رواية جديدة ثنايا الروح لرانيا الخولي - الفصل 24 - جـ 2 - الإثنين 8/9/2025

 

قراءة رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ثنايا الروح

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة رانيا الخولي


الفصل الرابع والعشرون 

الحزء الثاني

تم النشر الإثنين  

8/9/2025


لم يكن مصففًا أو مرتبًا، بل كان يحمل فوضى النوم الطبيعية، مما جعله أكثر جاذبية وواقعية. 

بدا وكأنه جزء حي منها، يتنفس معها.


مرت من أمامه في طريقها إلى المطبخ، بخطوات هادئة ومدروسة.


لم تلتفت نحوه، لم تعطه حتى نظرة خاطفة

كانت تتصرف وكأن هذا هو الأمر الأكثر طبيعية في العالم، وكأنها لم تكن تخفي هذا الجمال عنه طوال الأسابيع الماضية.


أما هو، فقد توقف العالم من حوله. 

الأوراق التي في يده أصبحت مجرد خطوط باهتة بلا معنى. 

صوت الريح اختفى. 

كل حواسه تركزت عليها، على حركة شعرها مع كل خطوة، على التباين الصارخ بين لونه البني وبشرتها البيضاء، على الطريقة التي كشف بها عن عنقها الطويل الرقيق. 

شعر بأن أنفاسه قد حبست في صدره، وشعر بضربة قوية ومفاجئة في قلبه، ليست ضربة حب رقيقة، بل ضربة عنيفة من الجمال الخام الذي حرم منه.


لقد كانت هذه الحركة البسيطة، هذا الكشف المتعمد، بمثابة إعلان. 

كانت كإزالة أول حجر من الجدار الذي بنته بينهما، ليس كبادرة سلام، بل كدعوة لدخول حرب من نوع آخر، حرب هو غير مستعد لها على الإطلاق.

 أدرك في تلك اللحظة أنها لم تعد الضحية الخائفة.

لقد بدأت تلعب.


في المطبخ، وقفت نغم وظهرها للباب، ويداها تستندان على حافة الطاولة كانت تتنفس بعمق، تحاول السيطرة على ارتجاف خفيف في يديها.

لقد شعرت بنظراته، شعرت بها كحرارة تخترق ظهرها، لقد نجحت الخطوة الأولى في خطتها نجحت نجاحًا باهرًا.


غمرها شعور بالنصر، لكنه كان نصرًا حزينًا، ممزوجًا بالمرارة. 

لقد أسعدها أنها استطاعت أن تهزه، أن تجعله يفقد تركيزه أن تعذبه بصمت 

لكن في أعماقها، شعرت بوخزة من الألم.

ألم لأنها اضطرت أن تستخدم جزءًا من نفسها، جزءًا حميميًا كسلاح في هذه المعركة القذرة. 

شعرت وكأنها تبيع قطعة من روحها في سبيل الانتقام لقد كان انتصارًا بطعم الهزيمة.


عادت إلى غرفة المعيشة بعد دقائق، تحمل كوبًا من الماء. 

تحركت بنفس الهدوء، ونفس التجاهل المتعمد. 

مرّت من أمامه مرة أخرى، وشعرها يلامس الهواء القريب منه، حاملاً معه رائحة خفيفة جعلت عقله يسبح.


عندما دخلت غرفتها وأغلقت الباب، أطلق جاسر أخيرًا زفيرًا طويلًا لم يكن يعلم أنه يحبسه.

أغلق عينيه، لكن صورة شعرها ظلت محفورة خلف جفونه. 

لقد أدرك الآن مدى خطورة اللعبة التي بدأتها. 

إنها لا تحاربه بقوتها، بل بضعفه هو.

 إنها تستخدم جمالها وأنوثتها ببرود قاطع، وهذا المزيج كان أكثر فتكًا من أي سلاح عرفه.

وهذه الحرب ليست عادلة.


ظهرت ابتسامة مرحة على جانب فمه

اذا كانت خطتها أن تهزمه بجمالها فسيكون هو المبادر كي يستمتع بذلك الجمال، وسيتركها تشعر بالنصر الزائف عليه

عاد إلى أوراقه، لكن الكلمات والأرقام لم تعد تعني شيئًا.

لقد خسر تركيزه بالكامل كل ما كان يفكر فيه هو تلك المرأة في الغرفة المجاورة التي أعلنت للتو، وبدون كلمة واحدة أنها قادرة على تدميره... ببطء، وبمتعة قاسية.


❈-❈-❈


بعد أن خرج أكمل من المنزل، شعرت صبر براحة أكبر في الحركة.

دخلت المطبخ، وبما أنها كانت وحيدة تمامًا في البيت، فعلت ما تفعله أي فتاة في بيتها خلعت حجابها، وتركت شعرها الأسود الكثيف ينسدل بحرية حول وجهها وكتفيها. 

كان شعرها غجريًا بطبيعته، مليئًا بتموجات فوضوية وجميلة، لا يشبه الشعر المصفف بعناية، بل يحمل روحًا حرة مثلها.


انهمكت في عملها، تقطع الخضروات وتجهز الطعام، وتتحرك بخفة في المطبخ الصغير، وشعرها يتراقص مع كل حركة. 

كانت تدندن لحنًا قديمًا بصوت خفيض، غارقة تمامًا في عالمها الصغير، عالم من النكهات والروائح المريحة.


مر الوقت، وعاد أكمل إلى المنزل وهو يحمل ظرفًا ورقيًا كبيرًا. 

كان الهدوء يعم المكان، فعرف أنها لا بد أن تكون في المطبخ. 

اتجه نحوه بخطوات هادئة، وكان على وشك أن يناديها ليخبرها بعودته، لكنه توقف فجأة عند المدخل.


تجمد في مكانه، وعيناه متسعتان.

لم تكن هذه هي صبر التي يعرفها.

لم تكن الفتاة المحتشمة ذات الحجاب الدائم والملابس الواسعة بل الفضفاضة التي أمامه كانت امرأة أخرى، امرأة بشعر كثيف وحيوي يحيط بوجهها كإطار داكن، وبعض الخصلات المتمردة تلتصق بجبينها بسبب حرارة المطبخ 

كانت تبدو أصغر سنًا، وأكثر حيوية، و... وجميلة بشكل مدهش ومربك.


شعر بمشاعر غريبة وعجيبة تتحرك بداخله، مشاعر لم يشعر بها من قبل تجاهها. 

لم تكن مجرد إعجاب بذكائها أو شفقة على ظروفها. 

كانت هذه المرة شيئًا أعمق، شيئًا جسديًا، انجذابًا خامًا لم يكن مستعدًا له.

رأى الطريقة التي يتحرك بها شعرها مع كل حركة، ورأى عنقها الذي لم يره من قبل، وشعر بارتباك شديد.


انسحب بهدوء، وتراجع خطوة للخلف قبل أن تلاحظ وجوده. 

استند بظهره على الحائط في الرواق، وأغلق عينيه وهو يحاول تنظيم أنفاسه.

في تلك اللحظة، قفزت إلى ذهنه كلمات مالك التحذيرية التي قالها له مازحًا في إحدى المرات: 

"خلي بالك من نفسك يا أكمل... ومتأمّنش جوي".


وقتها، ظن أكمل أن مالك يقصد ألا يثق في أهل البلد أو في والد صبر لكن الآن، بعد أن رأى ما رأى فهم المعنى الحقيقي الخفي وراء كلمات مالك

لم يكن يحذره من خطر خارجي، بل كان يحذره من نفسه هو، من مشاعره التي قد تتطور في اتجاه لم يكن في الحسبان.


لقد كانت صبر دائمًا أمامه، لكنها كانت "محجوبة". 

حجابها وملابسها المحتشمة جعلاه يركز فقط على عقلها وروحها، ولم يتركا له أي مجال للتفكير فيها كامرأة

لكن الآن، بعد أن رُفع هذا الحجاب لثوانٍ معدودة، رأى الصورة كاملة، وأدرك أنه في خطر. 

خطر الوقوع في حب فتاة لا يعرف إن كان ذلك مناسبًا

فتاة تعيش تحت سقفه وفي رعايته.


بعد دقائق، انتهت صبر من إعداد الطعام أعادت ربط شعرها وارتدت حجابها بعناية، وعادت إلى هيئتها المعتادة. 

خرجت من المطبخ لتخبره أن الغداء جاهز، فوجدته ينزل من على الدرج وكأنه دخل للتو.

كان وجهه هادئًا، لكنه كان يتجنب النظر في عينيها مباشرة.


_الأكل جاهز يا أكمل بيه.

قالت بابتسامتها المعتادة. 

_تحب أحضره لحضرتك؟


هز رأسه، وهو لا يزال يتجنب النظر إليها. 

_لأ، مش جعان دلوقتي. كلي أنتِ.

ثم مد يده بالظرف الورقي الكبير نحوها. 

_ده عشانك.

أخذت الظرف باستغراب، وشعرت بثقله. 

_إيه ده؟


قال، وابتسامة خفيفة بدأت تظهر على وجهه، تخفف من توتره.

_افتحيه.

فتحت صبر الظرف بأصابع مرتعشة، وأخرجت منه مجموعة من الأوراق الرسمية. 

قرأت الكلمات المطبوعة في الأعلى، ولم تصدق عينيها. 

"جامعة... القاهرة... التعليم المدمج... إشعار قبول الطالبة: صبر حسان محمد".


رفعت رأسها ونظرت إليه، وعيناها تلمعان بدموع الفرح وعدم التصديق.

_أنا... أنا اتجبلت؟ بچد؟


أومأ أكمل برأسه، وشعر بسعادة حقيقية وهو يرى سعادتها. 

_مبقاش اسمك صبر حاف بقى اسمك الطالبة صبر، مبروك.


لم تتمالك نفسها قفزت في مكانها بفرحة طفولية نقية، وضحكت ضحكة عالية ورنانة لأول مرة منذ أن عرفها. _أنا مش مصدجة حالي أنا مش مصدجة! هبجى طالبة في الچامعة!


كانت سعادتها معدية، وجعلته ينسى ارتباكه للحظات. 

لكنه وهو يراقبها تحتفل بحلمها الذي تحقق، كان يدرك في أعماق نفسه أن الأمور قد تغيرت إلى الأبد. 

لقد فتح لها بابًا لمستقبل جديد، لكنه في نفس الوقت، فتح على نفسه بابًا لمشاعر معقدة وخطيرة، لم يكن يعرف كيف سيغلقه.


❈-❈-❈


انتهت جلسة العلاج الطبيعي. 

خرجت روح وهي تستند قليلاً على ذراع مالك الذي كان ينتظرها كعادته عند الباب. 

كانت خطواتها لا تزال تحمل بعض الثقل، ليس فقط من أثر الإصابة، بل من ثقل الأيام التي مضت. 

اعتادت على وجوده بجانبها في هذه الرحلة العلاجية، أصبح جزءاً من روتينها، ثابتاً كشروق الشمس.


في السيارة ساد صمت مريح، لم يكن صمتاً محرجاً أو فارغاً، بل كان مليئاً بالكلمات التي لم تُنطق

 كانت روح تنظر من النافذة، تتابع المباني والطرقات التي تمر بها دون أن تراها حقاً. 

كان عقلها في مكان آخر، يحلل ويفكك شيئاً جديداً بدأ يتشكل في وعيها.


لفت انتباهها يده الممسكة بالمقود بقوة وثبات، الطريقة التي يختلس بها نظرة سريعة نحوها كل بضع دقائق ليطمئن أنها بخير، سؤاله الهادئ "هل تشعرين بأي ألم؟" الذي لم يخلُ منه يوم.


طوال عمره يهتم بها.


الجملة لم تكن جديدة، لكنها اليوم سقطت في قلبها بمعنى مختلف تماماً. 

نعم، كان دائماً هناك. 

في طفولتهما، كان هو من يدافع عنها

في مراهقتهما، كان هو من يستمع لشكواها حين لا يكترث أحد. 

وحتى بعد زواجها من عدي لم يختفي اهتمامه، بل تحول إلى دعم صامت ومحترم من بعيد.


لكنها لم تكن ترى كانت عيناها معلقتين بـ عدي ببريق شخصيته الذي خطفها، فلم تلتفت لترى النور الهادئ والدائم الذي كان يشع من مالك

كانت تعتقد أن اهتمامه من باب القرابة والأخوة، واجباً لا أكثر.


لكن هل هذا حقاً واجب؟


سألت نفسها وهي تراقبه الآن بعين مختلفة. 

هل من الواجب أن يترك كل شيء ثلاث مرات أسبوعياً ليصطحبها إلى جلسة علاج مملة ومؤلمة؟ هل من الواجب أن يتذكر نوع العصير الذي تفضله بعد الجلسة ويشتريه لها دون أن تطلب؟ هل من الواجب أن تكون نبرة صوته دافئة وحنونة بهذا الشكل عندما يتحدث إليها؟


شعرت بوخزة خفيفة في قلبها، ليست وخزة ألم بل وخزة... صحوة. 

كأن غشاوة سميكة كانت على عينيها وبدأت تنقشع ببطء كل التفاصيل الصغيرة التي كانت تمر عليها مرور الكرام، أصبحت الآن كبيرة وواضحة وتحمل معنى أعمق.


تذكرت كيف دمرها عدي بكلماته الأخيرة قبل موته، كيف حطم الصورة المثالية التي رسمتها له في خيالها، وكيف أفرغ قلبها منه في لحظة واحدة قاسية.

ربما كان ذلك الألم ضرورياً، ربما كان هو ما كسر القفص الذي حبست نفسها فيه، لتتمكن أخيراً من رؤية ما كان أمامها طوال الوقت.

تذكرت تلك المكالمة بينه وبين أكمل حينما سمعته يقول

"أكيد سعادتها تفرق معايا ولو كانت سعادتها معاه اكيد هجف جارها واعمل المستحيل عشان تكون سعيدة"

مالك يحبها

كانت هي المقصودة في تلك المكالمة 

تطلعت إليه بذهول وعينيه تنظر إلى الطريق أمامه

كل شيء يفعله كان يخبرها بأنه عاشق حتى النخاع ولم يكن دور الأخ الذي كانت تخبر نفسها به.

كيف لم تلاحظ ذلك، هل كانت معمية بحب عدي الذي لم ترى منه سوى التجاهل.

وفي النهاية اكتشفت انه لم يكن عشقاً بل وهم عاشت به كي تبرر لنفسها أن مالك بالنسبة لها ليس سوى أخ 


لم تعد مجرد فكرة أو شك، بل أصبحت حقيقة ساطعة كالشمس وهي... هي كانت عمياء.


عندما توقفت السيارة أمام بوابة القصر، التفت إليها مالك بابتسامته الهادئة التي اعتادته

_انتي زينة؟

انادي وعد تطلعك اوضتك؟


لأول مرة، شعرت بالخجل من نظراته لأول مرة، ارتبك قلبها من سؤاله البسيط هزت وجهت إليه نظرة عتاب لم يفهمها 


هزت رأسها قائلة بصوت خافت

_لا، أنا زينة.


نزل من السيارة، ومد يده ليساعدها على الخروج لكنها رفضت 

لن تقبل مساعدته بعد اليوم

ولن تغفر له

اندهش مالك من نظراتها ولمحة العتاب التي ظهرت واضحة فسألها بحيرة

_روح... في حاچة ؟

كانت تود أن تخبره بأنها لا ليست بخير وأن تحمله ذنب ما حدث لها

لكنها أحجمت تلك الرغبة وتركت يده الممدودة ودلفت للداخل وهي تسرع الخطى رغم صعوبتها.


وقف حائرًا بينما كانت تصعد درجات السلم بصعوبة، كان هو يتابعها بعينيه حتى اختفت عن نظره.

فقد وقف في مكانه للحظات، يأخذ نفساً عميقاً. 

ماذا بها؟


أما هي فلم تبالي بكل من يصادفها ويسألها عن حالتها

بل صعدت غرفتها وأغلقت الباب خلفها لتستند بظهرها عليه وتطلق لدموعها العنان.

هي من عاشت ذلك الوهم وأخمدت الحب الحقيقي بداخلها

لكنه بدوره أخفاه ولم يصارحها به

تذكرت كل شيء كان يفعله ومازال يفعله 

كل شيء يؤكد حبه لها

يخبرها بطريقته لكنها لم تتخيل أن يكون عشقاً 


....


أما هو 

لقد اتخذ قراره

اليوم، سيفاتح جده في الأمر

لن ينتظر أكثر، روح تستحق بداية جديدة، وهو يريد أن يكون هو تلك البداية. 

عدتها تبقى فيها شهر ونصف، وهذا وقت كافٍ ليمهد الطريق نحو مستقبل طالما حلم به، حان الوقت ليتحدث العقل والقلب معاً.


❈-❈-❈


كان هدوء ما بعد الظهيرة يلف بيت الجبل، هدوء ثقيل لا يقطعه سوى صوت خطوات جاسر وهو يصعد الدرج الرخامي ببطء، متجهًا إلى غرفته كان عقله منشغلًا، يصارع بين صور الماضي وواقع الحاضر، بين رغبته في الانتقام ورغبته الجديدة في إصلاح ما تم كسره.


في اللحظة التي وصلت فيها قدمه إلى الطابق العلوي، فتح باب الغرفة بعد ان طرقه كما تعود ليأخذ ملابسه دالفًا المرحاض ثم يعود إلى غرفته التي اتخذها فقط للنوم 

وفور دخوله انفتح باب الحمام فجأة، وخرجت منه نغم.


تجمد جاسر في مكانه، ليس فقط بسبب المفاجأة، بل بسبب المشهد الذي أمامه. 

لم تكن ترتدي ملابسها، ولم تكن ملفوفة بفوطة.

كانت ترتدي روب الاستحمام الخاص به

مئزاره هو 

كان ثقيلاً وداكن اللون، وطويلاً جدًا عليها، تصل أكمامه إلى ما بعد أصابعها، وحافته تكاد تلامس كاحليها. 

هذا الحجم المبالغ فيه جعلها تبدو أصغر وأكثر هشاشة، لكنه في نفس الوقت كان إعلانًا صريحًا بالملكية، كأنها تستعير جلده.


كان الروب مفتوحًا قليلاً عند الرقبة، كاشفًا عن بشرتها الندية التي تلمع تحت الضوء الخافت للغرفة. 

شعرها الأسود كان مبللاً بالكامل، ملفوفًا بعشوائية فوق رأسها، لكن بعض الخصلات الداكنة هربت منه لتلتصق برقبتها وكتفها، وتتساقط منها قطرات ماء بطيئة، تسير في رحلة قصيرة على جلدها قبل أن تختفي داخل قماش الروب الثقيل.


رفعت نغم عينيها، وتلاقت نظراتهما. اتسعت عيناها بتصنع للصدمة والارتباك، صدمة متقنة للغاية لدرجة أنها كادت أن تكون حقيقية.


_ أنا... أنا افتكرتك تحت في الجنينة.


تمتمت بالكلمات بصوت خفيض، صوت بدا وكأنه يرتجف قليلاً. 

رفعت يدها التي كانت شبه مختفية داخل الكم الواسع، وضمت ياقة الروب إلى صدرها في حركة حماية مصطنعة، وكأنها فوجئت به حقًا.


لم يرد جاسر. 

ظل واقفًا كتمثال، وعقله يعمل بأقصى سرعة. 

جزء منه الجزء البدائي الغريزي، كان مأخوذًا بالكامل بالمشهد. 

برائحة عطر الاستحمام والهواء الرطب التي انبعثت منها، بقطرات الماء التي تلمع على بشرتها، بمنظرها وهي غارقة في ملابسه، وهو مشهد حميمي بشكل مؤلم.


لكن الجزء الآخر من عقله، الجزء الذكي والحذر الذي يعرفها، كان يصرخ فيه: "إنها لعبة!".

أدرك في تلك اللحظة أنها لم تخطئ. لقد حسبت خطواته، وعرفت توقيت صعوده. 

هذا اللقاء لم يكن صدفة، بل كان كمينًا مدبرًا بعناية فائقة.


ورغم إدراكه هذا، لم يستطع أن يزيح نظره. 

لم تكن نظرة شهوة فجة، بل كانت نظرة رجل محارب يرى خصمه قد غير تكتيكه فجأة، واستخدم سلاحًا لم يكن يتوقعه

سلاح الجمال الهادئ، والإغواء الصامت.

_ معلش... عن إذنك.


قالتها بسرعة مصطنعة، واستدارت لتعود إلى الحمام مرة أخرى، وأغلقت الباب خلفها بنعومة. 

لم تغلقه بعنف، بل أغلقته بهدوء، تاركة إياه في الغرفة وحيدًا مع الصورة التي انطبعت في ذهنه.


ظل واقفًا في مكانه لدقيقة كاملة، يستمع إلى صوت الصمت. 

صورة بشرتها الندية، وقطرات الماء، والطريقة التي بدا بها ضائعة داخل ملابسه، كل هذه التفاصيل ظلت محفورة في عقله، تشعل فيه نارًا هادئة وعنيدة.


ثم، ولأول مرة منذ وقت طويل، ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة، ابتسامة باردة وماكرة لا تخلو من الإعجاب.


_بتلعبي بالنار يا بنت الرفاعي.

همس لنفسه بصوت خفيض. 

_فاكرة إنك كده بتكسريني...

صمت للحظة، ثم أكمل وهو يخرج إلى غرفته بخطوات أصبحت أكثر ثقة.


_ بس لو اللعبة دي مكسبها هو أنتِ... يبجى خليكي، لاعبي براحتك... لحد ما الدور ييچي عليا.


لقد فهم لعبتها، وقرر أن يشارك فيها لقد أدرك أنها تحاول استدراجه، إغواءه، لتنتقم منه في النهاية. 

لكنه قبل التحدي

سيتركها تظن أنها تسيطر على الموقف، سيتركها تنسج شباكها حوله، وهو في المقابل، سيستمتع بكل لحظة من هذه الحرب الجديدة

لأنه كان يعلم أن في نهاية هذه اللعبة، لا يمكن أن يكون هناك سوى فائز واحد. 

وكان مصممًا على أن يكون هو.


يتبع...

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة 




5 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل