رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 27 - جـ 1 - الخميس 11/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل السابع والعشرون 

الحزء الثاني

تم النشر الخميس  

11/9/2025


قالت ونس بهدوء وحكمة

_ليه مكنش لازم؟ هو مغلطش يا نغم أنتي مراته.

انتفضت نغم بعند، وابتعدت عنها.

_لاه مش مرته.

نهضت ونس وهي تقول بدهاء

_ولما انتي مش مرته بتعملي إكدة ليه؟

اهتزت نظراتها ولم تعرف ماذا تقول فقالت بتعند

_بس أني مش هعمل إكدة تاني! مش هستخدم الأسلوب ده معاه تاني أبداً، كل اللي عملته جاه على هواه في الآخر هو اللي كسب


هنا، رأت ونس فرصتها لقد حان وقت استخدام ذكائها.

_وهو إيه اللي خلاكي تجولي إنه كسب؟


_لأنه خد اللي هو عايزه.

تابع ونس دهاءها

_هو ايه بجا اللي عايزه.

لم تجيب نغم

لذا ابتسمت ونس ابتسامة ماكرة.

_غلطانة يا نغم أنتي اللي كسبتي.


نظرت إليها نغم بحيرة.

أكملت ونس، وكأنها تشرح استراتيجية معركة.

_أنتي خليتيه يحس، خليتيه يتصرف من غير تفكير، جاسر طول عمره بيتحكم في كل حاچة، كل كلمة وكل نظرة، كون إنه يبوسك فجأة، ده معناه إنه فقد السيطرة، وأنتي اللي خليتيه يفقدها

دي أول مرة من سنين أشوف جاسر بيتصرف بجلبه، مش بعجله أنتي نجحتي.

صمتت نغم، تفكر في كلامها.


أضافت ونس بذكاء

_بس أنتي بانسحابك دلوجت، بتديله النصر على طبق من دهب. 

هتثبتيله إنك أضعف منه وإنك خفتي من رد فعله، هتخليه يرچع تاني جاسر بتاع زمان اللي بيتحكم في كل حاچة لكن لو كملتي... لو خليتيه ديماً على حافة الهاوية زي ما بيجولوا، ديماً مش عارف يتوجع خطوتك الجاية... ساعتها بس هتجدري تسيطري عليه بجد.


نظرت في عيني نغم مباشرة، وألقت بضربتها القاضية.

_انتي دلوجت عرفتي نجطة ضعفه الحجيجية، مش أهله ولا فلوسه... نجطة ضعفه بجت أنتي. 

هتستخدمي نقطة الضعف دي عشان تكسريه وتنتجمي، ولا هتسيبيها وتخليه هو اللي يرچع يكسرك؟ القرار قرارك.


❈-❈-❈


منذ ذلك اليوم، تحولت نغم إلى شبح في الجناح كانت تتحرك بصمت، كظِل لا يريد أن يُرى، تتجنب الأماكن التي قد يتواجد فيها جاسر، وتختصر وجودها في أضيق الحدود لكنها لم تستطع تجنبه تماماً، خاصة على مائدة الطعام التي تحولت إلى ساحة تعذيب يومية.


أما هو، فكان يعيش في جحيم من نوع آخر منذ أن ذاق طعم شفتيها، لم يستطع إخراجها من رأسه. 

أصبحت هوساً يسكن عقله يطارده في يقظته ومنامه. 


على مائدة الطعام كان يراقبها بنظرات جائعة لم يعد قادراً على السيطرة عليها، يتابع حركة يديها الرقيقة وهي تمسك بالملعقة، يراقب شفتيها وهي ترتشف الماء، وهذا المشهد البسيط كان يثير عاصفة هوجاء من الرغبة والغضب بداخله، كان يحاول بكل قوته أن يبعد عينيه عنها، أن يركز في طبقه، في حديث والدته في أي شيء آخر، لكن نظراته كانت تعود إليها رغماً عنه كفراشة تنجذب للنار التي أحرقتها.


في أحد الأيام، كانت نغم تقف في الحديقة، تحاول يائسة أن تستنشق بعض الهواء النقي بعيدًا عن الأجواء الخانقة في الداخل، كانت الأشجار صامتة والزهور زاهية، لكن كل هذا الجمال كان يبدو باهتًا في عينيها. 

لم يدم هدوءها الهش طويلاً، فقد شعرت بخطواته الثقيلة تقترب منها من الخلف لم تلتفت، بل تصلب جسدها بالكامل كجندي يستعد للمواجهة، وشعرت بأنفاسها تحتبس في صدرها.


وقف بجانبها، ليس قريبًا جدًا، لكن وجوده كان طاغيًا، يمتص الهواء من حولها. سألها بصوته الجليدي المعتاد، صوت كان كافيًا ليجمد الدماء في عروقها.

_لحد إمتى هتفضلي تهربي؟


لم تجبه اشتعل داخلها غضب عارم ليس فقط منه، بل من نفسها، كلما تذكرت قبلته كانت تشعر بمزيج من الخزي والتمرد وتغضب من نفسها لتفكيرها به ولو للحظة. 

لذا اتخذت من سؤاله فرصة لتفجر كل غضبها المكبوت.


استدارت نحوه فجأة، بعينين تطلقان شررًا.

_بهرب؟ أنا مش بهرب أنا بحاول أحافظ على آخر ذرة من كرامتي بعيد عن واحد زيك، واحد معندوش أي احترام لمشاعر حد.


ظهر وميض غضب خطير في عينيه، لكنه أخفاه بسرعة البرق خلف قناعه الجليدي المعتاد

اقترب منها خطوة مقلصاً المسافة بينهما وأصبحت رائحته الرجولية القوية تحيط بها من كل جانب.

_امتى؟

سألها ببراءة مصطنعة، وهو يعلم تماماً إلامَ تلمح.

نظرت إليه بصدمة، غير مصدقة وقاحته.

_امتى؟! أنت بتسأل بجد؟!


أومأ برأسه ببطء، وعيناه مثبتتان على عينيها، كصياد يراقب فريسته وهي تقع في الفخ.

_أيوه بسأل بجد، امتى؟


شعرت بالدم يندفع إلى وجهها

كيف تجيبه؟ كيف تقول له 

"عندما قبلتني رغماً عني"؟ 

ستكون بذلك قد اعترفت بتأثير القبلة عليها، وستمنحه نصراً آخر

لقد حشرها في زاوية، وأجبرها على الصمت.


عندما رآها صامتة، وعاجزة عن الرد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وساخرة.

_شايفة؟ مفيش رد لأنك خابرة إنك بتتبلي عليا.


هنا، لم تعد تحتمل.

_أنا مش بتبلى عليك! أنت خابر زين أنا بتحدت عن إيه!


اقترب خطوة أخرى حتى لم يعد يفصلهما سوى شبر واحد، انحنى قليلاً وهمس بصوتٍ أجش صوت مخصص لها وحدها.

_لأ، مش خابر فهميني جوليلي يا نغم... امتى حسيتي؟ لما كنت بغيرلك على إيدك المحروجة؟ ولا لما كنت باخدك في حضني وانتي منهارة؟ ولا يمكن... يمكن لما كنت بأكلك بإديا؟ جوليلي... امتى بالظبط؟

رفع حاجبيه بمكر ودهاء

_ولا لما ضميتك لصدري..


كانت كل كلمة من كلماته طعنة، لقد كان يراقبها يعرف كل تفاصيلها، ويستخدمها الآن ضدها ببرود قاتل شعرت بالهزيمة، وبالضعف لم تجد الكلمات لترد عليه.


عندما رأى دموع الإهانة تتجمع في عينيها، عرف أنه قد انتصر في هذه الجولة

مد يده ببطء شديد، وأزاح خصلة شعر تمردت على وجهها كانت لمسته خفيفة كالهواء، لكنها أرسلت رعشة في جسدها بالكامل.

_الهروب مش هينفعك يا نغم، أني جدامك وحواليكي وفي كل حتة. 

وكل ما هتهربي كل ما هتلاجيني أجرب.


ثم استقام وابتعد عنها تاركاً إياها ترتجف من مزيج الغضب والعجز والرغبة المكبوتة، لقد أثبت لها مرة أخرى أنه هو من يضع قواعد اللعبة، وهو دائماً من يفوز.

لم تتقبل هزيمتها وصاحت به توقفه

_انت معندكش أي ذرة احترام.


تشنج فكه وقد توقف عن السير يحاول بصعوبة بالغة التحكم في غضبه من كلمتها

أعاد نظرة البرود إلى عينيه رغم تحولهما لفوهة بركان واستدار إليها 

قائلاً بسخرية لاذعة، كل حرف فيها كان كطرف سوط.

_بتتكلمي عن الاحترام؟ وإنتي كل حركاتك كانت لعبة عشان تستفزيني؟ نظراتك وصمتك وتحديك... افتكرتي إني مش فاهم إنك كنتي بتحاولي توصلي لرد فعل مني؟


اقتربت منه بغضب أعمى وقد نسيت كل خوفها ونسيت من هو.

_ولما إنت فاهم ليه عملت إكدة؟ ليه اتچننت ونسيت نفسك ونسيت أنا مين بالنسبة ليك؟

اقترب هو بدوره وخفض صوته إلى همس مرعب كان أعلى من أي صراخ.

_عشان أوريكي إن اللي بيلعب بالنار، النار بتحرجه

عشان أفكرك إنك هنا مش ضيفة أنتِ مرتي وإن أي محاولة للعب معايا، نهايتها هتكون خسارتك أنتِ.


صرخت فيه بيأس وقهر، وقد وصلت إلى حافة الانهيار.

_انت معيشني معاك ليه؟! انت مش خلاص وصلت لغرضك ودمرتني ودمرت عيلتي؟! سيبني في حالي بجا وطلجني إحنا مفيش أي أمل بينا، والأحسن ليك وليا إن واحد منينا يروح لحاله وتخلصني من السجن ده!


"طلقني".


كلمة نطقتها وكأنها لا تعلم معناها الحقيقي في قاموسه

لن يفعلها مهما حاولت 

في تلك اللحظة لم يعد قادرًا على تحمل اتهاماتها المستمرة وصورتها له كوحش ظالم وهم الضحايا الأبرياء انفجر فيه كل شيء، لكن انفجاره لم يكن صراخًا بل كان هدوءًا مرعبًا هدوء ما قبل العاصفة التي ستقلع كل شيء من جذوره.

_عايزة تعرفي الحجيجة؟ عايزة تعرفي مين الظالم ومين المظلوم؟ اتفضلي.

جذبها من يدها بقوة لم تستطع مقاومتها ودلف بها إلى المكتب من الشرفة المطلة على الحديقة، ثم دفعها بقسوة على المقعد لتجلس عليه. فركت معصمها الذي احمر من أثر قبضته وهي تتطلع إليه بغضب وخوف، وشاهدته وهو يتجه إلى خزانة قديمة يفتحها بمفتاح، ويخرج منها ظرفًا جلديًا كبيرًا وضعه على الطاولة أمامها بضربة عنيفة.

_دي كل الإثباتات اللي بتأكد إن الأرض دي أرضنا من أيام جد جدي

وأنكم انتو اللي طمعتوا فيها، وزورتوا أوراق عشان تاخدوها.


كانت الأوراق صفراء بالية تحمل أختامًا قديمة سندات ملكية، خرائط مرسومة باليد.

ثم أخرج ورقة أخرى تقرير شرطة قديم ومتهالك.

_وده إثبات إن أول دم في التار ده كان من عندنا

هما اللي جتلوا جدي غدر عشان الأرض ولما جدي راح يطالب بحج اخوه، جتلوه هو كمان

إحنا كنا بندافع عن حجنا ودمنا.


كانت نغم تنظر إلى الأوراق بصدمة، وعقلها يرفض أن يصدق. 

كانت الكلمات المكتوبة تطمس الحكايات التي نشأت عليها.

لكن جاسر لم ينتهِ بعد 

اقترب منها وانحنى حتى أصبح وجهه مقابلًا لوجهها، ونظر في عينيها مباشرة ونبرته تحمل كل مرارة السنين.


_وعمك... اللي إنتي فاكراه بطل وشهم... اتجوز عمتي غصبت عنينا، وفضحنا جدام الخلج كليتها عشان يكسرنا وأنا... أنا اللي إنتي شايفاه وحش... أنا صحيح اتچوزتك غصب، بس سترتك ومفكرتش أشهر بيكي زي ما عملوا هما. 

صنتك ومفكرتش ألمس شعرة منيكى عشان أفضحك زي ما عملوا. 

هما اللي رموكي للنار، وأنا اللي طفيتها هما اللي اتخلوا عنك واعتبروكي تمن بخس لغلطتهم وأنا اللي اتمسكت بيكي قجوليلى دلوجت... مين فينا اللي له الحج؟


سقطت الكلمات على نغم كالصخور كل ما آمنت به كل ما تربت عليه، كل قصص البطولة والظلم التي سمعتها... كانت تنهار أمام عينيها كقصر من ورق. 

نظرت إلى وجه جاسر ولأول مرة، رأت ما وراء القناع الجليدي رأت ألماً حقيقياً مرارة متجذرة، وغضباً له ما يبرره.

شعرت بدوار شديد، وبغثيان يجتاحها لقد كانت تعيش داخل كذبة كبيرة، كذبة متقنة اسمها العائلة والترابط أهلها الذين صورتهم كضحايا، كانوا هم الجناة

وهو الرجل الذي كرهته واعتبرته عدوها، كان هو من حماها وسترها على طريقته القاسية. 


شعرت بالخزي من نفسها، وبالاشمئزاز من عالمها الذي تحطم في لحظات

لم تكن ضحية ثأر بل كانت ضحية كذبة، والآن فقط بدأت ترى الحقيقة المؤلمة.

وقفت نغم تحدق في الأوراق المبعثرة امامها، ثم في وجه جاسر الصارم 

كان عقلها يرفض تصديق ما تراه وتسمعه. 

لا يمكن. 

لا يمكن أن تكون كل حياتها، كل قناعاتها كل تضحيات أهلها التي تربت على تقديسها، مجرد وهم كبير. 

كذبة.

همست بصوت مرتعش، تحاول أن تكذب نفسها قبل أن تكذبه. 

_كداب..... كل ده كدب.

إنت عملت الورج ده عشان تكسرني.


هز جاسر رأسه ببطء، وقد عاد إليه بروده المعتاد لكن عينيه كانتا تحملان خيبة أمل عميقة.

_ صدجتي أو مصدجتيش، دي الحجيجة.


تشبثت نغم بآخر خيط من المنطق في عالمها المنهار. 

رفعت رأسها وتحدته بنظرة يائسة.

_ طيب لو كلامك صوح... لو الأرض دي بتاعتكم فعلاً... ليه مبلغتوش البوليس؟ ليه مدخلتوش الحكومة وخدتوا حقكم بالقانون بدل الدم؟


تردد جاسر للحظة، وكأنه يتردد في كشف آخر وأقبح جزء في هذه القصة الملعونة.

ثم نظر إليها بصرامة، وقرر أن ينهي كل شيء الليلة.

_ عشان الأرض وضع يد.


لم تفهم نغم في البداية.

_ يعني إيه؟

قالها بمرارة واضحة

_ يعني لا هي أرضنا ولا أرضهم. 

الأرض دي ملك دولة. 

إحنا وهما حاطين إيدينا عليها من سنين طويلة، جيل ورا جيل لو الشرطة أو الحكومة دخلت في النص، الأرض هتتسحب مننا إحنا الاتنين وهتتحفظ عليها.


كانت هذه هي الضربة القاضية.


انصدمت نغم صدمة جعلتها تترنح وكادت أن تسقط. 

إذن، كل هذا الدم... كل هذا الثأر... كل هذه الكراهية التي غذوا أرواحهم بها... كانت من أجل لا شيء. 

من أجل قطعة أرض لا يملكها أي منهم. مات الرجال، وتيتمت النساء، ودُمرت حياة بأكملها من أجل سراب.


هنا، انفجر كل الألم الذي كانت تكبته

لم تعد ترى جاسر عدوها، بل رأته تجسيداً لهذه المأساة كلها. 

انفجرت فيه بكل الوجع والقهر والاشمئزاز الذي شعرت به تجاه أهلها وتجاه نفسها وتجاهه.


صرخت فيه، والدموع تنهمر من عينيها كشلال.

_بكرهك.... بكرهك وبكره أهلي وبكره اليوم اللي اتولدت فيه في العيلة دي، إنتوا قتلة، كلكم قتلة، موتّوا بعض عشان حتة طين مش بتاعتكم! دمرتوا حياتي وحياة عمتك وحياة كل اللي حواليكم عشان وهم! عشان كبرياءكم وغروركم! أنا بكرهك يا جاسر بكرهك.



كانت تضربه على صدره بقبضتيها الصغيرتين، لكن ضرباتها كانت بلا قوة، كانت مجرد تعبير يائس عن روح محطمة. 

لم يمنعها جاسر بل ظل واقفاً كصخرة صماء يستقبل كل ضربة كل صرخة كل دمعة، وكأنه يمتص ألمها إلى داخله. 

كان يسمح لها بتفريغ كل غضبها ووجعها عليه، لأنه في أعماقه، كان يعلم أنه يستحق كل هذا وأكثر.


وعندما انهارت قواها تماماً، وتوقفت قبضتاها عن الحركة، بقيت متكئة عليه، تبكي بصوت مكسور ومبحوح

 لم تلاحظ حتى أنها تبكي على صدره، وأن وجهها غارق في قميصه وأنها تبحث عن الأمان في حضن عدوها.


هو لاحظ شعر بدفء دموعها تخترق قماشه، وشعر بارتجاف جسدها الصغير بين ذراعيه، تحركت يداه شوقاً للمسها، لاحتوائها، لضمها بقوة حتى تتلاشى كل هموم العالم. 

لكنه لم يتجرأ، خاف. 

لأول مرة في حياته شعر جاسر بالخوف، خاف إن لمسها أن تنتكس حالتها، أن تظنها حركة سيطرة أخرى فتبتعد.


لكنه لم يستطع تركها هكذا

برفق شديد أمسك بذراعيها وأبعدها عنه مسافة كافية ليجبرها على النظر إليه. 

كانت عيناه تحملان عاصفة من المشاعر التي لم ترها من قبل: ألم، ندم، وغضب موجه نحو العالم كله.


قال بصوت أجش، صوت رجل يحمل جبالاً من الهم.

_وإنتي فاكرة إني مش بكره كل ده؟ فاكرة إني مبسوط بالدم ده؟ 

أنا اتولدت لجيت حالي في جلبه

 وسط كل الكره والدمار ده... اتربيت على إيد واحد مبيرحمش، ميعرفش في حياته غير الكره كل ده بسبب مين؟


كانت تبكي بانهيار تهز رأسها بعنف وتضع يديها على أذنيها كأنها تستطيع بذلك أن تمنع كلماته من الوصول إلى عقلها الذي بدأ يتشقق فلم تعد تحتمل.


لكنه لم يرحمها من الحقيقة أمسك بكتفيها وهزها ليس بعنف، بل بيأس يجبرها على النظر إليه، يجبرها على مواجهة الحقيقة التي هربت منها طوال حياتها

 صرخ في وجهها المبلل بالدموع، وصرخته لم تكن غضباً منها بل كانت استغاثة.

_ردي عليا وجولي بسبب مين! ذنبي إيه أعيش اللي عشته؟ ذنبي إيه أكبر وأنا شايف الكره في عينين كل اللي حواليا، وأتعلم إن الجسوة هي الطريجة الوحيدة عشان أعيش؟ كنت بنتجم من كل اللي حواليا... محدش جرب مني إلا وأذيته. 

كنت وحش... لأني اتربيت عشان أكون وحش.


ثم فجأة توقف

صمت، ارتخت قبضته قليلاً لكنه لم يتركها، تغير شيء ما في عينيه، في وقفته في الهواء كله بينهما. 

تحول الإعصار المدمر إلى هدوء مرعب هدوء يحمل في طياته شيئًا أشد خطورة من الغضب.

_لحد ما حصلت حاچة واحدة... حاچة واحدة بس مكنتش عامل حسابها.


صمت للحظة، وعيناه تبحثان في أعماق عينيها الدامعتين بنظرة لم تكن تتخيلها يومًا. 

لم تكن نظرة كره أو انتقام، كانت نظرة رجل يرى قدره لأول مرة.

_حبيتك...


سقط اعترافه في وسط حطامها كقنبلة صامتة. 

الكلمة التي لا تنتمي إلى عالمهما، الكلمة التي لا مكان لها بين الدم والثأر وسط كل الكراهية التي صرخت بها في وجهه، قابلها هو بالكلمة الوحيدة التي لم تتوقعها أبدًا.


تجمدت في مكانها

 لم يقلها بنبرة عاشق متيم، بل قالها كحقيقة قاسية، كحكم أصدره على نفسه بنفس البرود والجبروت الذي يعلن به أي قرار آخر. 

كان يعترف بحبه كما يعترف بحقيقة وجود الشمس، أمر واقع لا جدال فيه.

_وسط كل الكدب والدم... إنتي الحاچة الحجيجية الوحيدة الزينة اللي حصلتلي. 

بكره كل حاچة حواليا يا نغم... إلا إنتي.


رأى الارتباك والإنكار في عينيها، فتابع بوميض من العاطفة الخام التي لم يستطع كبحها.

_خابر إن ده مش هيغير حاچة، وخابر إنك بتكرهيني، وحجك.

بس رايدك تعرفي إن كل اللي هعمله بعد إكده، مش هيكون عشان التار، ولا عشان انتجام عيلتي.


تحول الوميض إلى نظرة عشق حارقة، نظرة امتلاك مطلق، نظرة رجل قرر مصيره.

_عشانك أنتِ.


كانت هذه هي الضربة القاضية أغمضت عينيها بقوة، لا تريد أن تفتحهما بعد ما قاله. 

لا تريد أن ترى ذلك العشق في عينيه، لو فعلت لانهارت كل دفاعاتها الهشة.


أفلتت نفسها من بين يديه وسارت بخطوات سريعة وعمياء، تتعثر في خطواتها حتى وصلت إلى غرفتها. 

أغلقت الباب خلفها، واستندت عليه وأنفاسها تتلاحق وقلبها يدق بعنف كأنه سيخرج من صدرها.


لقد ألقى بقنبلته الأخيرة لم يطلب منها الحب، بل أخبرها بحبه كأمر واقع، كجزء جديد من المعادلة المعقدة بينهما وأدركت نغم أن الحرب لم تنتهِ، بل لقد بدأت للتو، حرب من نوع آخر حرب أشد ضراوة. 

حرب ضد مشاعره، وضد قلبها الذي بدأ يخونها بالرغم عنها، وضد الحقيقة التي أصبحت تعرفها الآن: أنها لم تعد تكره عدوها كما كانت تظن.

يتبع...


إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

رواياتنا الحصرية كاملة



3 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل