قراءة روايةساحر الليل كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية ساحر الليل
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة بسمة بدران
الفصل الخامس
تم النشر يوم الجمعة
9/5/2025
حبيبي المجهول.
كانت لمار لا تزال غارقة في شرودها تحدّق في فنجان القهوة البارد بين يديها كأنها تبحث في أعماقه عن تفسير لما رأته بالأمس. أما يارا فكانت تراقبها بعينين فيهما مزيج من الفضول والقلق ولم تستطع أن تُخفي ضحكة خفيفة وهي تقول: "مش معقول إنتي متأثرة بالحلم كده؟ ده شكله كان فيلم مش حلم!"
رفعت لمار عينيها إليها ببطء نظرة غامضة مشوشة وكأنها لا تزال في عالم آخر قالت بهدوءٍ مريب: ـ "مش فاهمة إزاي حلم يسيب فيّ كل الأثر ده كأنّي عشت اللحظة... لمستها... حسيتها بكل كياني."
اقتربت يارا منها أكثر استقرت بجانبها على الأريكة ولم تستطع كبح فضولها أكثر: ـ "طب احكيلي تاني بالتفصيل من الأول خالص إيه اللي حصل في الحلم العجيب ده؟"
نظرت لها لمار باستغراب كأنها نسيت أنها روت لها جزءًا منه سابقًا ثم تمتمت: ـ "يا يارا أنا قلتلك قبل كده كل حاجة..."
قاطعتها يارا بعينين تلمعان: ـ "أنا عايزة التفاصيل التفاصيل الصغيرة اللي بتستخبى بين الكلام... يمكن يكون فيها تفسير."
زفرت لمار وهي تسند ظهرها إلى الكنبة وأغمضت عينيها محاولة أن تسترجع كل مشهد كل إحساس كل نظرة ثم بدأت تحكي بصوت أقرب للهمس: "المكان كان غريب هادي بطريقة مش طبيعية كأن الزمن واقف كانت الساعة قربت على نص الليل وكنت حاسة إني ماشية في بيت مش بيتي بس مش خايفة بالعكس كنت حاسة إني راجعة مكان أعرفه من زمان حتى لو مش فاكرة إمتى."
صمتت قليلًا ثم تابعت بنبرة غامضة: "الضوء كان خافت شموع كتير حواليا كأن حد كان بيستعد يقابلني ريحة ياسمين خفيفة كانت مالية الجو وحسيت إن قلبي بيخبط كأنه بينده على حدّ فجأة شُفتُه… كان قاعد على كرسي هزّاز ضهره ليا بس أعرفه قلبي عرفه."
نظرت إلى يارا وعينيها تلمعان بتلك الدهشة الساحرة: "ناديت عليه من غير صوت هو بص ببطء وابتسم ابتسامة فيها حنين وفيها وجع كأنه بيشوفني بعد غياب عمر سألته: "أنا جيت؟" قاللي "كنتي دايمًا هنا بس انتي اللي نسيتِ."
شهقت يارا وهمست: "يا نهار أبيض..."
لكن لمار أكملت بنبرة حالمة: "قربت منه مدّ إيده قاللي: "لسه فاضل خطوة واحدة بس تعالي وكنت هقرب والله كنت هقرب بس حصل حاجة غريبة."
ـ "إيه؟" سألت يارا بسرعة.
ـ "اتبدّلت كل حاجة الشموع طفت والمكان بقى ضباب... وهو بقى بعيد فجأة. صوته فضل يوصلني من بعيد وهو بيقول: "لو مشيتي في طريقك هتلاقيني بس متتردديش. بعد كده... صحيت."
ظلّت يارا تحدّق فيها وكأنها تخشى كسر السحر بالكلام ثم تمتمت: "لمار... انتي بتحلمي ولا بتفتكري؟"
ابتسمت لمار بسخرية خفيفة وقالت: "مش عارفة بس في حاجة جوايا بتقولي إن ده مش حلم وخلاص دي بداية لشيء أكبر وأنا مش عارفة مستعدة له ولا لأ."
سألتها يارا بسرعة: ـ "طب وشه شفتيه؟"
هزّت لمار رأسها ببطء وصوتها بدا وكأنه يحمل ندمًا غير مفهوم: ـ "ما شُفتوش كنت بحاول أوصل له أناديه بس كل ما أقرب الممر يطول والمسافة تبعد."
علّقت يارا بدهشة: ـ "يعني كان بيهرب منك؟"
ـ "لا... كان واقف مستنيني بس كأن في حاجة أقوى منّا بتمنعنا نتقابل."
نظرت لمار إلى صديقتها بقلق حقيقي لأول مرة: ـ "عارفة إيه أغرب حاجة؟ إنه وهو مايل راسه ناحيتي قاللي جملة واحدة بس: افتكري اللي هيحصل قريب... ده مش صدفة."
صمتٌ ثقيل خيّم على الغرفة لم تعرف يارا ماذا تقول هل تحاول التخفيف عنها؟ هل تضحك لتكسر التوتر؟ لكنها اكتفت بالقول بصوت خافت: ـ "ده مش حلم ده كأنه رسالة أو نبوءة..."
ـ "بس من مين؟ وليه؟"
لم تجب يارا لم تعرف الجواب لكنها ولأول مرة شعرت أن هناك شيئًا أكبر مما تراه العين وأن الحلم ربما لم يكن مجرد حلم.
❈-❈-❈
في الجامعة انتهت كل من أروى وجوري ومن ثم اقترحت عليهما صديقة لهما تُدعى رفيف بأن يذهبن ويتناولن الفطور في كافتيريا الجامعة. وبالفعل قوبل اقتراحها بالموافقة.
وها هن يجلسن على إحدى الطاولات في الكافتيريا تحدثت أروى بمرح: هو إحنا جينا نقعد بس؟ قومي يا رفيف هاتي لنا شوية ساندويتشات وكوبايتين قهوة.
رمقتها رفيف بامتعاض: يعني أنا هشيل كل ده لوحدي؟ قومي انتي وجوري ساعدوني.
ردت أروى وهي تمسك بقدمها: لأ روحي انتي رجلي بتوجعني أوي.
انزعجت جوري من صوتهما المرتفع فهتفت مؤيدة لرفيف: عندها حق يا أروى إزاي هتشيل الأكل والكبيات لوحدها؟ يلا نساعدها.
زفرت أروى بنفاد صبر واتجهت للكافتيريا لإحضار الطعام لهن.
دقائق وعُدن إلى الطاولة الخاصة بهن فأبصرن شابًا يجلس على الطاولة فهتفت أروى بامتعاض: إنت! قوم من هنا الترابيزة دي بتاعتنا.
رمقها الشاب بإعجاب شديد ومن ثم أطلق صافرة من فمه: يا نهار أبيض هو إيه الجمال ده؟ إنتي شبه الأجانب خالص يا بنتي أكيد مامتك أجنبية صح؟
تأففت أروى من ثرثرته وهتفت بصوت عالي: ده ميخصكش قلتلك قوم!
ولو قلت لأ هتعملي إيه يا قمر؟
هعمل كده يا خفيف!
تلك الكلمات هتف بها آدم وقد وصل في اللحظة المناسبة ليسمع آخر جملة تفوّه بها ذلك الشاب لأروى. اشتعل غضبه على الفور فانقضّ عليه بالضـ رب وتجمّع الناس من حولهم بسرعة.
ضعت أروى يدها على فمها محاولة كتم شهقتها من شدة الدهشة بينما امتلأت عينا جوري بالدموع.
أما رفيف فانطلقت مسرعة نحو الحرس الجامعي تصـ رخ بلهفة:"الحقوا يا جماعة في خناقة في الكفتريا حد يتصرف قبل ما الموضوع يكبر!"
كان صوت آدم يعلو وسط الضجيج وهو يهتف غاضبًا:"إزاي تتكلم معاها كده؟! إنت فاكر نفسك مين؟!"
❈-❈-❈
في الجريدة ولجت غادة إلى مكتب المدير وشرارات الغضب تتطاير من عينيها وهتفت بنبرة مشتعلة: ليه شِلت شوية أسامي من المقال بتاعي يا سيادة المدير؟!
رمقها بامتعاض وقال بحدة: إنتي إزاي داخلة مكتبي كده من غير ما تخبطي على الباب؟ هو فين الذوق؟
اغتاظت من محاولته تغيير دفة الحوار فغمغمت باعتذار مختصر: آسفة بس عايزة إجابة حالًا.
اتكأ بظهره على الكرسي المتحرّك وهتف بعنجهية: إزاي تجرؤي وتكتبي اسم فاروق الحيني؟
ده راجل مهم في البلد ولو سمعته اتشـ وّهت الجريدة كلها ممكن تتقفل!
رمقته باشمئزاز وقالت بحدّة: الراجل ده فاسد المفروض يتسجن علشان الناس تعرف حقيقته القـ ذرة ده بيهرّب مخـ درات وأنا عندي أدلة كتير إزاي تشيل اسمه من المقال رد عليّ!
أجابها ببرودٍ أثار غضبها أكثر: قلتلك مش هقدر اكتب اسمه ولو قلتي كلمة كمان همنع المقال كله من النشر فاهمة؟
ضـ ربت سطح المكتب بكفّها وصاحت غاضبة: تمام يا سيادة المدير استقالتي هتكون على مكتبك خلال خمس دقايق!
غادرت المكان كالإعصار وتركته واقفًا مترددًا لا يعرف كيف يتصرف كان يعلم جيدًا أنها زوجة رجل مهم وأنها تملك القدرة على التأثير والضغط لذا وجب عليه أن يُفكر بعناية قبل اتخاذ أي قرار بحقها.
لكنّه لم يكن ينوي التراجع لن يُذكر أي اسم من "الكبار وسيجد حلًا دبلوماسيًا للخروج من المأزق.
❈-❈-❈
"عاملة إيه بقى دلوقتي يا ملك؟"
ذلك السؤال طرحته السيدة نادية بعدما استقبلتها السيدة ملك بترحابٍ شديد واصطحبتها إلى غرفة المعيشة المزينة بذوقٍ هادئ حيث تسرّبت أشعة الشمس من خلف الستائر البيضاء فخلقت جواً دافئاً ومريحاً.
ابتسمت ملك بخفة وهي تجلس على الأريكة المقابلة وأجابت بهدوء وهي ترتب طرف شالها: الحمد لله أنا كويسة دلوقتي وبقيت أحسن بكتير... إنتي عارفة إني بتحسّن أول ما أطلع على الشاشة وكمان لما بشوف تعليقات الناس على الحلقة بحس إن تعبي مش بيروح على الفاضي.
ضحكت السيدة نادية ضحكة عالية ومالت قليلاً للأمام وهي تقول ممازحة: عارفة إنك بتحبي الشهرة يا ست انتي من أيام الجامعة وإنتي بتحبي تكوني في الصورة.
شاركتها ملك الضحك وعلّقت بنبرة مرحة: ما هو واضح إني مكملة في نفس السكة... ربنا يستر بقى!
في تلك اللحظة دخلت سعاد الخادمة وهي تحمل صينية فضية عليها كوبين من العصير البارد. وضعتهم بهدوء أمام السيدتين ثم انسحبت بصمت تاركةً وراءها رائحة النعناع المنعشة.
تناولتا العصير واستمر الحديث بينهما في مواضيع شتّى من العمل إلى الأخبار حتى سألت ملك بصوت حنون وهي ترفع حاجبيها باهتمام: طيب يارا وحازم عاملين إيه؟ لسه الزعل بينهم مكمل؟
تغيّرت ملامح نادية فجأة واختفت البسمة من وجهها لتحلّ محلها علامات الحزن والهم ثم قالت بصوت منخفض وعيونها معلّقة بكوب العصير في يدها: بدعي ربنا كتير يهديهم هما على طول بيتخانقوا وبقوا ما يسمعوش كلامي خالص. أوقات بحس إني تعبت من المسؤولية اللي أبوهم سابهالي ومشي وأنا حتى مش عارفة هو راح فين.
توقفت لثوانٍ كأنها تبحث عن الكلمات المناسبة ثم تابعت: بيقولوا إنه مات في البحر وهو على سفينة بس أنا مش مصدقة قلبي بيقولي إنه لسه عايش ويمكن راجع في يوم.
ربّتت ملك على ركبتها بلطف ونظرت لها بعينين مليئتين بالتعاطف ثم همست بصوت مطمئن: كله هيبقى تمام إن شاء الله قولي انتي بس "يا رب" والباقي عليه.
يا رب…
غمغمت بها نادية وهي تغمض عينيها للحظات كأنها تدعو في سرّها أن يصلح الله حال أبنائها وأن يمنحها القوة لتكمل الطريق.
❈-❈-❈
كان الأربعة يقفون أمام عميد الجامعة وقد بدت على وجهه علامات الغضب وهو يسألهم بحدة: عايز أعرف اللي حصل بالتفصيل! وإزاي تتصرفوا بالأسلوب الهـ مجي ده يلا اتفضلوا!
تقدّم الشاب السمج محاولًا التقاط أنفاسه بعدما ناله من الضـ رب ما نال وقال: يا دكتور الولد ده ضـ ربني من غير سبب أنا كنت قاعد على ترابيزة وباتكلم مع البنات دول.
صـ رخ آدم وهو في قمة انفعاله: كدّاب! إنت ما كنتش بتتكلم معاهم إنت كنت بتتحـ رّش بيهم! وبالتحديد بأروى!
أروى أومأت برأسها مؤكدة وكذلك فعلت جوري
أما رفيف فقالت بحدة: أيوه يا سيادة العميد اللي قاله آدم هو اللي حصل بالظبط.
ضـ رب العميد المكتب بكفه وقال بصوت مرتفع: اسمعوني كويس دي أول وآخر مرة تتصرفوا التصرف ده فاهمين؟
أومأ الجميع برؤوسهم باحترام.
فقال بنبرة حاسمة: خلاص روحوا محاضرتكم
ولو شفت حد منكم تاني قدامي أوعدكم إنه هيتفصل من الجامعة نهائي.
مرة أخرى أومأوا جميعًا وغادروا المكتب وهم يشعرون ببعض الراحة إلا آدم الذي أمسك بمعصم أروى قائلًا بعصبية: يلا قدامي هنمشي.
سحبت يدها منه وقالت بحدة: سيبني يا آدم عندي محاضرة تانية.
رد بنبرة آمرة: قلتلك يلا بينا.
وضعت يديها على خصـ رها وقالت بعناد: وأنا بقولك هاحضر المحاضرة.
كان على وشك أن يفقد أعصابه ويسحبها بالقوة
لكن رفيف وقفت أمامه وقالت بعقلانية: اسمعني يا آدم سيبها تحضر المحاضرة وبعد كده أنا اللي هوصّلها البيت لو عايز بس بلاش بالعافية علشان ما تحصلش مشكلة.
زفر بغضب ثم أومأ لها بالموافقة ونظر إلى أروى بنظرات غريبة لم تفهم معناها ثم استدار وعاد إلى داخل الجامعة.
❈-❈-❈
قُطع حديث لمار ويارا عندما رنّ هاتف المكتب الداخلي فجأة فقطبت لمار حاجبيها واستأذنت سريعًا وهي تلتقط السماعة.
ثوانٍ فقط وسمعت صوت المدير بنبرة جادة لا تقبل الجدل: لمار تعاليلي فورًا.
أغلقت الخط بسرعة وأشارت ليارا أن تتابع عملها ثم التقطت ملفًا كان على المكتب أمامها وكأنها تتحصّن بشيء قبل الدخول. وقفت للحظات تستجمع تماسكها ثم اتجهت نحو مكتب المدير بخطوات ثابتة لكنها متوترة.
طرقت الباب طرقتين خفيفتين وسمعت صوته يأذن بالدخول. دخلت وقالت بنبرة رسمية: تحت أمرك يا أستاذ عادل.
كان يقف خلف مكتبه ينظر إليها نظرة تحمل ما هو أبعد من العمل ثم تحرّك نحوها بخطى بطيئة محاولًا إضفاء نوعٍ من الهدوء المصطنع على الموقف قال بنبرة ناعمة: خلصتي شغلك النهاردة؟ وراجعتي الأوراق اللي طلبتها منك؟
ردّت بسرعة وهي ترفع الملف الذي بيدها قليلاً: أيوه يا أستاذ عادل الملف ده فيه كل الملاحظات وهسيبه على مكتبك دلوقتي.
اقترب أكثر أكثر مما ينبغي ونظراته بدأت تنكشف دون حواجز مدّ يده نحو خصلات شعرها يلمـ سها بلطف خادع وقال بصوت خافت وهو يبتسم ابتسامة جانبية: إنتي جميلة اوي يا لمار...
جفّ حلقها لكن رد فعلها كان أسرع من تفكيرها. دفعت يده بعنـ ف حتى تراجع خطوة للوراء.
قالت بنبرة غضب مكتوم صوتها كان منخفضًا لكنه حاد كالسيف: قلتلك مليون مرة ما تتعداش حدودك معايا أنا هنا موظفة مش لعبة في إيدك ولو حصل كده تاني هستقيل فورًا وانت عارف إني ما بهزرش.
سكتت لحظة تنظر له بنظرات تحدٍ لم تخلو من الاشمئزاز ثم أدارت وجهها بسرعة وخرجت من المكتب تُغلق الباب خلفها بقوة محسوبة.
مشيت في الممر بخطوات سريعة تحاول تهدئة دقات قلبها التي كانت تدق في صـ درها بقوة ولسان حالها يلـ عنه في سرها يلـ عن ضعفه واستغلاله لمنصبه ويلـ عن سكوتها الذي طال.
أما هو فظل واقفًا في مكانه عاقدًا ذراعيه وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة تنمّ عن عقلٍ يخطط ما هو أسوأ همس لنفسه وهو يعود إلى مقعده ببطء: تدلّلي براحتك بس في الآخر هتبقي ليا عاجلاً أو آجلاً.
❈-❈-❈
حلّ الليل واختبأت الشمس خلف ستائر الغيوم الثقيلة
فصعد القمر متسللًا إلى السماء يُنير بسحره عتمة الكون الواسع ويغزل من نوره خيوطًا من الغموض والسكينة.
وفي منزل السيدة ملك وتحديدًا في غرفة لمار
كانت جالسة على فـ راشها الوثير مغمضة العينين
تائهة الفكر شاردة في وجه لا يغيب عن منامها منذ ليالٍ. ذاك الزائر الغامض الذي لا تعرف له اسمًا ولا وطنًا ولكنه يترك في قلبها سكينة غامضة كلما رآها في الحلم.
لم تلبث أن فتحت درج الطاولة الصغيرة بجانب فـ راشها أخرجت ورقةً وقلمًا وبدأت تكتب...
وكأن شيئًا ما في أعماقها يحثّها على الإفصاح وما إن انتهت حتى غفت... والقلم لا يزال بين أناملها.
وفي صمت الليل انفتح الباب بخفة وولج نظر إليها من بعيد فبدت له كملاك وادع تتوسد وسادتها البيضاء بنقاء الطفولة.
اقترب منها وهمس بصوت خافت يشبه النسيم: لمار... لمار اصحي يا حبيبتي... أنا جيت.
فتحت عينيها ببطء ثم هبت جالسة تتسع ابتسامتها: إنت جيت؟ بجد؟ كنت هزعل اوي لو ماجتش...
ضحك وصوته يملأ الغرفة دفئًا: جيت يا قلبي ومش ناوي أبعد تاني.
تناولت الورقة من بين يديها وقالت بفرحة خجولة: بص كتبت حاجة... ليك.
هزّ رأسه بلطف وجلس بجوارها فوق الفـ راش ثم قال: لأ... مش عايز أشوفها.
قوليها بصوتك.
أومأت برقة ثم بدأت تقرأ بصوت خافت مملوء بالمشاعر:> أحبك ولا أعرف من أنت ومن تكون.
أحبك ولكن كم هو صعب هذا الشعور.
أصبحت بك متيمة وقد أصل إلى الجنون.
ولكنك حلم جميل يشعرني بالسرور.
أتعلم يا حبيبي المجهول
لم أشعر في حبك بالتعب أو الفتور.
وسأعيش على أمل رؤيتك يوما
وانتظرك أياما وسنين وشهور.
أتعلم يا حبيبي المجهول
أحتاج إليك كما يحتاج النبات إلى النور.
وأتمنى أن أعانـ قك ولو مرة كما يعـ انق الموج الصخور.
وأحلم أني نائمة وتوقظني بقـ بلة أنسى بها الدنيا وما فيها من شرور.
وسأصبح أسعد فتاة في الدنيا لو وجدتك تبادلني نفس الشعور.
أحبك يا حبيبي المجهول.
لا. بل أعشقك بجنون.
انتهت من القراءة وساد الصمت لبرهة. نظرت إليه فوجدت عينيه تلمعان ووجهه يشع بالحب والدهشة. همس بصوت مختنق: إنتِ... إنتِ كتبتي الكلام ده علشاني؟
أومأت برأسها وابتسامتها لا تزال مرسومة على شفـ تيها: أيوه... ليك ومش لحد تاني إنت الوحيد اللي بكتبله من قلبي.
اقترب منها أكثر وقال بنبرة لا تزال عالقة في سحر القصيدة: بحبك يا لمار… بس استني ليه كتبتي إني "مجهول"؟ إنتِ مش عارفة أنا مين؟
هزّت رأسها برقة وردّت بصوت خافت تملأه الحيرة والعاطفة: كل اللي أعرفه إنك حبيبي المجهول.
رمشت بعينيها للحظة... فاختفى. نهضت فجأة قلبها يخفق بعنـ ف نظرت من حولها فلم ترَ أحدًا. الورقة لا تزال بين يديها والقلم ملقى على الأرض
لكن رائحته كانت لا تزال تعبق في المكان نفس العطر الذي يملأ أحلامها كل ليلة.
وقبل أن تنهض من الفـ راش لمحَت شيئًا غريبًا على حافة الطاولة… زهرة ياسمين ذابلة لم تكن هناك من قبل.
تقدمت ببطء أمسكت بها بيد مرتعشة ثم شهقت… نفس الزهرة كانت في حلمها الليلة الماضية وكانت في يده تمامًا.
نظرت حولها خائفة مذهولة ثم همست: لا... دا ماكنش حلم!
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة بسمة بدران، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
