رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 37 - جـ 2 - الخميس 18/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السابع والثلاثون

الحزء الثاني 

تم النشر الخميس  

18/9/2025

فتحت عينيها لتجد نسرين نائمة في وضع غير مريح على الأريكة. 

راقبتها للحظات ثم همست بصوت ضعيف.

_دكتورة نسرين.

فتحت نسرين عينيها على الفور واقتربت منها.

_ صحيتي؟ حاسة بإيه دلوقتي؟

نظرت صبر في عينيها مباشرة، وفي نظرتها امتنان عميق وصدق نقي.

_ أنا متشكرة جوي على كل اللي بتعمليه معايا.

صمتت للحظة، ثم أكملت بصوت مختنق بالدموع.

_ من يوم ما أمي ماتت وأنا صغيرة، محدش اهتم بيا إكدة. 

حسيت معاكي لأول مرة بحنية الأم اللي اتحرمت منها.

كانت الكلمات بسيطة، لكنها اخترقت كل دفاعات نسرين وكبريائها نظرت إلى هذه الفتاة البريئة، التي رغم كل ما عانته، لا تزال تحمل في قلبها كل هذا النقاء. 

شعرت بوخزة حادة من الذنب، وبموجة عارمة من الحنان تجتاحها. 


_ متقوليش كده أنتِ زي بنتي والمهم عندي دلوقتي إنك تقومي بالسلامة أنتِ واللي في بطنك.


منذ تلك اللحظة، لم تعد نسرين تتعامل معها كمريضة أو كزوجة ابن مفروضة عليها. 

لقد بدأت تحبها بصدق، وبدأت ترى فيها الابنة التي تزوجت وسافرت مع زوجها.


أما حسين، فكان يراقب كل هذا من بعيد. 

في المرة أو المرتين اللتين دخل فيهما الغرفة ليطمئن على زوجته، كانت صبر تبتسم له ابتسامة خجولة وممتنة. تحدث معها قليلاً، ووجد أمامه فتاة بسيطة، طيبة، وبريئة بشكل يكسر القلب. 

أدرك أنها لا تستحق كل هذا الرفض والقسوة، وأن ابنه، رغم تهوره، قد اختار فتاة تحمل جوهراً نادراً.


وهكذا، في غرفة المرض تلك، وبين أكياس المحاليل وأجهزة قياس الضغط، بدأت جدران الجليد تذوب، وبدأت عائلة أكمل تكتشف أن الفتاة التي جاءت من عالم مختلف تماماً عن عالمهم، هي التي كانت تحمل الدفء الذي كانوا يفتقدونه.


❈-❈-❈


عاد أكمل من عمله، لكنه لم يستطع العودة إلى المنزل مباشرة. 


قاد سيارته نحو العنوان الذي يعرفه لليان. 

وقف أسفل العمارة قلبه يخفق بقلق لم يكن يتذكر رقم الشقة، فتوجه إلى البواب الذي كان يجلس على كرسي خشبي قديم.


_ لو سمحت، هي شقة مدام ليان في أي دور؟


نظر إليه البواب بنظرة فاحصة، ثم قال بلهجة رتيبة

_ الست ليان رجعت لجوزها من أسبوع أكدة حتى الست صبر اللي كانت جاعدة معاها، بجالها برضه يومين مرجعتش.

أخرج أكمل من جيبه مبلغاً كبيراً من المال، ووضعه في يد البواب الذي اتسعت عيناه.

_ طيب متعرفش عنوان جوزها؟


نظر البواب إلى المال في يده ثم إلى وجه أكمل القلق وقال بصوت أكثر اهتماماً

_ خير يا بيه؟ في حاچة؟


رد أكمل بنفاذ صبر، محاولاً إخفاء قلقه

_ لا مفيش، بس عايزها في حاجة ضروري.


أملى البواب عليه العنوان بسرعة وانطلق أكمل بسيارته، يقود بسرعة جنونية، وكل سيناريو أسود يمكن أن يتخيله كان يدور في رأسه. 


وصل إلى العنوان بناية في حي هادئ. 

صعد إلى الطابق المحدد ووقف أمام الباب، يتردد للحظة قبل أن يضغط على الجرس، وقلبه يدق بعنف.


فُتح الباب وظهر أمامه شاب في مثل عمره تبدو عليه علامات والهدوء نظر إليه باستفهام.

_ ايوة؟


شعر أكمل بالإحراج وكأنه متطفل يقتحم حياة الآخرين قال بصوت مرتبك

_ أنا أكمل حسين جوز صبر وكنت جاي أسأل مدام ليان عن حاجة.


تغيرت ملامح الشاب على الفور من الاستفهام إلى الترحيب الهادئ ابتسم ابتسامة خفيفة ومد يده.

_ أهلاً يا أكمل بيه، أنا حازم اتفضل.


صافحه أكمل وهو يشعر بالدهشة.

_ حضرتك تعرفني؟


أجاب حازم وهو يفسح له الطريق ليدخل

_ ليان حكتلي عنك وعن مدام صبر كتير اتفضل، البيت بيتك.


دخل أكمل إلى شقة أنيقة، تفوح منها رائحة الهدوء والاستقرار، مما زاد من شعوره هو بالفوضى التي تعم حياته. 

في تلك اللحظة، خرجت ليان من إحدى الغرف. 

كانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة ويبدو على وجهها الهدوء، لكن ما إن رأت أكمل حتى ظهر على ملامحها مزيج من الدهشة والذهول

_استاذ أكمل؟ أهلاً وسهلاً.

نهض أكمل ليستقبلها 

_اهلا بيكي.

جلست ليان بجوار زوجها وحينها سألته بحيرة

_انت عرفت عنواني ازاي؟

رد باحراج 

_بوابة العمارة اللي عرفني العنوان

وقال بصوت يملؤه الرجاء

_مادام ليان أنا عايز أعرف اللي حصل من وقت ما صبر سابت البيت. 


❈-❈-❈


عاد أكمل في وقت متأخر من المساء يحمل على كتفيه إرهاق يوم طويل في النيابة، وعلى قلبه قلقاً مزمناً لم يفارقه منذ أن عادت صبر إلى حياته. 

دخل الشقة بهدوء متوقعاً أن يجد الصمت المعتاد، لكنه تفاجئ بمشهد لم يكن ليتخيله في أكثر أحلامه جموحاً.


كانت والدته، مستلقية على الأريكة في غرفته وقد غلبها النعاس. 

وبجوارها كانت صبر تنام بعمق، رأسها مستند على وسادة عالية ويدها موضوعة برقة فوق بطنها المنتفخ قليلاً، كأنها تحمي كنزها الثمين حتى في نومها. 

كان المشهد يحمل من الدفء والألفة ما جعل قلب أكمل يلين رغماً عنه.

ابتسم ابتسامة باهتة ابتسامة امتنان لوالدته التي لم تترك صبر لحظة واحدة.


تقدم منها بخطوات خافتة وربت على كتفها بلطف شديد.

_ أمي...

فتحت نسرين عينيها بتثاقل، وبدا عليها الإرهاق الشديد.

_ أكمل؟ أنت جيت إمتى؟

ابتسم أكمل بود حقيقي، وهو يساعدها على الاعتدال في جلستها.

_ لسه واصل حالاً.

نظر إلى صبر النائمة وعاد القلق ليحتل ملامحه على الفور.

_ إيه الأخبار؟ طمنيني.

_ الحمد لله أحسن بكتير الضغط استقر والنهاردة أكلت كويس ربنا يستر بس وتعدي الشهر ده على خير هو أخطر فترة.

قالتها وهي تنظر إلى صبر بحنان أمومي حقيقي ثم التفتت إلى ابنها.

_ ادخل خد شاور وغير هدومك لحد ما أحضرلك حاجة تاكلها.

رفض أكمل بتهذيب، وهو يشعر بموجة من الذنب لأن والدته تتحمل كل هذا العبء.

_ لأ يا أمي أنا أكلت في الطريق وأنا جاي، قومي أنتِ ارتاحي في الأوضة التانية، أنتِ اللي محتاجة الراحة أنا هفضل معاها.

وافقت نسرين بعد إصرار منه، ونهضت وهي تتثاءب ربتت على كتفه بحنان.

_ ربنا يقومهالك بالسلامة يا ابني.

خرجت من الغرفة وبقي أكمل وحيداً مع صبر النائمة تطلع إلى وجهها الشاحب الذي ما زال الوهن ظاهراً عليه رغم تحسنه كانت تتنفس بهدوء، لكنه كان يرى في نومها أثقال التعب والمعاناة التي مرت بها.


جلس على حافة الطاولة المقابلة لها، وعيناه لا تفارقانها وبدأ عقله يعرض عليه شريطاً مرعباً من الاحتمالات ماذا لو...؟ 

ماذا لو لم يذهب إلى ذلك المحل التجاري في ذلك اليوم؟ 

ماذا لو لم يلمحها مالك بعبقريته وقدرته على قراءة الوجوه؟ ماذا لو لم يرسل له تلك الرسالة المشفرة التي جعلته يذهب إلى هناك بنفسه؟


تساءل بقلق حقيقي كاد أن يفتك به: ماذا لو لم أرها في الوقت المناسب؟ ماذا كان سيحدث لها؟ هل كانت ستستمر في العمل حتى تنهار تماماً؟ هل كان طفله سيأتي إلى هذه الدنيا في شقة غريبة، بعيداً عن والده وعائلته؟ الفكرة وحدها كانت كافية لتجعل حلقه يجف وقلبه ينقبض بألم حاد.


وضع وجهه بين كفيه وأطلق تنهيدة عميقة، تنهيدة رجل أدرك حجم الكارثة التي كان على وشك أن يتسبب فيها. 

لقد كان على بعد خطوة واحدة من خسارتها وخسارة طفله إلى الأبد، ليس بسبب قسوتها أو جشعها كما كان يظن، بل بسبب كبريائه هو وعماه، شعر بموجة عارمة من الندم، وبإحساس طاغي بالمسؤولية تجاه هذه الإنسانة الهشة التي تحمل ابنه.

تذكر حديث ليان

فلاش باك 


نظرت إليه ليان بدهشة حقيقية واتسعت عيناها.

_ أنت شوفت صبر؟

هز أكمل رأسه بلهفة كغريق يتعلق بقشة.

_ آه شوفتها هي دلوقتي في شقتي بس... بس أنا عايز أعرف إيه اللي حصل بالظبط.


تنهدت ليان تنهيدة طويلة، ونظرت إلى زوجها الذي أومأ لها برأسه كأنه يشجعها على الكلام

ثم عادت بنظرها إلى أكمل وقالت بنبرة جادة

_ عايز تعرف إيه بالظبط يا أكمل بيه؟


قال بصوت يملؤه الرجاء والألم

_ عايز أعرف الحقيقة كلها من الأول من غير أي تحفظ أرجوكي.


ساد صمت لثواني كانت ليان ترتب فيها أفكارها، وتستحضر ذكريات مؤلمة. 

ثم بدأت تحكي وصوتها هادئ لكن كل كلمة كانت تحمل ثقلاً.

_ الحكاية بدأت من زمان قوي يا أكمل بيه، بدأت بحب من طرف واحد. 

صبر كانت بتحبك من زمان، لما كنت بتنزل البلد في الإجازات عند جدك، وهي كانت أحياناً بتروح تساعد مرات أبوها في خدمة البيت عندكم. 

كانت بتشوفك من بعيد، بتحلم بيك وتشوف فيك فارس الأحلام اللي مستحيل يوصل له حد زيها.


صمتت للحظة ثم أكملت ودخلت في صلب المأساة.

_ في يوم من حوالي سنة كانت صبر في بيت أبوها دخل البيت وهو مرعوب، رمى نفسه على الكنبة وهو بيقول لمراته "خربت يا فوزية أكمل بيه كشفني كشف إني كنت بسرق من مخازن الأرض بتاعته زمانه هيبلغ عني وهتسجن".


كان أكمل يستمع وهو متجمد في مكانه وذاكرته تعود إلى ذلك اليوم يوم اكتشف السرقات فعلاً.


أكملت ليان ونبرتها تحمل غضباً مكتوماً

_ مرات أبوها بدل ما تلومه لقت الحل الشيطاني. 

قالت له "تاخد البت صبر وترميها تحت رجليه تقوله خدها خدامة عندك، تشتغل ببلاش لحد ما تسد تمن الحاجات اللي سرقتها. 

يمكن قلبه يحن وميسجنكش ويكونوا برضه خلصوا من حملها"

وقتها أبوها وافق فوراً مكنش شايف بنته، كان شايف طوق النجاة وفعلاً تاني يوم سحب صبر من إيدها غصب عنها وجابها لك.


توقف أكمل عن التنفس للحظة تذكر ذلك اليوم جيداً تذكر نظرة الانكسار والرعب في عيني صبر وهي تقف أمامه، وأبوها يعرضها كأنها سلعة.


_ أنا فاكر... وقلت له إني مسامحه في كل اللي سرقه، بس بشرط ميورينيش وشه تاني وقلت له صبر هتشتغل بمقابل عشان احميها من واحد ندل زيه 

هزت ليان رأسها بأسف.

_ بالظبط أنت عملت كده فعلاً بس هو مسكتش وبدأ ينشر إشاعة تانية

انك اجبرته انه يسيب صبر تشتغل عنده وطبعا حضرتك عارف الكلام اللي اتقال وقتها

ولما الإشاعة كبرت والناس بدأت تتكلم، حطك قدام الأمر الواقع عشان تتجوزها وتستر على "الحكاية" اللي هو نفسه ألفها.

لم يندهش أكمل لأنه يعلم جيداً ان والدها هو من فعل ذلك فتابعت ليام

_ وبعد ما اتجوزتوا... بدأ الجحيم الحقيقي لصبر أبوها بدأ يبتزها هي يطلب منها فلوس، ويهددها إنه لو مدتهوش هيروح يقولك إن كل اللي حصل ده كان خطتها هي من الأول إنها هي اللي خططت للإشاعة عشان توقعك في حبها وتتجوزها


نظرت إليه ليان مباشرة، وقالت بحدة

_ وهي، لأنها كانت بتحبك بجد، خافت خافت تصدق أبوها وتكرهها. 

خافت تخسرك مكانتش لسه ضمنت حبك ليها، كانت ثقتها فيك وفي نفسها مهزوزة فكانت بتديله اللي هو عايزه، عشان بس تحافظ عليك.

وفي اليوم اللي أنت طردتها فيه... كان أبوها بيبتزها تاني، وطالب منها مبلغ كبير قوي وقتها هي انفجرت رفضت، وقالت له إنها مش مجبرة تسرق جوزها بعد النهاردة، وإنها هتروح تقولك على كل حاجة، واللي يحصل يحصل وفعلاً، كانت جاية عشان تعترفلك بكل شيء.


صمتت ليان وتركت كلماتها الأخيرة معلقة في الهواء كحكم إدانة.

_ بس أنت... أنت اكتفيت باللي سمعته من ورا الباب محاولتش تفهم. 

مدتهاش فرصة تدافع عن نفسها حكمت عليها، ونفذت الحكم في نفس اللحظة، طردتها من بيتك ومن حياتك.


كان أكمل يستمع وهو في حالة صدمة كاملة، كل كلمة كانت كالصاعقة. 

معقول هو بهذه القسوة؟ هو وكيل النيابة الذي يقتضي عمله أن يسمع للمتهم وأن يمنحه كل فرصة للدفاع عن نفسه، هو نفسه من حرم زوجته من هذا الحق البديهي

لم يسمعها لم يرى الرعب في عينيها لم يفهم ألمها لقد طردها. 

طرد المرأة التي تحملت كل هذا الذل من أجل أن تحافظ عليه.


شعر بغصة مريرة في حلقه، وبخزي لم يشعر به في حياته. 

لم يعد قادراً على النظر في وجه ليان نهض فجأة، وقال باقتضاب

_ أنا... أنا لازم أمشي.


قالها بصوت مختنق ثم استأذن منهم وخرج من الشقة بسرعة، كأنه يهرب من حقيقة نفسه التي رآها للتو في مرآة كلمات ليان. 

خرج وهو يشعر بأنه أحقر رجل على وجه الأرض.


باك


نهض بهدوء وتوجه إلى الخزانة ليخرج ملابس له بهدوء، يخشى أن يصدر أي صوت قد يوقظها من راحتها التي تستحقها. 

دلف إلى المرحاض ووقف تحت الماء الساخن، لكنه لم يشعر بالدفء كان يشعر ببرودة الخوف والندم تتسلل إلى عظامه وأقسم في تلك اللحظة أنه سيفعل أي شيء، أي شيء على الإطلاق ليعوضها عن كل لحظة ألم تسبب فيها لها، وليحميها هي وطفله من العالم كله ومن نفسه أولاً.

فمنذ ان علم الحقيقة وضميره لا يرحمه، كان عليه أن يستمع لها

أليس هذا ما تعلمه من القانون.


❈-❈-❈


ظلت نغم حبيسة غرفتها، تلك القلعة التي تحصنت بها ضد مشاعرها وضده. 

كانت تخرج فقط لتناول طعامها معه في صمت مشحون، ثم تعود إلى عزلتها مرة أخرى كان هذا هو نظامها درعها الواقي. 

في داخلها كانت الخطة قد اكتملت بعد غد، ستعود إلى البلدة لأجل الامتحان، وحينها ستهرب من الباب الخلفي للجامعة حيث سيكون سند في انتظارها ليأخذها بعيداً، لم تعد تثق في مالك فمنذ أن علمت باتفاقه مع جاسر لخطفها وهي تشعر بحنق مرير تجاهه لقد خان ثقتها هو الآخر.

لكن ماذا إن لم تستطيع فعلها، وماذا إن علم مسبقاً ومنعها من الذهاب

نفضت ذلك الهاجس من رأسها

لقد تغير جاسر لم يعد ذلك السجان القاسي الذي عرفته في البداية. 

لقد منحها مساحتها لم يقتحم غرفتها، ولم يفرض عليها شيئاً سوى وجوده الصامت. 

كان يحاول بطريقته الهادئة أن يثبت حبه لها، أن يقترب منها خطوة بخطوة منتظراً بصبر لا نهائي أن تلتفت إليه هزت رأسها بقوة، طاردة تلك الفكرة الخائنة

لا لن تضعف.

خرجت من الغرفة عندما سمعت صوت باب غرفة جاسر يُغلق علامة على أنه قد دلف لينام. 

شعرت بصداع خفيف يؤرقها، فقررت أن تعد كوباً من القهوة ربما يمحو أثر الأرق والتفكير الطويل.


وقفت أمام الموقد وبدأت تبحث في الخزائن العلوية عن القهوة لم تنتبه لتلك العينين اللتين تراقبانها من مدخل المطبخ، عينين تحملان شوقاً ولهفة وحباً موجعاً. 

كان جاسر يقف هناك يراقبها وهي تتحرك في مطبخه بألفة لم تكن متعمدة، وكأنها صاحبة المكان بالفعل تمنى في تلك اللحظة أن يكون زواجهما طبيعياً، أن يتقدم منها الآن ويحتضنها من الخلف ويقبل عنقها الذي يظهر لعينيه بوضوح إثر تلك العقدة العفوية التي رفعت بها شعرها


تمنى أن يبثها كل ذلك الاشتياق الذي يؤرقه ليلاً ونهاراً منذ ذلك اليوم الذي أصبحت فيه ملكه.

لم يعد عقله قادراً على السيطرة

ساقته قدماه رغماً عنه نحوها، وبخطوات خافتة لم تشعر بها.

لم تشعر به إلا عندما التفت يداه القويتان حول خصرها فضمتها إليه بقوة لطيفة. 

تصلبت في مكانها وتوقف قلبها عن النبض للحظة ثم جاءت أنفاسه الدافئة التي لفحت بشرة عنقها، وصوته الهامس الأجش الذي اخترق كل دفاعاتها.

_ وحشتيني.

لسبب لا تعرفه لم تشعر بالخوف أو الغضب ربما لأنها عاشت طويلاً في جفاف عاطفي وهو بدأ يعوضها ببطء. 


ربما لأنها في أعماقها كانت تشتاقه هي الأخرى رغم تعندها. 

شعرت بشوق غريب يجتاحها، رغبة في الاستسلام لهذا الحضن الذي برغم قسوته عليها فيما مضى إلا إنه الآن يشعرها بالأمان الذي لم يعد احد في هذه الدنيا يشعرها به


حاولت أن تقاوم أن تبعد يديه لكنها كانت مقاومة ضعيفة، مجرد رد فعل معتاد 

_لو سمحت،ابعد.....

لكنه لم يمنحها فرصة، أدارها ببطء بين ذراعيه لتواجهه وثبت عينيه في عينيها.

_ كفايكي.....كفايكي عناد يا نغم..... أنا خلاص مبجتش جادر أبعد عنك لحظة واحدة..... كل ثانية وأنتِ بعيدة عني في الأوضة دي بتجتلني....خلاص أخدتي حجك مني وبزيادة....مبجاش عندي رد حجوج.


في البداية حاولت أن تشيح بوجهها، أن تهرب من نظراته الحارقة التي كانت تفضح كل ما في قلبه لكنها رأت فيه شيئاً لم تره من قبل بهذا الوضوح. 

رأت حباً حقيقياً صادقاً، ورجاءً صامتاً، وضعفاً جعله يبدو وسيماً بشكل لا يصدق. 

رأت رجلاً قوياً يتخلى عن كل قوته من أجلها. 

وهنا انهارت كل مقاومتها لم تعد قادرة على الرفض، فاستسلمت.


عندما رأى الاستسلام في عينيها، تلك اللحظة التي طال انتظارها لم يعد قادراً على الانتظار أكثر. 

انحنى ببطيء مدروس وأخذ شفتيها في قبلة هادئة

لم تكن عنيفة أو متملكة، بل كانت قبلة تحمل كل الحب الذي كبته في صدره كل الشوق، وكل الندم. 

كانت قبلة بطيئة عميقة يعتذر بها عن كل ألم سببه لها، ويعدها بكل سعادة العالم 

تجاوبت معه بتردد في البداية ثم ذابت بين ذراعيه ورفعت يديها لتلتف حول عنقه، مبادلة إياه قبلته بنفس الشوق المكتوم.


كان المطبخ هو عالمهما الآن لم يجرؤ على الابتعاد عنها، لم يجرؤ على حملها إلى غرفة النوم خوفاً من أن يكسر هذه اللحظة السحرية، خوفاً من أن تعود إلى عنادها إذا ابتعد عنها لثانية واحدة. 

أراد أن يغتنم جمال ولهفة هذه اللحظة حتى آخر قطرة. 

ظل يقبلها بشغف وحنان يداه تتحسسان ظهرها وشعرها، وهو يهمس باسمها بين القبلات كأنه يتأكد أنها حقيقية أنها هنا بين يديه.


وعندما شعر باسترخاء جسدها بالكامل بين ذراعيه، وتأكد من استسلامها التام له وأنه لم يعد هناك مجال للتراجع، ابتعد عن شفتيها قليلاً، وجبينه يلامس جبينها، وأنفاسهما متقطعة.

_ بحبك.

قالها بصوت متحشرج وكأنها الكلمة الوحيدة المتبقية في العالم.

نظرت إليه بعينين ضبابيتين من فرط المشاعر ولم تجب، لكن صمتها كان أعلى من أي اعتراف.


كان على وشك أن يقبلها مرة أخرى، أن يأخذها في رحلة لا عودة منها، لكن فجأة شعر بجسدها يتصلب بين ذراعيه، لمع في عينيها الضبابيتين ظل من الألم، شبح من الواقع القاسي اخترق فجأة جنتهما الصغيرة

وهي شروق.

اسمها لم يُنطق، لكنه ظهر كجدار جليدي بينهما 

وضعت نغم يديها على صدره العريض، ودفعته برفق لكن بحزم، كان صوتها مشحوناً بالرغبة التي لم تنطفئ، لكنه كان ممتزجاً بمرارة التمرد والألم.

_ مش هجدر... مش هجدر أكمل وواحدة تانية على ذمتك.

نظر إليها جاسر ورأى الصراع في عينيها، لم يغضب لم ينفعل.

بل رأى في رفضها هذا قمة الحب، قمة الغيرة التي تعني التملك الكامل. 

ابتسم ابتسامة خفيفة، لم تكن ابتسامة سخرية، بل ابتسامة رجل يفهم قلب امرأته.

لم يبتعد بل حاصرها بجسده أكثر، ويده التي كانت على ظهرها، تحركت لتلامس وجهها برقة، وإبهامه يمسح على شفتها السفلى المرتجفة بشوق.

_ ومين جالك إن فيه واحدة تانية؟قطبت جبينها بحيرة وارتباك.

_ شروق... مراتك 

اقترب أكثر، وهمس بصوت عميق دافئ، كأنه يلقي تعويذة سحرية في أذنها.

_ شروق على الورج بس يا نغم مجرد اسم في وثيقة، لكن مراتي... روحي... جلبي... دنيتي كلها... واجفة جصادي دلوجت.

شعرت بارتعاشة تسري في جسدها من نبرته، لكنها تشبثت بآخر خيط من المقاومة.

_ بس هي موچودة وچودها بيحرجني.

_ بصي في عيني..

قالها بهدوء، لكن بنبرة لا تقبل الرفض. 

رفعت عينيها المترددة إليه.

_ شايفه حد غيرك فيها؟ سامعة اسم حد غيرك على لساني؟ 

وضع يدها على صدره، فوق قلبه الذي كان يدق بعنف كأنه يريد أن يخرج من قفصه الصدري ليصل إليها.

_حاسة بقلبي ده بينبض لحد غيرك؟ مفيش غيرك يا نغم، من يوم ما دخلتي حياتي وأنتِ لغيتي كل اللي جبلك، وكل اللي ممكن ياچي بعدك. 

هي مجرد شبح من الماضي، ترتيبات هتخلص جريب لكن أنتِ... أنتِ الحجيجة الوحيدة في حياتي.


انحنى وقبل عنقها برقة، قبلة خفيفة أرسلت قشعريرة لذيذة في جسدها كله.

_ متخليش شبح يسرج مننا لحظتنا، متخليش اسم على ورجة يكون أجوى من اللي حاسين بيه دلوجت، الليلة دي بتاعتي أنا وأنتِ وبس مفيش حد تالت بينا.


كانت كلماته كالمخدر، لا بل كانت كتعويذة قديمة وقوية تسللت إلى أعمق نقطة في روحها وأذابت آخر قطعة من جليد المقاومة. 

كيف تقاوم رجلاً لا يرى في الوجود سواها؟ كيف تتمرد على حب يجعلها هي الكون بأسره، والشمس التي تدور حولها كل كواكبه؟


تنهدت تنهيدة استسلام كامل، تنهيدة امرأة وجدت أخيراً مرفأها بعد عمر من التيه

ذراعاها اللتان كانتا تدفعانه عادتا لتطوقا عنقه من جديد، وهذه المرة بيقين مطلق بتشبث من وجدت كنزها وتخشى أن يضيع.


نظرت في عينيه، في تلك البوابتين اللتين كانتا جحيماً في الماضي، وأصبحتا الآن جنتها وملاذها. 

وقالت بصوت هامس لم يعد فيه سوى الحب الصافي اعتراف طال انتظاره.

_ أنا كمان ملكك يا جاسر.


لم تكن مجرد كلمات كانت عهداً كانت تسليماً كاملاً للقلب والروح.


ابتسم جاسر لم تكن ابتسامة انتصار رجل على امرأة، بل كانت ابتسامة انتصار الحب على كل شيء، على التار على الماضي على الخوف، وعلى الشك. 

ثم بحركة واحدة سلسة وقوية حملها بين ذراعيه شهقت بخفة وتشبثت به أكثر ودفنت وجهها في عنقه، تستنشق عطره الذي أصبح رائحة الأمان بالنسبة لها.


خرج بها من المطبخ وسار بها في الممر المظلم الذي لم تضيئه سوى خيوط من ضوء القمر المتسلل من النوافذ، هذه المرة لم يتجه إلى غرفتها لقد انتهى زمن الحبس الانفرادي، انتهى زمن المسافات والعناد. 

كان يسير بها إلى غرفته هو إلى عرينه إلى قلبه النابض.


عندما دخل بها، لم يضعها على السرير مباشرة بل وقف بها في منتصف الغرفة لثواني وعيناه لم تفارقا عينيها. 

كان يريد أن يطبع هذه اللحظة في ذاكرته إلى الأبد لحظة استسلامها الكامل، لحظة اعترافها الذي انتظر أن يسمعه طويلاً.


_كنتِ بتعذبيني.

همس بصوت عميق وهو ينزلها برفق لتقف على قدميها أمامه، لكنه لم يبتعد وظل جسده يحيط بها بالكامل.


_كنت بشوفك قصادي ومش جادر ألمسك، كنت بسمع صوتك ومش جادر أجولك اللي في جلبي، كنت بحس بوچودك في كل نفس باخده ومحروم منك مفيش عذاب أكبر من كده.


كانت كلماته اعترافاً بضعفه أمامها وهذا الاعتراف منه كان يمتلك قوة هائلة جعلها تشعر بأنها ليست مجرد امرأة، بل هي ملكة متوجة على عرش قلبه.


مرر يده على وجهها وتتبع بأنامل خشنة منحنيات خدها، وخط فكها وشفتيها المرتجفة.

_كل حاچة فيكي بتناديني يا نغم، ضحكتك، وعنادك، وخوفك، وحتى دموعك كلها بتاعتي كلها ملكي.


لم تعد قادرة على الكلام كانت تكتفي بالنظر إليه وقلبها يذوب من فرط العشق. 

لقد رأت منه القسوة والجبروت، لكنها الآن ترى منه حباً أعمق من المحيطات حباً جارفاً يمتلكها ويسجنها لكنه سجن لذيذ لا تريد منه خلاصاً.


انحنى وقبلها مرة أخرى لكن هذه المرة كانت القبلة مختلفة. 

لم تكن قبلة شغف جامح بل كانت قبلة تملّك هادئة كأنه يرتشف رحيق زهرة نادرة يملكها وحده. 

كانت قبلة تحكي كل ما لم يستطع لسانه قوله، تحكي عن ليالي الوحدة عن الشوق المؤلم، وعن اليقين بأنه وجد أخيراً نصفه الآخر.


ذابت بين ذراعيه وتناست كل شيء تناست شروق وتناست الماضي وتناست العالم بأسره. 

لم يعد هناك في الوجود سوى هو جاسر، الرجل الذي كان كابوسها، وأصبح الآن أجمل أحلامها، الرجل الذي خطفها ليسجنها فانتهى به الأمر سجيناً في حبها.


وبينما يأخذها معه إلى عالمهما الخاص حيث لا مكان لأي اسم آخر، ولا وجود لأي شبح، أدركت نغم أن حبها له لم يعد شيئاً يمكنها أن تخفيه أو تقاومه. 

لقد أصبح كالهواء الذي تتنفسه، كالدم الذي يجري في عروقها لقد أصبح هو حياتها.


كانت قبلاته تبجيل قبلات عهد قبلات رجل وجد وطنه وملاذه

ثم انحدر بقبلاته إلى صدغها ثم إلى عنقها وكل قبلة كانت كعلامة يطبعها على أرضه الخاصة يعلن ملكيته الأبدية لها.

شعرت نغم بأنها تذوب تتلاشى لتصبح مجرد إحساس خالص بين ذراعيه. 

لم تعد هناك نغم الفتاة المتمردة الخائفة لقد ولدت من جديد في تلك اللحظة امرأة تعشق وتعشقها، امرأة وجدت في قيدها حريتها، وفي سجانها حبيبها الأبدي.

حملها مرة أخرى بين ذراعيه وخطا بها الخطوات الأخيرة نحو الفراش

وضعها برفق لا متناهي كأنه يضع أثمن جوهرة في العالم على وسادة من حرير. 

ثم استلقى بجانبها وسحبها إلى حضنه لتصبح جزءاً منه ضلعه الذي كان مفقوداً ووجده أخيراً.

همس في أذنها وكانت أنفاسه ترسل رعشات لذيذة في جسدها كله.

_ من الليلة دي مفيش مكان للماضي

ولا للتار، مفيش عالم برة شقتنا دي 

انا وانتي وبس.


وفي حضنه الدافئ وتحت سماء من العشق الصافي، أدركت نغم أنها لم تعد تخاف من أي شيء فكيف تخاف وهي في قلب العاصفة التي أصبحت أمانها الوحيد؟


"هل تعلمين ماذا فعلتي بي؟ أنتِ اعدتي تعريفي جعلتي من الصخر ماءً، ومن العاصفة نسيماً كنت أظن أن القوة هي السيطرة، والجبروت لكنني اكتشفت معكِ أن قمة القوة هي أن أكون ضعيفاً أمامكِ وحدك."


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



4 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل