رواية جديدة ساحر الليل لبسمة بدران - الفصل 1 - الأحد 27/4/2025

 

قراءة روايةساحر الليل كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية ساحر الليل

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة بسمة بدران


الفصل الأول 


تم النشر يوم الأحد 

27/4/2025

ما قبل البداية


 المكان حي المنيل بالقاهرة.

الزمان: مايو 2011.

في أحد المنازل متوسطة الحجم، وتحديدًا في غرفة فارس، ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر ربيعًا،

كان يجلس أمام مكتبه في غرفته، منكبًا على كتبه، يذاكر دروسه بتركيز شديد.

ترك قلمه فوق سطح المكتب عندما أبصر والدته تدنو منه مردفة بحنو:"فارس، خلصت يا حبيبي؟ أبوك وفهد قاعدين مستنيينك على السفرة."


"لسه يا ماما، عندي مذاكرة كتير."


منحته ابتسامة عذبة وهي تمسد فوق خصلاته الحريرية السوداء بحنو: "ماشي يا حبيبي، كل لقمتين وارجع لها تاني."


أومأ موافقًا، ثم استقام واقفًا، وخرج معها إلى الخارج.


بعد لحظات، التفوا جميعًا حول مائدة الطعام، يتناولون عشاءهم في صمت، حتى قاطع هذا الصمت صوت والده الرخيم: "فارس، عامل إيه في دراستك؟ محتاج تاخد دروس مع مدرس؟"


أجابه فارس بثقة: "لأ يا بابا، تمام الحمد لله، أنا ماشي كويس ومش محتاج دروس."


ابتسم له والده بإيماءة خفيفة، ثم أردف بجدية: "اسمعني كويس يا ابني، انت شاب محترم وكويس بجد، مهذب وعلى خلق. بس إنت خجول، وهادي ومنطوي، وبتحب العزلة، وبتتكلم قليل."


أيد فهد، الصغير ذو الخمسة عشر ربيعًا، حديث والده: "فعلاً يا بابا، حتى صحابه بيقولوا عليه معقد."


زجره والده بحدة: "اعتذر لأخوك فورًا يا فهد!"


نكس الصبي رأسه أرضًا مغمغمًا بخفوت: "آسف يا فارس."


مسد على ظهره بحنو: "ايوة يا فهد، أنا عارف إنهم بيقولوا كده عشان أنا مش بختلط بيهم، بس دي طبيعتي، والله غصب عني، أنا مش بحب القعدة مع الناس.

صدقوني، الموضوع مش بإيدي."


ترك كوب الماء الذي كان يرتشف منه ثم استقام: "الحمد لله، هدخل أوضتي أكمّل علشان عندي شوية واجبات متأخرة."


أومأ له والده، فاستدار متجهًا إلى غرفته.

تابعه والده بناظريه حتى ولج وأغلق الباب من خلفه ثم وجه حديثه لفهد: "فهد، قولّي كمان بيقولوا إيه على أخوك؟"


صمت الصغير، فشعر الحاج أمين أن ابنه يخشى الحديث كي لا ينهره كما فعل منذ قليل،

فرمقه باطمئنان: "قول يا فهد، متخافش."


ارتشف فهد رشفة من كوب الشاي بالحليب خاصته: "بيقولوا عليه مغرور وتقيل ومتوحد."


ضربت السيدة نعمة على صـ درها بيدها: "نعم؟! يا نهار أبيض! ازاي يقولوا كده على ابني؟

دول ناس غيورة وحقودة، عشان هو أحسن منهم فارس محترم ومجتهد."


خفض الصغير رأسه أرضًا: "بس يا ماما، دي الحقيقة، فارس بيحب يقعد لوحده، ومش بيكلم حد."


أومأ والده متفهمًا، وسلط بصره على طبقه وهو يشعر بالخوف الشديد على ابنه الأكبر، الذي يعلم أنه سيعاني كثيرًا في حياته القادمة.


❈-❈-❈


بعد مرور ثلاثة أشهر،

ضجت الزغاريد في منزل الحاج أمين الرفاعي

فقد نجح ابنه الأكبر فارس بتفوق في الثانوية العامة،

وحصل على 98%، مما يخوّله لدخول كلية الهندسة قسم الإلكترونيات، كما يحب هو.


هنأه والده بسعادة، وكذلك والدته وأخوه الأصغر،

وبعد وقت ليس بالقليل، عاشه مع أسرته في سعادة غامرة بسبب هذا الخبر العظيم

استأذن منهم كي يذهب للتجول على ضفاف النيل، فوافق والده على الفور.


وها هو الآن يتجول على ضفاف نهر النيل،

وفجأة أبصر فتاة صغيرة تقف بمفردها، تتلفت يمينًا ويسارًا،

فركض باتجاهها، ثم انحنى بجذعه ليبقى في مستوى طولها.

شعر بوخزة في قلبه عندما رأى دموعها تبلل وجهها بالكامل، فسألها بلهفة: "مالك يا قمر؟ بتعيطي ليه؟"


أجابته بصوت متقطع من أثر البكاء: "ماما... مش لاقية ماما... والنبي دورلي على ماما... أنا خايفة أوي."


مسد فوق خصلاتها البنية بحنان، ثم حملها بين يديه وهو يسألها بهدوء: "اسمك إيه يا حبيبتي؟"


أجابته وهي تبكي: "لمار."


قبل وجنتها برقة: "لمار! اسمك جميل أوي...

ما تعيطيش يا لمار، أنا بوعدك إني هلاقي مامتك

قوليلي، عندك كام سنة؟"


"حداشر."


"حداشر؟ صغيرة أوي... وبتروحي مدرسة؟"


أجابته بحماس وسط دموعها: "آه، أنا في السنة..."


قاطعها صوت والدتها الباكي، التي لمحتها بين يدي فارس، فهرولت باتجاهه، والتقطت ابنتها في حضـ نها وهي تشكره بكلمات غير مترابطة: "ألف شكر يا ابني، ربنا يخليك... لقيتها فين؟"


أجابها بهدوء: "كانت واقفة هنا لوحدها، وكانت بتعيط جامد."


ضمتها لصـ درها أكثر، ثم رمقته بعين ممتنة: "متشكرة أوي... اسمك إيه؟"


"فارس. اسمي فارس."


ابتسمت بعذوبة: "فارس... اسمك فارس، وانت فعلاً فارس يا فارس."


بادلها الابتسامة، ثم استأذن منها بلباقة، عازمًا العودة إلى منزله، لكن بمشاعر جديدة عليه.

فمنذ ذلك اليوم، وصورة تلك الصغيرة تراوده في صحوه وفي منامه.


❈-❈-❈


بعد مرور خمس سنوات قضاها فارس في المذاكرة بجدٍ واجتهاد، كي يصل إلى ما يريد،

ها هو اليوم يتخرج من الجامعة بتقدير امتياز.

غمرته فرحة عارمة، فقد كان يحلم دائمًا أن يصبح معيدًا في الجامعة ذاتها.


لكن، ولسوء حظه، لم يتم تعيينه،

إذ عُيّن زميل له مكانه، رغم حصوله على تقدير أقل، فقط لأن والده كان يشغل منصب عميد بالجامعة.

لكن... هذه هي الحياة.

فمن يريد منصبًا معينًا في ذلك الوقت، لا بد أن تكون لديه "واسطة" تخوّله للحصول عليها.

وفارس، مع شديد الأسف، لم يكن يملك تلك الواسطة فوالده مجرد موظف بسيط.


ورغم خيبة الأمل، حمد الله على ما رزقه، وقرر أن يبحث عن فرصة في إحدى الشركات الكبرى.


وأثناء ذهابه ذات يوم إلى شركة تطلب موظفين جدد،

أبصرها... هي، ساحرته الصغيرة.

تمشي بجوار صديقاتها، تمزح وتضحك بصوت مرتفع.

ولوهلة، شعر برغبة عارمة في الاقتراب منها، ليذكرها بنفسه.


لكنه تراجع.


"يمكن ما تفتكرنيش... أو ممكن تتحرج وسط صحابها."

فضل أن يتبعها بصمت، حتى نسي أمر مقابلته في الشركة.

ابتسم بعذوبة وهو يتأملها، ترتدي ثوب المدرسة الخاصة، وشعرها البني مرفوع على هيئة ذيل حصان، مما جعلها آية في الجمال.


ولمَ لا؟

فهي بالفعل كذلك.


تابعها بنظراته حتى اختفت داخل المدرسة، ثم استدار عائدًا من حيث أتى، لكنه، وللأسف الشديد، قد فقد مقابلته العملية.


ستمضي السنوات، وهو يراقبها من بعيد.

لم يمتلك الشجاعة للاقتراب منها أو الحديث إليها.

بينما هي... لم تكن تشعر بوجوده من الأساس، ولم تتذكره حتى.


ومضى عام آخر، وفارس ما زال يبحث عن عملٍ مناسب.

وها هو الآن يستعد لمقابلة مهمة في شركة كبيرة.

يقف أمام المرآة، يصفف خصلاته الحريرية السوداء، وأخوه الأصغر فهد يمسك رابطة عنقه، ينتظر اللحظة المناسبة لعقدها له.


بعد لحظات، أنهى فهد عقد رابطة العنق، وأطلق صفيرًا من فمه، هاتفا بإعجاب: "ياااه! شكلك يجنن والله يا فارس الشركة دي كسبانة بيك."


ضحك فارس وربّت بخفة على رأس أخيه وهو ينحني ليرتدي حذاءه: "تسلم يا فهد... أنا كمان عايزك تتخرج وتيجي تشتغل معايا."


هز فهد رأسه بعنف:"لأ لأ لأ... أنا نفسي أسافر الخليج، أشتغل مهندس بترول، أجمع فلوس كتير، وبعدها أرجع مصر وأفتح مشروعي الخاص."


رمقه فارس بنظرة إعجاب صامت.

فلطالما كان فهد أكثر جرأة شخصيته قوية، يعرف ماذا يريد.

حسده في داخله على تلك الشخصية الفريدة التي يمتاز بها، على عكسه تمامًا.

فرغم أن فارس قد تجاوز الخامسة والعشرين، إلا أنه ما زال منطويًا، خجولًا، لا يعرف ما يريد بالضبط.


ربما لأنه من مواليد برج الجوزاء، وكل من يعرف هذا البرج، يدرك كم أن مواليده مترددون، لا يعرفون ما يريدون حقًا.


وبالفعل... قُبل فارس في الوظيفة، وأصبح مهندس إلكترونيات في شركة كبيرة،

ليبدأ أولى خطوات الكفاح الذي لطالما تمناه.


❈-❈-❈

الفصل الأول


حب مع إيقاف التنفيذ


في صباح يوم الأحد، كانت الشمس مشرقة، ودرجة الحرارة مرتفعة للغاية.

الشوارع مكتظة بالناس، ويبدو أن بها ازدحامًا مروريًا كالمعتاد.

الغضب يعلو الوجوه، والجميع في عجلة من أمرهم، بسبب تأخرهم عن أعمالهم.

الأصوات مرتفعة، سواء من الأشخاص أو من أبواق السيارات،

كما أن الوجوه مبللة من شدة العرق.


وصل فارس إلى الشركة التي يعمل بها، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.

فهو الآن في الثانية والثلاثين من عمره، ويعمل في شركة "الخطيب للإلكترونيات".

ويُعرف عنه أنه ماهر للغاية في عمله، نشيط، جاد إلى أبعد الحدود،

لكنه منطوٍ على نفسه بشكل ملحوظ، مما جعله بلا أصدقاء مقربين.


جلس فوق كرسي مكتبه،

ولم تمر سوى لحظات، حتى سمع رنين الهاتف الداخلي.

رفع السماعة، فاستمع إلى صوت سكرتيرة المدير على الطرف الآخر، تخبره: "أستاذ فارس، الأستاذ عادل موجود دلوقتي في مكتبه."


أجابها: "تمام، أنا جاي حالًا."


أغلق الخط، ونهض من مكانه متجهًا إلى مكتب المدير.

دقائق قليلة وكان أمام المكتب،

ولج بخطى ثابتة، فرآها تجلس خلف مكتبها، منكبّة على مجموعة من الأوراق،

تارةً تنظر إليها، وتارةً تعبث في لوحة مفاتيح الحاسوب الذي أمامها.


تنحنح بصوت خشن، فرفعت نظرها إليه.

التقت عيناها العسليتان بعينيه السوداوين فغمغمت بجدية: "أستاذ فارس، اتفضل الأستاذ عادل مستنيك

بس هو متضايق شوية، بيدوَّر عليك من الصبح، وإنت اتأخرت النهارده اوي."


أوما متفهمًا، وقال بلطف: "شكرًا."


ثم اتجه إلى مكتب السيد عادل الخطيب.

طرق الباب بخفة، وولج حين استمع إلى صوته يأذن له بالدخول.

أغلق الباب من خلفه، وتقدم للداخل بخطى بطيئة.

فسمع صوت المدير، يسأله بحدّة: "إتأخرت ليه يا فارس؟"


أجابه بارتباك واضح: "آسف يا أستاذ عادل... الزحمة كانت فظيعة النهارده."


رد المدير بلهجة صارمة: "كلنا بنمشي في نفس الشوارع وبنوصّل في ميعادنا وبعدين دي مش أول مرة تتأخر أنا هخصملك من مرتبك المرادي."


انخفض بصر فارس إلى الأرض، وتمتم بخفوت: "زي ما تحب يا أستاذ عادل."


سأله المدير بنبرة حاسمة: "وبالنسبة للاب توب بتاعي؟ عليه شغل مهم جدًا."


رد باحترام: "ماتقلقش يا فندم، هاجيبه لحضرتك حالًا."


رمقه المدير بنظرة إعجاب خفية، ثم قال مستغربًا: "يعني خلّصته؟"


"أيوه، خلّصت تصليحه امبارح."


ابتسم المدير بخفة، وتمتم: "شكلك فعلًا مهندس ممتاز زي ما بيقولوا ارجع لمكتبك وانسى موضوع الخصم."


شكره فارس كثيرًا، وخرج من المكتب وعلى وجهه ابتسامة جميلة.


أبصرها لا تزال على حالها خلف المكتب، فناداها بصوته الرخيم: "آنسة لمار... ممكن تيجي معايا تاخدي اللاب توب بتاع الأستاذ عادل؟"


أجابته وهي تنهض واقفة: "طبعًا، حاضر."


رمقها بنظرة إعجاب خفية، ثم أشار لها بالتقدم أمامه.

بادلته الابتسامة، ودلفت بصحبته باتجاه مكتبه.


❈-❈-❈


وفي ذات التوقيت،

في منزل السيد إيهاب صبري،

وقفت امرأة أربعينية أمام المرآة تتأمل جمالها بانبهار شديد.

إذ أن خصلاتها السوداء التي تصل إلى أسفل ظهرها، وعيناها الخضراوان اللتان تغطيهما أهداب كثيفة، وبشرتها الحليبية منحتها مظهرًا يفيض بالجاذبية.

ألقت قبـ لة على المرآة، ثم استدارت تنظر إلى الساعة المعلقة على أحد جدران الغرفة.

فشهقت بقوة، وهرولت باتجاه غرفة ابنتها.

فتحت الباب، وولجت صـ ارخة بحدة: "أروى! قومي يا بنتي، إنتي اتأخرتي على الجامعة!

آدم مستنيكي بقاله كتير تحت."


ألقت أروى الغطاء عنها بعصبية، وقفزت من على الفـ راش بمجرد أن سمعت اسم ذلك الشخص الذي تكرهه بشدة فصاحت بغيظ: "هو مستنيِّي ليه الغـ بي ده؟

روحي وقوليله يروح لوحده، أنا مش هاروح مع الأهبـ ل ده!"


نهرتها والدتها بحدة: "ليه بس كده يا أروى ده بيحبك وبيخاف عليكي جدًا."


ضحكت أروى بسخرية خالية من المرح: "يحبني؟ آه طبعًا، أنا عارفة! ده بيتحكم فيا وفي كل تصرفاتي.

أنا بكرهه يا ماما!

ولو مش بحب بابا إيهاب، كنت قولتلك تطلبي منه يبعد عني خالص."


شعرت الأم بالحزن،

فأدركت أروى فوريًا ما تفوّهت به.

دنت من والدتها، واحتضـ نتها بقوة قائلة: "آسفة يا ماما، والله ما كنت أقصد اللي فهمتيه بس أنا متضايقة.

آدم بيضايقني قدام صحابي، وساعات بيهني لما أعمل تصرف مش على مزاجه."


أبعدتها والدتها بلطف، ومسدت على وجهها الناعم، ثم نظرت في عينيها الزيتونيتين وغمغمت بهدوء: "متزعليش يا أروى، أنا بوعدك هاتكلم مع آدم في الموضوع ده، اتفقنا؟"


أومأت برأسها موافقة،

فأردفت الأم: "خلاص، يبقى قومي غيري هدومك عشان تنزلي معاه."


هزت رأسها باستسلام، وذهبت تنفذ أوامر والدتها.

في حين تنهدت السيدة غادة بعمق.

فرغم مرور أكثر من عشر سنوات على زواجها، لم تستطع أن تُؤلّف بين قلبَي آدم وأروى.

لقد حاولت مرارًا هي وزوجها أن يجعلاهما كالأشقاء، لكن محاولاتهما باءت بالفشل.

فكلاهما لا يطيق الآخر.


❈-❈-❈

توقف بسيارته أمام الجامعة، ثم ترجّل منها ودَار حول السيارة ليفتح باب ابنته.

 ثوانٍ قليلة، ومدّ لها يده فتمسّكت بها وهبطت من السيارة.

 منحته ابتسامة جميلة، فطبع قبـ لة عميقة فوق جبينها، مغمغمًا: "أتمنى لكِ يوم جميل زيك يا جوري."

أجابته بحب: "وأنا كمان يا بابا عندك شغل النهاردة؟"

"أيوة يا جوري، النهاردة عندي عرض برنامج (اسأل مسؤول)، مش فاكرة؟"

أومأت له بالإيجاب، فاستطرد قائلًا "طيب، يلا على محاضراتك، واتصلي بيّا بعد ما يخلص يومك."

أومأت موافقة، ثم وقفت على أطراف أصابعها وطَبَعت قبلة طويلة على وجنته، وهرولت نحو الداخل.

 تابعها بنظره حتى اختفت وسط الحشود.

 ثم عاد إلى سيارته، عازمًا على الذهاب إلى المحطة الفضائية التي يعمل بها.

إنه السيّد مراد حامد، مُخرج برنامج (اسأل مسؤول) الذي تُقدّمه مُقدّمة البرامج ملك يوسف.

 توفيت زوجته منذ خمس سنوات، فاهتم هو بابنته الوحيدة، جوري.

 كان يُعاملها كملكة مُتوّجة، وحاول بشتى الطرق أن يُعوضها عن غياب والدتها الحبيبة.

وكان هذا الرجل على قدرٍ عالٍ من الوسامة.

 يمتلك شعرًا بلون القهوة، تتخلله بعض الخُصلات البيضاء، مما زاده جاذبيةً ووقارًا.

 وعيناه كانتا بلون الزمرد، وشاربٌ ولحية زادت ملامحه جمالًا فوق جماله.

❈-❈-❈

  

**عودة إلى شركة الخطيب.**

 

طرقت لامار طرقات خفيفة على باب مكتب المدير، فأذن لها بالدخول. 

لم تمر سوى ثوانٍ حتى كانت تقف أمامه، تضع حاسوبه المحمول على مكتبه اعتدلت في وقفتها، فباغتها بالإمـ ساك بيد ها بينما كان ينهض من كرسيه

 حاولت سحب يد ها، لكنها لم تفلح جذبها إليه حتى اقتربت منه، وراح يغازلها بوقـ احة شديدة، مردفًا بصوت خافت: "إنتِ حلوة أوي، وشكلك يجنن لما ببصّ لعينيكي العسلية دي بحس إني مراهق صغير. وشعرك الأشقر اللي نازل على كتفك بيثيرني إني ألمسه دايمًا. أما شـ فايفك... وااه من شـ فايفك!"

 

رفعت يدها بعـ نف وسحبتها من بين يديه، ثم قاطعته بحدة: "أنا مش هاسمحلك تتكلم معايا بالشكل ده تاني! أنا باعتبرك زي أبويا، ما تتماداش معايا مرة كمان، وإلا هسيب الشغل فورًا. فاهم؟!"

 

ألقت كلماتها دفعة واحدة، ثم اندفعت خارجة من المكتب، بينما في داخلها يشـ تعل بركان من الغضب.

 

السيد عادل الخطيب، مالك تلك الشركة، رجل ذو شخصية قاسية ومتعجرفة ثري للغاية وعاشق للنساء، بإمكانه إنفاق أموال طائلة للفوز بأي امرأة تعجبه ورغم أن عمره تجاوز الخمسين، إلا أنه لم يتزوج قط، مفضلاً أن يعيش حرًّا طليقًا، يتذوق من كل طبق يعجبه. سعى جاهدًا للحفاظ على جـ سده المتناسق كي يبدو أصغر من عمره الحقيقي، ولهذا كانت الكثير من النساء يتوددن إليه دائمًا.

 

❈-❈-❈


شهقت جوري بقوة عندما أبصرت قاعة محاضرتها مغلقة أخذت نفسًا عميقًا، وطرقت الباب ثم دخلت لكن صوت المعيد الحاد أوقفها: "إنتِ يا آنسة رايحة فين؟"

 

استدارت إليه وردّت بخفوت: "أنا آسفة على التأخير، من فضلك ممكن تسمحلي أدخل؟"

 

 "أسف يا آنسة، ارجعي زي ما كنتِ، مفيش حد بيدخل القاعة بعدي. والكلام ده للكل... من النهارده مفيش طالب أو طالبة هيدخل المحاضرة من بعدي. واضح؟"

 

غمغم الطلبة بالموافقة،

 ثم أردف بنبرة صارمة: "لازم تحترموا المواعيد."

 

رمقته بنظرة عتاب، ثم خرجت والدموع تنهمر من عينيها بغزارة. 

كانت تسير بخطى واسعة بالكاد ترى أمامها من كثرة الدموع، فاصطدمت بإحداهن. همّت بالاعتذار، لكنها توقفت عندما تعرّفت على هوية الفتاة.

 

فقد كانت أروى، صديقتها المقربة، التي شهقت وسألتها بقلق: "إيه ده! بتعيطي ليه؟ حصلّك حاجة؟"

 

هزّت رأسها نفيًا، وردّت بصوت متقطع: "الدكتور حازم طردني من المحاضرة..."

 

 "وعشان كده بتعيطي؟! يا نهار ابيض إنتي عبيطة! تعالي بينا نشرب حاجة في الكافيتريا وانسي الموضوع ده."

 

جذبتها من يدها واتجهت بها نحو الكافيتريا، بينما دموع الأخرى ترفض التوقف.

 

وعلى الرغم من أن جوري وأروى صديقتان مقاربتان، إلا أنهما تختلفان تمامًا من حيث الشكل والمضمون.

 

جوري فتاة هادئة وخجولة، جمالها هادئ وبريء، تمتلك عينين بلون القهوة، وشعرها يماثل لونهما، وبشرتها خمرية، وهي صغيرة الحجم.

 

أما أروى، فهي شخصية عنيدة ومتهورة، منفتحة للغاية، ذات جمال صارخ، عيناها زيتونيتان، وخصلات شعرها السوداء تنساب حتى آخر ظهرها بشرتها بيضاء حليبية، وتشبه والدتها إلى حد كبير.


❈-❈-❈

انتشرت ضحكات يارا في أرجاء المكتب، مما دفع لامار إلى التحديق بها بغيظ شديد: "كفاية ضحك يا يارا! مش شايفة إني متضايقة جدًا؟"


حاولت يارا كبت ضحكاتها، ثم سألتها بسخرية: "وإيه اللي مزعلك إنتِ عارفة كويس إن الراجل العجوز ده مهووس بالستات يعني لازم تفضلي تصديه على طول ومرة ورا التانية هيتعب ويسيبك في حالك فاهمة؟"


لامار تنهدت قائلة: "وإن ما عملش كده يا يارا؟"


لوت يارا شفـ تيها بعدم رضا، وقالت بنبرة مازحة: "ساعتها نضـ ربه... أو نعمله عملية صغيرة!"


نظرت إليها لامار بدهشة: "عملية؟ قصدك إيه؟"


قهقهت يارا بصوت عالٍ: "عملية تخليه زيي وزيك!

فاهماني؟"


انفـ جرت لامار بالضحك، وشاركتها يارا ضحكاتها.

في تلك اللحظة مرّ فارس من أمام المكتب، فلاحظته يارا وهتفت: "شايفة الشاب الشيك ده يا لمار

ده شاب مثالي، بس للأسف دمه تقيل وكئيب بطريقة غريبة... ومثير للشفقة كمان."


أومأت لامار برأسها، موافقة على حديثها، غير منتبهتين أن فارس قد استمع لكل كلمة

غادر وهو يشعر بحزن شديد يعصر قلبه.


❈-❈-❈


بعد أن ساعدته في ارتداء قميصه، أجلسته على المقعد المقابل لطاولة الزينة، وبدأت تمشط خصلات شعره السوداء المختلطة بخيوط بيضاء

ثم وضعت ذقنها فوق كتفه الأيمن، تتأمل صورتهما المنعكسة في المرآة، وابتسامة جميلة تزين ملامح وجهها.


استدار نحوها، وطبع قبـ لة خفيفة على شفـ تيها، هامسًا بأنفاسه الحارة التي جعلتها تذوب: "كل يوم بشوفك أجمل من اليوم اللي قبله يا غادة...

بجد أنا بحمد ربنا كل يوم إنه بعتك في طريقي

مش عارف كنت عملت إيه من غيرك."


جلست على سـ اقه، وطوقت عنقه بذراعيها: "ده قَدَر يا إيهاب من ساعة ما دخلت حياتنا أنا وأروى، وحياتنا كلها اتبدلت بقت جنة. تعرف؟"


نظر إليها باهتمام، فاسترسلت وهي تضع رأسها على صـ دره، تستمع إلى دقات قلبه: "أنا بحبك فوق حب المحبين حبًا..."


قهقه بصوت عالٍ، وضمّها إليه أكثر: "وأنا بعشقك فوق عشق العاشقين عشقًا!"


تعالت ضحكاتهما، لتملأ أركان الغرفة التي شهدت كثيرًا من لحظاتهما العاطفية العميقة.


❈-❈-❈


انتهى الدوام وعاد الجميع إلى منازلهم.

وقف فارس أمام باب بيته، وأدخل المفتاح، لكن صوت جارته، الحاجة أمينة، أتاه وهي تهتف بلهاث: "يا فارس... الحمد لله إني لحقتك!

تعال يا ابني اتغدى معانا، زيزي عملتلك أكل يجنن مخصوص."


تنهد بضيق، فهذا الموقف يتكرر يوميًا، وكالعادة رفض: "آسف يا حاجة أمينة، مش قادر آكل، مش في المود."


فتحت فمها لتعترض، لكن ابنتها ظهرت من خلفها واقتربت من فارس، وجذبته من ذراعه بقوة، قائلة بصوتها الرفيع: "يا قمر، تعال كل معانا، يمكن نفسنا تتفتح!"


ابتسم مجاملة، ثم سحب يده بسرعة، وفتح الباب ودخل بسرعة وأغلقه خلفه، وهو يتمتم بارتياح: "الحمد لله عرفت أهرب المرة دي."


توجه إلى الحمام ليغسل جـ سده بالماء البارد، محاولًا إزالة آثار التعب.

خرج بعد دقائق، يلف جـ سده بمنشفة كبيرة.

ارتدى بنطالًا قطنيًا مريحًا، وقميصًا دون أكمام، ثم تمدد على الفـ راش.

فهو معتاد النوم في هذا الوقت يوميًا.


لكن ما إن أغمض عينيه، حتى تذكر حديث لمار وصديقتها عنه، ضحكاتهما وسخريتهما.

كسا الحزن ملامحه، وظل يتقلب في فـ راشه يمينًا ويسارًا، حتى غلبه النوم أخيرًا بعد عناء طويل.


❈-❈-❈


قبل قليل، صاحت بصوت مرتفع: "ياااه يا ماما أعمل إيه علشان الوسيم ده يبصلي؟

ده حتى مش شايفني! هو أنا وحشة للدرجة دي يا ماما؟"


شعرت والدتها بالشفقة تجاهها، فربّتت على رأسها بحنان وقالت: "لأ يا بنتي... إنتي جميلة جدًا، من جوه ومن برّه."


 "أمال ليه مش بيبص في وشي؟"


صمتت والدتها، فلم تجد ما تقوله لتواسي قلبها المحبط.


 "جاوبيني يا ماما هو أنا وحشة"


وقفت تتفحص ملامحها أمام المرآة، وراحت تدقق في تفاصيل وجهها.


أجابتها والدتها أخيرًا: "إنتي مش وحشة يا بنتي، خالص بس أوعدك... أوعدك إني هاعمل كل اللي أقدر عليه علشان يحبك."


ركضت إليها وجلست بجوارها على أحد مقاعد غرفة المعيشة: "إزاي هتخليه يحبني؟ هتعملي إيه؟"


ابتسمت السيدة ابتسامة كبيرة رسمت بهجة على وجهها البشوش: "هاخدك بكرة على عيادة تجميل كبيرة وبعد كده، هنعزمه على العشا عندنا"


صفقت بحماس، وراحت تقفز كالأرنب في مكانها: "بجد يا ماما؟"


 "أيوه يا بنتي، أنا أصلاً بحب الولد ده من زمان... من وهو صغير ده مثال للأخلاق والرجولة.


"والوسامة، يا ماما! ما تنسيش الوسامة!"


قهقهت العجوز بصوت مرتفع: "والوسامة، يا بنتي

بس أوعي تزعلي، كله هيبقى تمام إن شاء الله."


❈-❈-❈


 "يا مامااا... إيه الجمال ده إنتي شكلك في التلاتينات!"


قالت لمار تلك الكلمات وهي تعدل من ملابس والدتها.


ابتسمت السيدة ملك ابتسامة عذبة: "بقيتي بتجامليني كتير الأيام دي يا لمار!"


 "بجد يا ماما إنتي جميلة أوي مش بتسمعي الناس بيقولوا إيه عنك على السوشيال ميديا؟

ده عندك متابعين كتير على الفيسبوك، وإنستجرام، وتويتر كمان

اسم ملك يوسف بقى ماركة لوحده"


أطلقت السيدة ملك ضحكة مجلجلة، ثم قبّلت جبين ابنتها بحب: "يلا، كلي عشاك واتفرجي على البرنامج قبل ما تنامي."


 "طبعًا يا ماما، لو أنا مش هشجعك، مين هيشجعك؟"


ضـ ربتها بخفة على رأسها: "ما إنتي لسه قايلة إني عندي متابعين كتير!"


 "صح بس برده أنا أهم واحدة"


نظرت إلى ساعتها الذهبية التي تزين معصمها الأيسر، ثم طبعت قبـ لة في الهواء لابنتها، وغادرت بينما كانت لمار تتابعها بعينين مملوءتين بالفخر والإعجاب.


السيدة ملك يوسف،

مقدمة برامج شهيرة على واحدة من أكبر المحطات الفضائية.

تبلغ من العمر خمسةً وأربعين عامًا لم تنجب سوى لمار، ابنتها الوحيدة عيناها مزيج ساحر من العسلي والأخضر،

وشعرها الأشقر القصير بالكاد يصل إلى كتفيها بشرتها حليبية وناعمة كبشرة الأطفال.

توفي زوجها، السيد يوسف مختار، منذ خمسة عشر عامًا،

فأصبحت لابنتها الأم والأب معًا.


❈-❈-❈


في منتصف الليل،

استيقظ فارس وهو يشعر بضيق في صـ دره

نهض من فوق فــ راشه، يلتقط أنفاسه بصعوبة.

رفع يده يمسح حبات العرق عن جبينه ، ثم أزاح خصلات شعره التي تمردت فوق وجهه.

توجه نحو النافذة وفتحها...


فإذا بغيوم كثيفة تتقدم نحوه، تصدر أصواتًا صاخبة، كأنها عاصفة ترابية من أيام أمشير. بدّلت نسمات الليل الهادئة إلى موجة حارة محملة بالأتربة.


شعر بالفزع وكاد أن يغلق النافذة، لكنه تجمّد في مكانه، واتسعت حدقتاه رعبًا عندما سمع صوتًا خافتًا يناديه: " اسبت مكانك يا فارس ولا تتحرك

فأنا الذي سأساعدك كي تحصل على حبيبتك لمار".


يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة بسمة بدران، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة


إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل