرف؟ طب ومين اللي كان بيسهر الليالي لما كانوا بيعيطوا سوا؟ ومين اللي كان بيغيرلهم وياكلهم بالليل؟

رفع جاسر يديه في استسلام مصطنع وهو يبتسم كي لا يخوض معها جدال لن يعود منه منتصرًا

_ خلاص خلاص حقك عليا

إنتي اللي عملتي كل حاجة بس قوليلي، مش فرحانة؟ البيت هيتملى علينا عزوة ورجالة.


نظرت إليه ورأت الفرحة الصادقة تلمع في عينيه، فابتسمت رغماً عنها.

_ فرحانة طبعاً بس... أربعة! هعمل فيهم إيه دول؟

ضحكت زينة وقالت

_ ربنا يباركلك فيهم ويقويكي، جاسر باشا لازم يجيبلك جيش يساعدك.


في طريق العودة بالسيارة، وبعد أن خفتت نشوة المفاجأة الأولى، حل الصمت. 

كان جاسر يقود بهدوء لكنه كان يختلس النظر كل بضع ثوانى إلى نغم التي كانت تنظر من النافذة شاردة، وملامحها تحمل ظلاً خفيفاً من القلق.


مد يده الكبيرة وأمسك يدها التي كانت تستقر على ساقها. 

لم تلتفت إليه لكنها شدت على يده.

_ بتفكري في إيه؟

سألها بصوتٍ هادئ وعميق.

تنهدت بخفة.

_ خايفة يا جاسر.

_ من إيه؟

_ من كل حاجة من الحمل تاني، وتعب الولادة والمسؤولية. 

تميم ويامن لسه صغيرين برضه ومحتاجين اهتمام، هييجوا اتنين كمان هقدر إزاي أقسم نفسي وقلبي واهتمامي على أربعة؟ خايفة أقصر مع حد فيهم.


أدار السيارة وأوقفها على جانب الطريق الهادئ ثم أدار جسده بالكامل ليواجهها، وأمسك وجهها بكلتا يديه، جاعلاً إياها تنظر في عينيه مباشرة.


_ بصيلي هنا يا نغم، أول مرة لما كنتي حامل في تميم ويامن، كنتي لوحدك؟

هزت رأسها بالنفي.


_ وأنا مكنتش جنبك خطوة بخطوة ولا سبتك لحظة أنا وأمي؟

هزت براسها أيضاً بالنفي.

_ يبقى إيه اللي اتغير المرة دي؟ أنا لسه جنبك وهفضل جنبك، وخوفي عليكي المرة دي أكبر من المرة اللي فاتت. 

مش هسيبك لحظة واحدة، من أول يوم لحد ما يقوموا بالسلامة ويجروا على رجليهم. 

وبعدين إنتي نسيتي حاجة مهمة.

عقدت حاجبيها باستفهام.

ابتسم بمكر.

_ إنتي بقى معاكي اتنين رجالة في البيت. 

تميم ويامن كبروا وبقوا يفهموا دول هيبقوا دراعك اليمين، هيساعدوكي ويشيلوا معاكي. 

هنبقى جيش كامل في وش الاتنين الجداد دول.


ضحكت رغماً عنها من طريقة كلامه، وشعرت بأن جبل القلق الذي كان على صدرها بدأ ينهار.

_ يعني أنت مش خايف؟

_ أنا بخاف من حاجة واحدة بس في الدنيا دي كلها يا نغم. 

بخاف عليكي إنتي أي حاجة تانية، طول ما إنتي بخير وفي حضني مقدور عليها. 

إحنا مع بعض ودي الكلمة اللي بتهد أي خوف.


انحنى وقبلها قبلة عميقة ومطمئنة، قبلة أزالت آخر ذرة من القلق في قلبها. 


حين ابتعد كانت عيناها تلمعان بالحب والامتنان لقد كان هذا هو جاسر، صخرتها التي تتكئ عليها، وحصنها الذي يحميها من كل مخاوف العالم حتى تلك التي تسكن داخلها.


❈-❈-❈


كان الليل قد انتصف، وسكنت كل الأصوات في منزل الجبل إلا من همس الريح الخفيف. 

أغلق جاسر باب غرفة التوأم الجديدين دانة وديما بهدوء تام بعد أن اطمأن أنهما غرقا في النوم، تماماً مثل أخويهما تميم ويامن في الغرفة المجاورة.


عندما دخل غرفتهما، وجد نغم واقفة في الشرفة، ترتدي ثوباً خفيفاً، وشعرها الطويل يداعبه نسيم الليل. 

كانت تنظر إلى القمر المكتمل الذي يلقي بضوئه الفضي على الحدائق الشاسعة.


اقترب منها بهدوء ولف ذراعيه القويتين حول خصرها من الخلف، مستنداً بذقنه على كتفها. 

لم تفزع بل مالت برأسها للخلف لتلامس وجهه كأنها كانت تشعر بوجوده قبل أن يصل.

_ سهرانة ليه يا ملكة قلبي؟

همس بصوته العميق الذي كان دائماً يذيبها.

تنهدت براحة وهي تغمض عينيها مستمتعة بقربه الذي أصبح إدمانها.

_ بفكر.

_ في إيه؟

_ فينا بفكر في أول مرة شوفتك فيها، كنت مرعوبة منك وببص لحالنا دلوقتي... أربع أولاد وبيت وحب. 

ساعات بحس إني بحلم، وخايفة أصحى.

أدارها برفق بين ذراعيه لتواجهه وأمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين، وعيناه تتأملانها بعشق لم يخفت بريقه يوماً.

_ ده مش حلم يا نغم دي حقيقتنا اللي بنيناها سوا. 

أنا اللي كنت عايش في كابوس وصحيت منه على صوتك إنتي. 

كنت راجل عايش عشان التار قلب قاسي زي الصخر، جيتي إنتي بلمسة واحدة وفتتّي الصخر ده وزرعتي مكانه ورد.

مرر إبهامه على شفتيها برقة.

_ كل يوم بصحى فيه وألاقيكي نايمة جنبي، بحس إني ملكت الدنيا وما فيها صوتك ضحكتك حتى عصبيتك وغيرتك... كل تفصيلة فيكي هي اللي بتخليني أتنفس.


تجمعت الدموع في عينيها ليس حزناً، بل من فرط السعادة التي تملأ قلبها.

_ وإنت يا جاسر... إنت الأمان اللي كنت فاكراه مستحيل كنت دايماً بحس إني ضعيفة، بس وجودك جنبي بيخليني أحس إني أقوى واحدة في الدنيا حبك هو الحصن بتاعي.

انحنى ببطء وقبّلها.

لم تكن قبلة عادية، بل كانت رحلة عبر الزمن.

كانت تحمل ذكرى الخوف الأول، وشراسة البدايات وحلاوة الاستسلام وعمق الحب الذي تجذر وتفرع ليصبح شجرة ضخمة تظلل حياتهما. 

كانت قبلة تحمل كل معاني "الوطن"، فكل منهما وجد في الآخر وطنه وملاذه الأبدي.

حين ابتعد، ظل جبينه ملتصقاً بجبينها، وأنفاسهما واحدة.

_ فاكرة لما قولتلك زمان إنك ملكي؟

همس وهو ينظر في عمق عينيها.

أومأت برأسها، وقلبها يخفق بشدة.


_ أنا اللي طلعت ملكك يا نغم قلبي، روحي اسمي، حياتي كلها... ملكك إنتي لوحدك.


لم تعد هناك حاجة للكلمات. 

في صمت الليل وتحت ضوء القمر، احتضنا بعضهما البعض قلبان وجدا نصفهما الآخر في خضم عاصفة، ليكتشفا أن الحب لم يكن مجرد نهاية سعيدة لقصتهما، بل كان هو البداية الحقيقية لكل شيء جميل في حياتهما، ولكل الأيام القادمة التي سيعيشانها معاً، إلى الأبد.


❈-❈-❈


كانت روح تقف أمام المرآة، تضع لمساتها الأخيرة وهي تشعر بمزيج من الحيرة والترقب. 

ارتدت فستاناً بسيطاً وأنيقاً بناءً على طلب مالك لكنها لم تكن تفهم سر هذه الرحلة المفاجئة.

_ طيب جولي رايحين فين؟


سألته للمرة الخامسة وهو يرتدي ساعته بهدوء.

_ مشوار مهم.


_ مهم لدرچة إنك مش عايز تجولي عليه؟ وكمان واخدين نور معانا! لو مشوار شغل كنت سبناها مع ماما أو مرات عمي.


اقترب منها ووضع يديه على كتفيها ونظر إلى انعكاسها في المرآة بابتسامة غامضة.

_ النهاردة بالذات لازم نور تكون معانا يالا بينا عشان منتأخرش.


استسلمت لحيرتها وحملت ابنتها التي كانت ترتدي ملابس جميلة كأنها ذاهبة إلى مناسبة سعيدة. 

استقلوا السيارة وطوال الطريق حاول مالك أن يتحدث في أمور عادية، لكن روح كانت تشعر بأن هناك شيئاً أعمق خلف هذا الهدوء.


سارت السيارة في طرقات تعرفها، حتى انحرفت نحو طريق مألوف جعل قلبها ينقبض طريق المقابر.


"هنزور بابا..." قالت لنفسها وشعرت بوخزة من العتاب لماذا لم يخبرها؟ كانت تود أن تستعد نفسياً لهذه الزيارة.


توقفت السيارة وساد صمت مهيب نزل مالك ودار حول السيارة ثم فتح لها الباب وبحركة حنونة أخذ منها الصغيرة نور وضمها إلى صدره.

_ انزلي يا حبيبتي.


نزلت روح بخطوات بطيئة والهواء البارد يلفح وجهها سارا جنباً إلى جنب بين القبور الصامتة، وروح تتساءل لماذا أصر على إحضار ابنتهما إلى هذا المكان.


توقفا أخيراً لكن ليس فقط أمام قبر والدها بل أمام القبر المجاور له... قبر عدي.


نظرت روح إلى شاهد القبر الذي يحمل اسمه ثم رفعت عينيها إلى مالك بنظرة عتاب صامتة وموجوعة. 

لقد فهمت الآن لقد أحضرها إلى هنا لتواجه الماضي الذي حاولت دفنه.


تحدث مالك بصوتٍ هادئ وحكيم كأنه يقرأ أفكارها.

_ جبل ما تجولي أي حاچة اسمعيني أنا خابر إن الموضوع صعب وخابر إن چرحك منه كان غويط بس هو دلوجت في مكان تاني يا روح... في دار الحج ومبجاش فاضل بينا وبينه غير الدعاء والسماح.


نظر إلى ابنته النائمة على صدره ثم نظر إليها.

_ بحلم بيه كتير، كل مرة بيچيلي في الحلم بحس إنه تعبان ومش مرتاح وفي كل مرة بحس إنه بيطلب منك تسامحيه، المسامحة مش عشانه هو وبس، المسامحة عشانك إنتي عشان جلبك ده ينضف من أي وچع جديم، وعشان تجدري تكملي حياتك صافية.


أغمضت روح عينيها بقوة كأنها تحاول أن تمنع طوفان الذكريات لكنه جاء بلا استئذان 

تذكرت يوم زفافهما وبروده القاتل تذكرت كلماته الجارحة وهو يعترف بحبه لنغم. 

تذكرت الليالي التي قضتها تبكي وحدها في غرفتها، تشعر بأنها منبوذة وغير مرغوب فيها، كان من الصعب أن تسامح كان الجرح أعمق من ذلك.


لكن... وسط كل هذا الألم، تسلل صوت آخر إلى عقلها صوت الحقيقة التي كانت تتجاهلها تذكرت أنه لم يختر ذلك، لقد أُجبر على هذا الزواج منها تذكرت أنه كان مخلصاً لحبه لنغم، وهذا في حد ذاته ليس خطيئة الحب لا يأتي بإرادتنا.


فتحت عينيها ونظرت إلى مالك، الرجل الذي أحبها لسنوات في صمت هي نفسها جربت الحب وتعرف جيداً أن من يحب لا يرى في الدنيا غير حبيبه

ذنب عدي الوحيد أنه أحب، تماماً مثلها لقد كان ضحية مثلما كانت هي ضحية.


تنهدت تنهيدة طويلة وعميقة كأنها تطلق سراح كل الألم الذي كانت تحبسه.


تقدمت خطوة نحو القبر ومالك يراقبها بقلبٍ قلق نظرت إلى شاهد القبر وبدأت تتحدث بصوتٍ خفيض، كأنها تكلمه هو مباشرة.


_ انجرحت منك أوي يا عدي عشان كسرتني وجرحتني كنت بحس إني قليلة، وإني معيوبة عشان رفضتني.


صمتت للحظة، ودمعة وحيدة هربت من عينها ومسحتها بسرعة.

_ بس النهاردة... أنا فهمت فهمت إنك كنت بتحب، واللي بيحب مبيشوفش غير اللي بيحبه أنت محبتنيش، وده مكنش بإيدك زي ما أنا حبيت مالك ومكنش بإيدي أنت كنت ضحية زيي بالظبط.


نظرت إلى السماء، ثم عادت بنظرها إلى القبر.

_ يمكن لو كنت عرفت الحجيجة دي من زمان، مكنتش زعلت منك يمكن كنت جدرت أشوفك ابن عمي وبس.


أخذت نفساً عميقاً، وقالت الكلمة التي جاءت من أجلها الكلمة التي حررتها هي قبل أن تحرره هو.

_ عشان اكده... أنا مسامحاك مسامحاك على كل وجع سببتهولي روح للي خلقك بجلب مرتاح الله يرحمك يا ابن عمي.


في تلك اللحظة شعرت بثقل هائل يُرفع عن صدرها شعرت بالسلام يغمر روحها لأول مرة منذ سنوات.

سلام لم تشعر به من قبل كانت كلماتها الأخيرة "الله يرحمك يا ابن عمي" بمثابة إغلاق نهائي لجرح قديم اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها وضمها إليه، شاعراً بالراحة التي غمرتها والتي انعكست عليه بدوره.


لكن بينما كان يقف هناك يواسيها ويشعر بانتصاره الهادئ غاص عقله للحظات في الماضي عاد إلى الوراء إلى يوم آخر حاسم يوم كان عليه أن يقاتل هو الآخر مع الأشباح والذكريات ليفوز بحبه.

فلاش باك...


لاحظ مالك أن والده لم يكن سعيداً بزواجه من روح وذلك كان واضحا عليه

لذا عندما وجده يجلس وحيداً في الحديقة أخذها فرصة وتقدم منه ليجلس معها وتحدث بتهذيب

_يابا ممكن اتحدت معاك في كلمتين؟

تطلع إليه سالم بعتاب محب

_وانت من ميتى بتستئذن في الكلام معاي يا مالك؟

تحدث مالك بهدوء وثبات رغم العاصفة التي كانت تدور في قلبه.

_ من وجت ما لاحظت عليك انك مش مبسوط لچوازتي من روح.


ساد صمت ثقيل وكأن سالم يحاول استيعاب حديثه

هو حقيقة لم يفرح لتلك الزيجة ليس عيب في روح فهي وأختها الأحب إلى قلبه لكنه ان يأخذ مكان أخيه بتلك السرعة.

لم يجب على الفور بل أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطء، كأنه يحاول شراء بعض الوقت ثم تحدث بحيرة

_لانه صعب يا مالك.


جاءت الكلمة كضربة موجعة

_ ليه صعب يا بوي؟ انا اتچوزتها بعد العدة ما خلصت والبنت لسة صغيرة ومينفعش تفضل أرملة طول عمرها.


نظر إليه سالم مباشرة نظرة تحمل ألماً وحكمة.

_ الصعب مش في العدة ولا في السن يا ابني الصعب فيك إنت... وفيها هي الصعب إنك هتكون مكان أخوك اللي مات


لاح الحزن بعينيه وتحدث بألم كان يجاهد لاخفاءه

_ كلنا خابرين إن روح كانت بتحب عدي وعارفين إنها متجوزتهوش غير عشان حبته كيف هتجدر تعيش معاها وإنت خابر إن جلبها كان لغيرك؟ كيف هتجدر تجرب منها، وكل ما تبصلها هتفتكر أخوك؟ هتفتكر إنها كانت مراته؟ هتفضل طول عمرك عايش في ظل أخوك يا مالك والجوازة دي مش هتكون سعيدة لا ليك ولا ليها.


كانت كلمات سالم منطقية وقاسية كالسياط لأنه لم يعرف شيء، ولم يعرف ان روح هي حبييته منذ الصغر لقد بنى سالم جداراً من المستحيل جداراً اسمه "عدي"

أدرك مالك في تلك اللحظة أنه لا يملك سوى حقيقة واحدة، حقيقة قاسية ومؤلمة لكنها المطرقة الوحيدة القادرة على تحطيم هذا الجدار.


أغمض عينيه للحظة كأنه يستجمع كل قوته ثم فتحهما وقال بصوتٍ أجش صوت رجل يوشك أن يفشي سراً ثقيلاً.

_ أنا آسف يا بوي... آسف على اللي هجوله وغصب عني إني أطلع سر اخوي بس لازم تعرف.


تطلع إليه سالم ونظر إليه بقلق فتابع مالك بثقل

_ عدي... الله يرحمه... ملمسش روح.


اتسعت عينا سالم بصدمة لا توصف

_ إنت... إنت بتجول إيه؟ يعني ايه ا ملمسهاش؟

تنهد مالك وتحدث بتعب

_ بجول الحجيجة يابا روح لسة بنت عدي رفضها يوم چوازهم وچرحها، لانه كان بيحب نغم محبهاش هي

وجدي هو اللي كان رافض چوازه من نغم

فضل يحب نغم لآخر يوم في عمره، وروح كانت مچرد واجب بيأديه جدام جدي.


كانت الصدمة قد ألجمت لسان سالم لم يكن يتخيل أن ابنه المتوفى قد فعل ذلك.


أكمل مالك بصوتٍ يملؤه الأسف على أخيه، والتصميم على مستقبله.

_ أنا لما جربت منها امبارح... اكتشفت الحجيجة دي عشان اكده بجولك، أنا مش هكون مكان أخويا لأني هدخل حياة روح وهي لسة صفحة بيضا محدش لمسها جبلي ظل أخويا مش موچود في حياتنا، لأن أخويا نفسه مرسمش الظل ده أصلاً أنا مش هاخد مرات أخويا... أنا هتجوز البنت اللي بحبها من وهي طفلة، واللي القدر كتب إنها تكون ليا أنا وبس.


لم يستطيع سالم استيعاب كل ذلك وهو يمرر يده على وجهه بصدمة وألم ألم على روح التي تحملت كل هذا الجرح وحدها، وألم على ابنه الذي مات وهو يحمل هذا السر.


نظر مالك إلى أبيه بأسف.

_ سامحني يا بوي مكنتش عايز أجرحه بعد موته، ولا كنت عايز أفتح جرح قديم بس إنت حكمت على جوازي بالفشل في اول يوم له وكان لازم أجولك الحجيجة اللي هتخليه ينجح.


باك


عاد مالك إلى الحاضر إلى جانب قبر أخيه وروحه تقف بجانبه لا تعرف شيئاً عن المعركة التي خاضها من أجلها. 

نظر إلى وجهها الصافي الذي غسلته دموع التسامح، وشعر بأنه مدين لأخيه بطريقة غريبة لقد كان سر عدي المؤلم هو نفسه مفتاح مالك للسعادة.


ضمها إليه بقوة أكبر وهو يهمس لنفسه


"الله يرحمك يا أخوي سامحني أنا كمان." 

لقد أخذ منه زوجته في الحياة، ثم أخذ منه سره بعد مماته ليبني به حياته، كان ديناً ثقيلاً لكنه كان على استعداد لحمله طوال عمره، مقابل أن تظل هذه المرأة بجانبه.



اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها، وضمها إليه نظرت إليه بامتنان، وابتسمت ابتسامة صافية خالية من أي حزن لقد أغلق لها اليوم آخر صفحة مؤلمة في كتاب ماضيها، وفتح أمامها صفحات بيضاء نقية، لتكتب فيها مستقبلاً جديداً معه ومع ابنتهما... نور.


تمت بحمد الله..


اقتباس صغير من الجزء الثاني 


خرجت من صخب المطار إلى ليل القاهرة الذي لا ينام ووقفت بجسد منهك تسحب خلفها حقيبة سفر تبدو أثقل من وزنها الفعلي كأنها تحمل بداخلها حكايات عالم بأكمله. 


كانت ملامحها الأوروبية الصارخة تجعلها كائنًا غريبًا في هذا المكان، شقرة شعرها متوهج تحت أضواء المطار الخافتة، وعيناها الزرقاوان تائهتان في زحام الوجوه والأصوات.


ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بجفاف حلقها رغم رطوبة الهواء 

كل شيء حولها كان غريبًا صاخبًا وحيًا بطريقة لم تعهدها

لم تكن هذه مصر التي رسمتها في خيالها بل كانت كيانًا عملاقًا يتنفس أمامها يثير في نفسها رهبة بقدر ما يثير فضولها.


صوتٌ خافت كصدى من الماضي همس في أذنها: 

"لا مكان لكِ هنا... عودي قبل أن يبتلعكِ هذا العالم" 

كان هذا صوت الخوف صوت الحذر الذي تعلمته بالطريقة الصعبة لكن صوتًا آخر أعمق وأكثر إصرارًا كان ينبع من قرار اتخذته قبل أن تطأ قدماها أرض الطائرة. 

صوت يذكرها بالثمن الذي دُفع لوجودها هنا.


لقد ضحى هو بكل شيء من أجلها دفع حياته ثمنًا لتكون هي حرة بعيدة عن تلك "البؤرة" التي كادت أن تلهتمها والآن العودة ليست خيارًا والأمان الوحيد يكمن في المضي قدمًا نحو المجهول، نحو هذا البلد الذي لم تعرفه إلا اسمًا، والذي يحمل مفتاح نجاتها... أو ربما هلاكها.

نجع التهامية....


ياترى مين البنت دي.

تمت

إلى حين نشر الرواية الجديدة للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



4 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل