خرج من الممر فارس وهو يحمل سارة التي سقطت مغشي عليها
وأحمد يسند لين على صدره
خارجين بهم من المستشفى
ولكن تقابلت الوجوه مع زين ومازن بعدما أخذوا التذاكر وإلتفوا حتى يصعدوا بالمصعد
نظر زين بصدمة لفارس وأحمد عندما رأهم بتلك الحالة التي يرثى لها
سارة يحملها كأنها جثة هامدة ولين التي على وشك فقدانها للوعي هي الآخرى
تقدم زين الخطوات الفاصلة بينهم وقال بزعر:
-فارس في إيه،ايه اللي حصل
لم يكن فارس معه بل كان نظره ثابت على شخص واحد لم يراه لعدة سنوات ومع ذلك
عرفه منذ أن وقعت عيناه عليه،تلونت عيناه بالجحيم عندما تأكد من وجوده بمصر
حديث أمه صحيح فبالفعل سارة قابلت مازن!
هبطت عين مازن على سارة التي لا حول لها ولا قوة بين يدين فارس مستسلمة لقدرها
تعالت دقات قلبه بشدة عندما رأها بذلك الوضع لا يعلم ما بها ولما هي مستلقية بذلك الشكل المهلك للأعصاب
لم يهمه نظرات فارس له ولم يهمه صدمته البادية على وجهه ولا نظرات أحمد أخيه المشتعلة بالخوف مما سيفعله أخيه به
وتركهم وغادر المكان بهدوء متجهاً للمصعد
إلتف فارس برأسه للخلف ناظراً إليه وهو يدخل المصعد حتى لقطت عيناه الدور الصاعد إليه المكتوب باللون الأحمر فوق باب المصعد
عاد بأنظاره مرة أخرى للأمام مخصصاً زين بنظرة قاتلة قبل أن يحرك قدميه للخارج وأحمد خلقه ناظراً لزين بشفقة عما سيرى من أخيه
تمسك زين بيد أحمد وهو يقول بقلق:
-فيه ايه يا أحمد...انتوا هنا ليه
لم يهمه نظرات صديقه ولا أنه كشفه وعلم علاقته بمازن كل ما همه هو تلك المصيبة التي جاءت بهم لهنا
رد عليه أحمد قبل أن يتركه ويخرج من المستشفى:
-جدي محمد تعيش إنتَ...وأنا رايح أوصل البنات
إهتز زين قليلاً من الخبر قائلاً:
-لا حول ولا قوة إلا بالله....البقاء لله
أماء له أحمد وتركه وخرج خلف أخيه
واضعين سارة ولين بالسيارة
ركب أحمد في كرسي القيادة وغادر المكان سريعاً متجهاً للقصر
أما فارس فعاد مرة أخرى للداخل حتى ينهي إجراءات خروج جده من المستشفى ومراسم دفنه
وجد زين واقف مكانه كما تركه وعلى ما يبدو أنه منتظره
جاء فارس ليتخطاه،مسك زين معصمه وهو يقول بحزن:
-البقاء لله يا صاحبي،ربنا يجعلها أخر الأحزان
خصصه بنظرة قاتلة صابت هدفها،نظر زين للأسفل بخزى قبل أن يتمتم بصوت منخفض:
-هفهمك كل حاجة بس ياريت تعدي اليوم يا فارس
-رن على عم مصلحي يجهز المدفن
قالها فارس قبل أن يتجه لغرفة الاستقبال مرة أخرى،وجد أبيه يجلس جوار جثة جده على الفراش يبكي جواره بهدوء
خرج مرة أخرى دون أن يتحدث مع أبيه إلى الاستقبال لينهي إجراءات وفاة جده وتغسيله وخروجه من المستشفى
❈-❈-❈
توقف أحمد بالسيارة أمام باب القصر الداخلي
ونزل من السيارة سريعاً بعدما فتح بابها
متجهاً للباب الخلفي حتى يخرج لين وسارة
مسك يد لين وأخرجها بيسر ومن ثم سندها وأدخلها للبهو
وعاد مرة أخرى وهو يحاول إفاقة سارة بقارورة المياه التي جلبها من الداخل وبعد المحاولة الثانية فتحت سارة عيناها أخيراً وهي تنظر حولها وفي لحظة تذكرت ما حدث وعادت لبكائها مرة أخرى
أخرجها أحمد من السيارة وسندها حتى جعلها تجلس بجوار لين
أما سارة زوجة إبراهيم كانت تجلس جوار مالك بغرفته تحاول تهدئته بعدما إنفعل عليه إبراهيم وهم خارجين بمحمد للمستشفى
وأخيراً قد خلد للنوم
نزلت سريعاً لأسفل عندما استمعت لصوت بوق سيارة أحمد
وجدت سارة ولين جالسين بالبهو كل واحدة منهم حالها لا يسر عدو
وجهت سؤالها لأحمد الواقف جوار لين يحرك كفه على ظهرها بهدوء :
-إيه يا أحمد اللي حصل؟
-جدو تعيشي إنتِ يا ماما
ردت سارة على إبنها بصوت حزين:
-لا إله الا الله...ربنا يرحمه يا حبيبي ويبارك فيكو
❈-❈-❈
جلس "علي" على كرسي مكتبه يتحدث في الهاتف وهو يقول بضحك:
-البقاء لله يا مُنير بيه في حمى بنتك العزيز
ضحك منير هو الأخر قائلاً بحزن مصطنع:
-الدوام لله يا علي منجلكش في حاجة وحشة أبداً
ثم استكمل حديثة مذكراً به علي حتى ينغص عليه فرحته:
-بس متنساش يا علي إن لسه في ٢ غيره
وطول ما فارس في السوق هيفضل معلم عليكوا
-بتفكرني ليه يا منير طب سبني أفرح يا جدع
ضحك منير بشدة وقال:
-لازم أفوقك يا صديقي العزيز....إلى اللقاء قريباً
ردد علي جملته وهو يقول بإستغراب:
-قريباً!
أماء منير كما لو كان يراه وقال بجدية:
-نازل بكرة إن شاء الله أنا ووائل..... إنتَ عارف إني لازم أقدم واجب العزاء
-طبعاً يا باشا إنتَ مبيفوتكش أي واجب وبالذات لو كان لعيلة الهواري
❈-❈-❈
دخل مازن الڤيلا بعدما إطمئن على والدته وجد أبيه يجلس في بهو الصالة يشاهد التلفاز
جاء ليصعد لغرفته وجد أبيه يناديه
نظر له بضيق وهو يقول بتساؤل:
-خير
-روحت لشمس النهاردة؟
-لسه جاي
-حد طمنك؟
رد عليه وهو يدير ظهره لأبيه قاصداً درجات السلم لكي يصعد لغرفته:
-فيه تحسن
حمد الله في سره قبل أن يقول بجدية:
-هتيجي معايا نعزي في محمد الهواري
عاد مرة أخرى حتى أصبح يقف أمامه مباشرةً
وقال بنبرة أشد جدية من نبرة أبيه:
-أنا اللي رجعني هنا تاني هو مرض أمي وبس
ولولا كده عمري في حياتي ما كنت هبص في وشك تاني فبلاش طريقتك دي
-كل ده ليه؟...عشان صلحت غلطتك وطيش شبابك
-مكنش طيش شباب يا علي بيه إنتَ دمرتني
وبعدتني عن أكتر إنسانة قلبي حبها
قام علي من على مقعده حتي وقف أمامه بطوله الفارع وهو يقول بغضب:
-قلبك محبش غير بنت الهواري،اللي سلمت نفسها ليك في الحرام تسلمه لغيرك عادي
كنت عاوزني أجوزهالك وأسلمها اسم العيلة كده بسهولة
إقترب مازن بوجهه وقال وهو يضغط على كلامه:
-مكنش في الحرام وإنتَ أكتر واحد عارف إنه مكنش في الحرام
-فاكر الورقتين العرفي اللي كنت ضاربهم معاها دول حلال
رد عليه تلك المرة بصوت عالي والعصبية تخللت هدوئه:
-جوازي منها كان متوثق وعند مأذون وده اللي خلي فارس يستنى ٣ شهور عشان يتجوزها بعد ما طلقتها... اوعي عمرك تقول في الحرام
أنا مش زيك يا علي بيه ولا عمري هكون زيك
إبتسم علي إبتسامة بسيطة قائلاً بهدوء:
-إنتَ ليه فاكرني ضدك،يا حبيبي أنا أبوك وأكتر إنسان نفسي أشوفك ناجح ومبسوط
واللي حصل زمان ده كله عشان مصلحتك
-هتقولي مصلحتك تاني؟...انت عجبك حالي دلوقتي بعد ما عملت اللي في مصلحتي
-انتَ اللي غبي وسيبت وطنك وسافرت بعد ما كنت مأسسلك حياة هتخلي عيلة الهواري كلهم في الأرض
-أنا من غيرها شريد مليش وطن
قالها مازن بكسرة ودموع القهرة اغرورقت بعيونه وهو يصيح بحزن:
-خليته ياخدها من بين حضني بالملاية،خرجت مراتي بالملاية...لعبت لعبتك القذرة ودمرتني
بس تعرف مش عارف أكرهك يا أخي عاوز أجرحك وأردلك اللي عملته بس مش عارف
لأنك للأسف أبويا
توتر علي من مظهر ابنه الذي تغير مئة وثمانون درجة وابتدت إمارات الوجع تظهر على وجهه
بداية من إحمرار وجهه الشديد ودموع عيناه التي يحبسها بالغصب
قال في محاولة منه لإقناع ابنه بما فعله في الماضي:
-أنا كنت فكرك بتلعب بيها يا مازن مكنتش أعرف إنك بتحبها كده وإنتَ عارف العداوة اللي بينا وبين عيلة الهواري من زمان فلقيتها فرصة أكسر عينهم بيها
-كسرت عينهم بمراتي...كسرتها وكسرت قلبي
الله يسامحك على اللي حصل..الله يسامحك على وجعي يوم ما شوفتها بتتجوزه وكنت واقف متكتف،الله يسامحك على وجعي النهارده وأنا شايفه شايلها بين إيديه..الله يسامحك
صوت إبنه المليئ بالقهرة جعله يحسبها ويعرف أنه أخطأ،في أول مواجهة بينه وبين ابنه منذ تلك السنوات التي مرت جعلته يقف أمامه كالتلميذ المخطئ لا يستطيع الرد عليه
-حقك عليا يا مازن سامحني يا بني والله العظيم عمري ما قصدت أذيك ولا أجرحك
بس وقتها الشطان اتمكن مني ولقيتها فرصة أضرب بيها عيلة الهواري وأبعد البنت دي عنك
لأني مكنتش عاوز دم عيلة الهواري يبقى موجود وسطينا
جلس مازن على الأريكة بعدما شعر أن قدميه لم تعد تحمله وهو يقول له:
-أسامحك؟...أسامحك بعد أيه،بعد ما دخلت البيت اللي كنت مأجره وحطيت فيه كاميرات مراقبة عشان تتفرج على ابنك ومراته
ولا اسامحك على إنك بعت الفديوهات لفارس وفرجته على لحمي ولا أسامحك على خروجها بالملاية ولا أسامحك على الرعب اللي سببتهولها بالفديوهات دي وأنك هتشهر بيها لاء وكمان خلتها تقتنع إني مشترك معاك في اللعبة القذرة دي
وياريتك استكفيت بكده وبس لاء سرقت كمان الورق اللي أقدر أثبتلهم بيه انها مراتي وطلعتها خاطية قدامهم....أسامحك إزاي قولي
طب ولو أنا سامحتك معقول ربنا هيسامحك على اللي عملته ده؟
-ربنا غفور رحيم يا مازن
قالها علي بصوت واطي يكاد يسمع وهو ينظر إلى أسفل غير قادر على رفع عيناه أمام إبنه بعد ما قاله من حديث مخزي
قام مازن من مكانه قائلاً بنبرة حاول جاهداً أن يجعلها متزنة:
-وأنا أتمنى إن ربنا يسامحك وأنا كمان أقدر أسامحك
تركه وصعد درجات السلم بسرعة رهيبة داخلاً
لغرفته يبكي كطفل صغير تعرض لتعنيف من والده،مازال يحبها ويدق قلبه شوقاً لها عند رؤيتها،إنخلع قلبه من مكانه عندما رأي مازن يحملها كالجثة ولكنه قبل أن يغادر المستشفى علم بوفاة محمد فعرف سبب حالتها تلك
أشفق عليها ودعى ربه أن يلهمها الصبر لأنه أكثر من يعلم كيف تحب جدها وتحترمه
❈-❈-❈
في مقابر العائلة
يقف الشيخ أمام القبر الموضوع عليه اسم "المرحوم محمد الهواري" يقراء ما تيسر من القرآن الكريم
وخلفه يقف فارس وإبراهيم وأحمد وزين ينصتون إليه في خشوع
ومن خلفهم بعض الرجال الآتيين لتقضية واجب العزاء
أما على الجانب الآخر فتقف سارة ولين يبكيان
على وفاة جدهم الغالي رحمة الله عليه
تقف سارة والدة لين جوار إبنتها محاولة تهدئتها ولكن دون فائدة
بعد مرور ساعتين من تواجدهم في المقابر
إستقلوا سياراتهم وذهبوا إلى القصر لأخذ واجب العزاء من الضيوف
❈-❈-❈
نظرت نغم للساعة وجدتها تجاوزت الحادية عشر ليلاً وعلى ما تظن أنه خرج الساعه واحدة ظهراً تقريباً،فكيف لم يطمئن عليها كل هذا الوقت؟....أخذت هاتفها وهي تبحث عن رقمه وضغطت على زر الإتصال قبل أن تضع الهاتف على أذنها منتظرة رده عليها
ولكن انتهت المكالمة دون أن يأتيها رده،عادت القرة مرة أخرى وهاتفته ولكن تلك المرة كسابقتها لم يأتيها الرد....بدأ القلق ينهش منها وهي تفكر لماذا لا يرد عليها ولا فكر طوال اليوم أن يهاتفها يطمئن عليها
جاءت ببالها فكرة فأخذت الموبايل بعدما ألقته جوارها وهاتفت "رانيا"
لم ترد عليها أول مرة ولكن في المرة الثانية جاء صوتها المنخفض وهي تقول:
-إزيك يا نغم
-الحمدلله بخير...أسفة إني برن عليكي دلوقتي
وقلقتك يا رانيا
-لا يا حبيبتي مفيش قلق ولا حاجة...خير؟
-فارس خرج من الصبح وقالي أنه مع زين وأحمد بس لحد دلوقتي مجاش ولما برن عليه بيدي جرس بس مش بيرد،فلو ممكن ترني على زين تطمنيني على فارس
سكتت رانيا قليلاً قبل أن تقول بتوتر:
-فارس وزين في القصر لو عاوزة تكلمي فارس ممكن أشاورله أديله الموبايل
ردت عليها نغم بإستغراب قائلة:
-هو إنتِ معاهم؟
-إنتِ مفتحتيش سوشيال ميديا ولا إيه يا نغم
محمد الهواري جد فارس توفى النهاردة
صُدمت نغم مما قالته رانيا فهي لأول مرة تعرف أن فارس لديه جد من الأساس
ولكن تداركت صدمتها سريعاً قائلة:
-طب إديني عنوان القصر يا رانيا لازم أبقى مع فارس
توترت رانيا ووقفت كصنم لا تعلم ما ستقوله
فهي لم تتخيل أن نغم ستسألها على العنوان لتأتي إليه،فقالت بتوتر:
-هتيجي إزاي يا نغم ده الليل دخل علينا
-هاتي العنوان يا رانيا وأنا هتصرف
لم تجد رانيا مهرب من المأذق الذي وضعت نفسها به فوجدت نفسها تعطيها العنوان بكل يسر ومن ثم أنهت الإتصال
ضغطت على زر الاتصال ولكن على زين ولكنه لم يرد...حاولت مرتين أخرين وفي الأخيرة جاوب أخيراً
-إيه يا رانيا
-زين نغم جاية القصر دلوقتي
رد عليه زين بإستغراب وهو يقول:
-إيه اللي هيجبها القصر!!
أردفت رانيا بتوتر نادمة على انفلات لسانها منها:
-كانت بتسألني عن فارس فقولتلها إن جده توفى والله العظيم كنت فكراها عارفة..لقتها بتقولي هاتي عنوان القصر أنا جاية
زفر زين بضيق قبل أن يقول:
-ربنا يهديكي يا حبيبتي ويربط لسانك اللي مودينا في داهية ده
-إنتَ في ايه ولا ايه يا زين...قول لفارس يمكن يمنعها تيجي
-ماشي...سلام
اغلق زين الهاتف دون أن يستمع لها وعاد مرة أخرى لمكانه بجوار فارس
مال رأسه قليلاً ليصبح مقابل أذنه وقال بصوت منخفض لا يسمعه غيره:
-نغم جاية القصر دلوقتي
وقف في هذا الوقت إياد صاحب أحمد أمامهم وهو يمد يده مصافحاً فارس وهو يقول:
-البقاء لله ربنا يجعلها أخر الأحزان
أماء له فارس وهو يقول بذهن شارد بما أخبره به زين:
-الدوام لله
سلم إياد على زين هو الأخر ومن ثم عاد ليجلس جوار صديقه أحمد
فرح عندما رأي فارس موجود بالعزاء فمعنى هذا أن نغم هي الأخرى عادت من السفر معه
فعزم على الذهاب إليها غداً فلأول مرة منذ معرفته بها يبعد كل هذا البعد عنها
نظر فارس بالساعة وجدها تخطت الثانية عشر
أخرج هاتفه سريعاً وجد العديد من الإتصالات الآتية من نغم
نظر فارس إلى زين وهو يقول بتساؤل:
-مين قالك انها جاية؟
-رانيا ادتها العنوان
نظر له نظرة لها معنى
فسكت زين لا يعرف ما سيقوله له فرانيا مخطئة ولكن ماذا سيفعل هذا طبعها
مسك فارس هاتفه وهو يبتعد عن مكان جلوسه
مهاتفاً نغم
قال بغضب بعدما فتحت المكالمة دون أن ينتظر سماع صوتها:
-إنتِ فين؟
شعرت بالخوف عندما لمست نبرة الغضب المحتلة صوته فقالت بحذر:
-أنا راكبة التاكسي وجاية القصر يا فارس
رد عليها فارس بعصبية وهو يقول:
-ده بمزاجك كده...كيس جوافة أنا أعرف إن مراتي خرجت من البيت من صاحبي
-يا فارس انا لما عرفت إن جدك توفى رنيت عليك كتير عشان أقولك إني هاجي بس إنتَ مردتش عليا فضطريت إني أخرج
أغمض فارس عيناه بشدة عله يُهدأ من غضبه
لا يصدق أنها خرجت من المنزل في ذلك الوقت المتأخر والأدهى أنها تنفرد برجل في سيارة التاكسي بهذه الساعة
-إنتِ فين دلوقتي
قالها بصوت جاهد في خروجه بهذا الهدوء
-أنا نزلت أهو وواقفة قدام القصر،تعالى خدني
عشان هتكسف أدخل
أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله بعد معرفته بوقوفها أمام البوابة الخارجية للقصر وعاد مرة أخرى للداخل قائلاً لزين:
-أنا خارج ثواني وجاي خليك قاعد مكاني
أماء له زين ثم قال بإستفسار:
-في حاجه ولا أيه
رد عليه فارس بسؤال ليس له علاقة بما يقوله:
-هو النهاردة كام في الشهر
رد زين على سؤاله بإستغراب:
- ٥/١٢.....ليه
- عرفت ليه أنا مبحبش رقم ١٢ ولا لسه
- لاء مش واخد بالي مبتحبوش ليه؟
-عشان مبيحصلش فيه غير المصايب
قالها فارس قبل أن يغادر المكان الجالس فيه الرجال
ووقف أمام باب النساء وهو ينادي على "لين"
ذهبت إليه لين عندما إستمعت إلى صوته
وقالت بتساؤل:
-بتنادي عليا يا فارس؟
-اه يا حبيبتي كنت عاوز في خدمة عارف إنه مش وقتها بس عشان خاطري أقفي جمبي
-في إيه يا فارس،إنتَ عارف إني أعمل اي حاجة عشانك
إبتسم لها فارس إبتسامة بسيطة رداً على كلامها قبل أن يقول بتوتر:
-نغم مراتي برة وإنتِ عارفة إن لسه متعرفتش على حد هنا وأنا مش هقدر أقعد معاها وأسيب الرجالة فهسيبها معاكي أمانة يا لين
صمتت لين للحظات رافضة الفكرة حتى لا تجرح سارة إبنة عمها وصديقتها ولكن اخرجها فارس من صمتها هذا برجائه:
-عشان خاطري عندك يا لين مترفضيش ده اول طلب أطلبه منك...إنتِ بس هتقابليها حلو ومتخليش حد يضايقها وهي هتقعد مع رانيا
أماءت له لين موافقة بالإجبار بعدما قالت:
-هاتها
قبل رأسها بحب قبل أن يقول:
-شكراً يا حبيبتي
تركها فارس وخرج من باب القصر الداخلي متوجهاً للخارج وجدها بالفعل تقف أمام البوابة الرئيسية ملتحفة بالأسود بالكامل ووجها كالبدر المنير بين عتمة الليل
جريت نغم عليه بسرعة فور وقوع عيناها عليه
وارتمت بأحضانه وهي تقول بإشتياق:
-وحشتني أوي
ضمها فارس إلى حضنه أكثر وقبل رأسها قبل أن يقول:
-وإنتِ كمان
بعدت عن حضنه وهي تقول بأسى:
-البقاء لله أنا والله معرفتش غير من رانيا...أنا اصلا مكنتش أعرف إنك عندك جد
إبتسم فارس على مزحتها الأخيرة وهو يقول:
-في حاجات كتير مكنتيش تعرفيها وتقريباً كده هتبان النهاردة
نظرت له بإستغراب وهي تقول:
-حاجات زي إيه
-هقولك لما نروح النهاردة،بس أوعديني اي حاجة هتشوفيها جوة أو تستغربي منها متسأليش فيها غير لما نروح بيتنا
أماءت له نغم بإستغراب وهي تقول:
- حاضر
❈-❈-❈
بمكان تجمع السيدات
تجلس سارة تستقبل العزاء من الضيوف الوافدين وبداخلها جمر مشتعل تريد أن تأخذ بعضها وتغادر المكان لتترك نفسها لحزنها
فإبراهيم طلقها دون أن يرف له جفن
بداخلها شعورين شعور يريد أن تذهب إليه وتحتضنه لتخفف عليها ألم فراق والده التي تعلم جيداً كيف سيؤثر عليه
والثاني يريدها أن تهرب من هنا فالحقيقة المُرة أنها أصبحت طليقته ليس إلا
وقف فارس على الباب وبيده نغم يبحث عن أمه وأخته بعيناه حتى وجدهم
تقدم بخطاه إلى الداخل ونغم تسير جواره مشددة على كفه
وبمجرد دخوله وهو ماسك بيدها جعل أنظار كل السيدات الموجودين بالمكان منصبة عليهم محاولين تخمين من تلك الموجودة مع فارس الهواري
وقف أمام والدته وقال بنظرة ذات مغذى:
-نغم يا ماما،مراتي
توقيت غير مناسب تماماً حتى تستقبل زوجة ابنها التي عادت الحياة لإبنها مرة أخرى كما قال لها.....سعيدة لسعادته ولكن بداخلها جمر من النار مشتعل من طلاقها من إبراهيم،حتى الآن لا تصدق ما حدث
لو كان في وقت أخر لكانت تطير من الفرحة الآن ولكن صدمتها بطلاقها من إبراهيم جعلتها في صدمة كبيرة لا تقدر على استعابها
نظر لها فارس نظرة رجاء لمحتها في عيونه
فاغتصبت نفسها لتتصنع إبتسامة واسعة وهي تأخذها بين أحضانها قائلة:
-ما شاء الله عليكي زي القمر يا حبيبتي..فارس مكدبش في اللي قاله عليكي
إبتسمت لها نغم بخجل وقالت لها:
-ربنا يخليكي يا طنط...الصراحة إنتِ اللي زي القمر
وفي سؤال بيدور في ذهني دلوقتي إنتِ إزاي أم فارس
ضحكت سارة من قلبها وهي تقول لها:
-طفرة جينيه بتحصل عادي
جاءت لين إليهم قائلة لفارس حتى لا تُحزنه فهي تعلم أنه ذهب بها إلى والدتها لمعرفته أنها لن تستطيع محادثتها ولا النظر بوجهها ولكنها قامت وفعلت ذلك من أجل أخيها:
-مش هتعرفها عليا يا فارس
إبتسم فارس لها إبتسامة إمتنان ووضع يده على كتفها وهو يقول لنغم:
-دي يا ستي لين القلب...أختي
إبتسمت لها نغم وقالت بهدوء:
-البقاء لله
-الدوام لله يا حبيبتي...تعالي أقعدي معانا هناك
احنا والبنات
نظرت نغم لفارس أماء لها برأسه وهو يقول:
-روحي يا حبيبتي معاها
ذهبت نغم مع لين لمكان الفتيات
أما فارس قبل رأس أمه قائلاً لها بهدوء:
-عارف إنك زعلانة ومش قادرة تقعدي أكتر من كده بس صدقيني لما الناس تمشي هنشوف حل
أماءت له برأسها وهي تقول له:
-ربنا يباركلي فيك يا حبيبي
❈-❈-❈
سلمت نغم على رانيا وجلست جوارها بعدما دخلت مع لين غرفة جلوس الفتيات
نظرت لها سارة نظرة شمولية عرفت من خلالها أنها نغم سكرتيرة فارس سابقاً وزوجته حالياً فهي رأت صورتها بالجريدة مع فارس من قبل
لا تعلم لما هذا الشعور الذي استوطنها ولكنها كرهتها،على ما يبدو أن المرأة تفضل مرأة مهما كانت الظروف...تحب إمتلاك الأشخاص وها هي نيران الغيرة اشتعلت بجسدها تجاهها
لا تغير على فارس ولكنها تغير من سرقتها لإسمها الذي كان الكل يهابها به من قبل وهو
"زوجة فارس الهواري"
أخفضت بصرها لأسفل عندما لاحظت نغم نظرات الكره التي تخصها بها
مالت نغم على رانيا وقالت لها بصوت منخفض وهي تشير على سارة بعيناها:
-رانيا هي مين اللي قاعدة هناك دي
-بنت عم فارس
قالتها رانيا بسرعة رهيبة قبل أن تفكر في الإجابة لانها عندما تفكر تخرب الأمور
-من وقت ما دخلت وهي عمالة تبصلي بقرف
-سيبك منها وبصي قدامك
❈-❈-❈
وقف فارس بإستغراب عندما وجد جده مُنير وخاله وائل
داخلين من الباب الرئيسي لمعزى الرجال
ومن خلفهم دخل علي
كانت وجهة منير الأولى هي فارس حفيده الذي يفتخر به وبدهائه في العمل رغم أنه يعود عليه بالضرر
احتضنه مُنير دون أي انذار وقال:
-وحشتني يا ابن الهواري
إبتسم فارس وقال:
-ما هو باين من أخر صفقة يا منير بيه
-واخدها عند فيك خد في بالك...أصلي بحب ألعبك في السوق أوي
ضحك فارس وقال:
-وانا بحب اللعب معاك يا منير
-قليل الأدب بس بحبك أعمل إيه...مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد
ثم إستكمل حديثه قائلاً بجدية:
-البقاء لله...العمر الطويل ليك إن شاء الله
-الدوام لله... شكراً على نزولك
سلم وائل هو الأخر على فارس بحب كبير فوائل علاقته بفارس ليس خال وإبن أخته ولكن علاقة أخ بأخيه رغم العداوة التي أصبحت بين أبيه وعائلة الهواري مؤخراً في العمل
ذهب أحمد إلي مكان وقوفهم وسلم على جده وخاله هو الأخر
أما علي فوقف أمام فارس قائلاً بسخرية:
-البقاء لله يا فارس يا بني منجلكش في حاجة وحشه تاني
نظر له فارس بعيون تطلق شرارات تحرق الأخضر واليابس قبل أن يقول:
-قول لإبنك فارس الهواري هيجيبك والمرادي مش هيرحمك
توتر علي قليلاً قبل أن يقول:
-ملكش دعوة بيه يا فارس ابني بعيد عنكم خالص
-هعرف إذا كان بعيد ولا قريب بس وقتها حضرله كفنه عشان زي ما قولتلك مش هرحمه
❈-❈-❈
في الساعة الثانية ليلاً بعد انتهاء العزاء ومغادرة أغلب الحاضرين
دخل مُنير ووائل القصر وبجوارهم علي بما أنه صديق منير الصدوق
عندما رأت سارة والدها جريت سريعاً إليه وهي تحتضنه بإشتياق لا تصدق أنها رأت والدها أخيراً بعد تلك المُدة التي سافر بها
ضمها اليه أكثر بإشتياق وهو يقول:
-وحشتيني يا حبيبتي
-حقك عليا يا بابا أنا أسفة أني قاطعتك كل الفترة اللي فاتت دي عشان ناس متستهلش
خصصت تلك النظرة لإبراهيم الواقف خلفهم
قبل رأسها وقال:
-مفيش حد بيزعل من روحه يا حبيبتي
خرجت من حضن أبيها لحضن وائل
خرجت لين والبنات على الصوت الأتي من الخارج
سلمت لين عليهم بحب هي الأخرى وظلت بجوار خالها متمسكة بحضنه
أردف مُنير أخيراً بعد فترة من الصمت:
-هنستأذن إحنا عشان نسيبكم ترتاحوا
يلا يا وائل إنتَ وعلي
وجاء ليلتفت حتى يغادر
أوقفته سارة بصوت قوي لا تعلم من أين أتى:
-استني يا بابا أنا جاية معاك
رد عليها منير بإستغراب وهو يقول:
-جاية معايا فين؟
-أنا وابراهيم اطلقنا يا بابا
جاء ليرد عليها سمع صوت علي الذي يقول بصدمة:
-نغم
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة أميرة عمار من رواية البريئة والوحش، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
رواياتنا الحصرية كاملة
رووووعه كملى